السبت
2022/08/13
آخر تحديث
السبت 13 أغشت 2022

هكذا عادت أموال الرئيس الفاسد

14 يونيو 2022 الساعة 08 و09 دقيقة
هكذا عادت أموال الرئيس الفاسد
طباعة

أصدرت وزارة العدل الأميركية قرارا بمصادرة ممتلكات رئيس غامبيا السابق يحيى جامع وزوجته وأبنائه. بدأت إجراءات المصادرة بمنزل اشتراه جامع وهو في السلطة، خلال الفترة من 22 يوليو/تموز 1994 إلى أول يناير/كانون الثاني 2017 بنحو 3.5 ملايين دولار، بـ"عوائد الفساد"، عن طريق شركة أسستها زوجته زينب جامع تدعى "بوتوماك"، ومقرها ولاية ميريلاند في الولايات المتحدة.

جاء القرار تنفيذا لحكم قضائي نهائي بالمصادرة في 24 مايو/أيار الماضي. اهتمت وكالات الأنباء بنشر الخبر الذي أتانا عبر البريد، ضمن الرسائل التي نتلقاها، ومن يطلبها، دوريا من وزارة العدل الأميركية، ومع ذلك، لم تهتم وسائل الإعلام العربية بمتابعته إلا عبر قناة واحدة تصدر باللغة الإنكليزية.

ملاحقة فساد الرؤساء والمسؤولين كانت هدفا عظيما لثورات الربيع العربي، لكن جميعها لم يحقق هذا الهدف، بعد اختطاف الثورات ونجاح الدولة العميقة في حجب المعلومات، أو سكوت الثائرين عن ملاحقة الأموال المنهوبة، فسحق الرؤوس يقضي حتما على الذيول.
لم يكن غريبا أن تسقط سويسرا قضايا الفساد المالي التي لاحقت الرئيس المصري الأسبق حسنى مبارك وعائلته، فالمدعي العام السويسري قال: "إنه لم يستلم أية وثائق من السلطات المصرية، رغم مناشدته لهم بذلك مراراً".
ضاعت أموال تونس التي هرب بها الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي ورجاله، ومن قبل فاز رفعت الأسد شقيق حافظ أسد، بسورية، بملايين الدولارات، حيث قام بتهريبها إلى باريس.

إذا تكلمنا عن الأموال العربية المنهوبة في عواصم أوروبا والولايات المتحدة وغيرهما، فإن القائمة تطاول قادة ووزراء ورجال أعمال، ولكن جاءت قضية يحيى جامع نتيجة جهود شعب والتزام الدولة المضيفة للأموال بملاحقة الفساد الذي يقع داخل أراضيها من الأجانب، أو يرتكبه مواطنوها بالخارج.
جاء الحكم نتيجة شكوى قدمتها حكومة الولايات المتحدة في يوليو/تموز 2020، تطلب فيها مصادرة ممتلكات شركة "بوتوماك"، باعتبارها الشركة التي كانت معبرا لتهريب الأموال العامة المسروقة من شعب غامبيا، والرشاوى التي طلبها جامع من الشركات التي احتكرت قطاعات مختلفة من الاقتصاد الغامبي.
أثبتت حكومة الولايات المتحدة استفادة أسرة الرئيس وشركائه المقربين في السلطة من مجموعة الشركات الوهمية، وصناديق الاستثمار الخارجية، لغسل أموالهم في مناطق كثيرة من أنحاء العالم، لذلك عدلت الحكومة صورة الشكوى في أغسطس/آب 2020، بطلب لبيع القصر الذي اشترته زوجة الرئيس بملايين الدولارات، لصالح شعب غامبيا المتضرر من فساد الرئيس السابق.

جاءت قضية يحيى جامع نتيجة جهود شعب والتزام الدولة المضيفة للأموال بملاحقة الفساد الذي يقع داخل أراضيها من الأجانب

قال المدعى العام لولاية ميريلاند:" لن يُسمح للمسؤولين الأجانب الفاسدين بإخفاء أموالهم غير القانونية في ولاية ميريلاند أو أي مكان آخر في الولايات المتحدة، سنستخدم جميع الأدوات المتاحة لتعقب تلك الأموال وإعادتها إلى أصحابها".

شاركت عدة جهات فيدرالية في ملاحقة الفاسدين، وهي التي طلبت من الأفراد الذين لديهم معلومات حول عوائد محتملة للفساد الأجنبي أو عمليات غسل الأموال لأي مسؤول أو فرد أن يتواصلوا معها لإنفاذ القانون.

ظل يحيى جامع في رئاسة بلاده 22 عاما، فكوّن شبكة واسعة من المسؤولين والسياسيين الفاسدين، الذين ساعدوه على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في بلد مسلم فقير يقع على الساحل الغربي لأفريقيا. أعدم الفاسد مئات المعارضين واتهم باغتصاب عدد من النساء، وإخفاء المئات قسريا، وقتل 270 معارضا على يد النظام وعملائه.

شكل الغامبيون لجنة للتحقيق في جرائمه، عقب إجباره على الاعتراف بهزيمته في الانتخابات، وتسليمه السلطة لرئيس منتخب. استمعت اللجنة لنحو 393 شاهدا وضحية، في تحقيق حول فرق الموت التي أدارها النظام للتخلص من منتقديه.

أكد شهود عيان تورط يحيى جامع شخصيا في ارتكاب بعض الجرائم، وصدرت توصيات بملاحقته قضائيا، في الداخل والخارج، في 25 مايو/أيار 2022.
لم يستطع خلفه الرئيس أداما بارو - الذي أنهى انتخابه أكثر من 22 عاما من الحكم الاستبدادي - أن يلاحق يحيى جامع، لحصوله على دعم من القادة الفاسدين مثله في أفريقيا ودول عربية.
أوصت لجنة" الحقيقة والمصالحة" بملاحقة يحيى جامع وعدد من شركائه أمام محكمة دولية، ومنعه هو وأسرته ورجاله من حمل جواز السفر الدبلوماسي. رفضت الولايات المتحدة، على أثر ذلك، منحه تأشيرة دخول لأراضيها.

ظل المال في عهدة الرئيس الفاسد المخلوع، ولكنه لم يتمتع به على الاطلاق، فكل ما حصل عليه عهد أمان بالعيش في غينيا الاستوائية، بدعم من رئيسي غينيا وموريتانيا، مقابل تنحيه عن السلطة في 21 يناير 2017. اضطر الاتحاد الأفريقي إلى اصدار قرار بعدم التعامل مع يحيى جامع، باعتباره "رئيسا غير مسؤول وفاسدا".
القرار الأفريقي لم يأت نتاج صحوة في نفوس رؤساء ومسؤولين ما زال بعضهم يوفر الحصانة لرؤساء فاسدين وقادة انقلابات عسكرية، نشطوا في دول القارة خلال السنوات الأخيرة، بما يذكرنا بمرحلة سبعينيات القرن الماضي السوداء، أعادت الشعوب إلى حالة أسوأ مما كانت عليه خلال فترة الاستعمار الأوربي، بل لأن الشعب الغامبي تكاتف لملاحقة الفساد والفاسدين.

بلغت قوة هذا الشعب أنه أصبح الفريد من نوعه، الذي استطاع أن يجبر المحكمة الجنائية الدولية، في لاهاي، على أن تحقق في جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها الأغلبية البوذية في ميانمار ضد مسلمي الروهينغا، بدعم من القوات العسكرية

حملت حكومة غامبيا الملف الشائك إلى المحكمة الجنائية الدولية نيابة عن 57 دولة إسلامية، هم أعضاء تجمع رابطة العالم الإسلامي، لتشرح بالوثائق كيف قتل البوذيون المتطرفون، وبدعم من المليشيات العسكرية التابعة للجيش، عشرات الآلاف من مسلمي الروهينغا حرقا داخل بيوتهم، وطردهم نحو مليوني شخص إلى البراري، للعيش في مستنقعات خليج البنغال.

تحالفت صاحبة نوبل الزعيمة أون سان سو تشي، رئيسة الوزراء، مع المتطرفين البوذيين والعسكر، لتبرئ ساحتهم من الملاحقة الدولية، بعدها لم تنج من جرائمهم، ووضعت بالسجن بعد انقلاب عسكري وحشي دبروه ضدها، في فبراير/شباط 2021، بينما شعب غامبيا حقق ما ابتغاه من ملاحقة الرئيس الفاسد وزمرته.
يعيش يحيى جامع في غابات أفريقيا الاستوائية مطاردا وحيدا، بعد أن هجرته زوجته للعيش في السنغال. ستعود الأموال المنهوبة إلى شعب رفض أن يسلم إرادته لدول أخرى، أو يتعايش مع فساد المتلونين وخفافيش الدولة العميقة.