الأربعاء
2022/09/28
آخر تحديث
الثلاثاء 27 سبتمبر 2022

قصةُ سَجِينِ "القاعدة" الذي أخذني بالأحضان!

22 يونيو 2022 الساعة 08 و53 دقيقة
قصةُ سَجِينِ
طباعة

الأربعاء المنصرم، 15 يونيو الجاري، كنت أقف متأملاً في لوحات فنية عدة، بينها وجهٌ لفتاة حسناء، اقتناها أحد الأصدقاء، أثناء زيارتنا معاً للمعرض الذي ضم مجموعة من الأعمال التشكيلية.

فجأة وفيما بصرنا يجوبُ بين الألوان، إذا بشخص مبتسم يأخذني بالأحضان! الشاب الذي لا أعرفه، صاح بصوت فيه من البهجة الكثير: يا هلا بحسن المصطفى. تأملتُ ملامحه، إلا أن الذاكرة لم تسعفني أن أميز سحنته، فسألته عن اسمه، قال: أنا فلان بن فلان، وأنا من الذين يتابعون كتاباتك ومقابلاتك باستمرار.

أكثر من ذلك، فاجأني هذا الفتى الذي يتقد حيوية بأنه يعرف نزراً من تاريخي وأفكاري، وأنه ليس مجرد متابع سطحي وحسب.

الانتماء لـ"القاعدة"
الشاب الذي التقيته، كان أحد الأعضاء السابقين في تنظيم "القاعدة"، والذي تم إلقاء القبض عليه أثناء الحملات التي شنتها قوات الأمن السعودية على التنظيم وأفراده. وهو الآن وبعد أن قضى نحو 17 عاماً في السجن، بدأت لديه العديد من المراجعات الفكرية، والتغيرات الثقافية والسلوكية خلال سنوات توقيفه، بعد أن حكم عليه بسبب انتمائه لتنظيم إرهابي، وكان جزءا من كادره الإعلامي وجهازه الدعائي.

المعرض الفني الذي ضم العديد من الأعمال التشكيلية والحرفية وجرى اللقاء فيه، كان في إحدى القاعات التي اكتظت بالنزلاء والزوار والعائلات والصحافيين في سجن "الحائر" التابع لـ"المباحث العامة" في العاصمة السعودية الرياض، حيث شهد المهرجان الثالث لـ"أجنحة إدارة الوقت"، وهي أجنحة في السجون، مخصصة للموقوفين الذين يديرون فيها أنشطتهم بأنفسهم، ويحاولون عبر ذلك تنمية مهاراتهم والاستفادة من أوقاتهم في حقول عدة: فنية، وثقافية، ورياضية، وحرفية.. وسواها!

أرشيفُ "القاعدة"!
بالعودة إلى الشابِ الذي التقيته، وكان عضواً سابقاً في تنظيم "القاعدة"، شاءت الصدفُ أن يكون هو ذاته من كان بحوزته جزءٌ كبيرٌ من أرشيف عمليات وتدريبات تنظيم "القاعدة" المصور، وهو الأرشيف الذي صار في حوزة "المباحث العامة" بُعيد إلقاء القبض على الشاب، وجزء منه تم الاستفادة منه في فيلم وثائقي مهم، بعنوان "كيف واجهت السعودية القاعدة؟"، من إنتاج شركة OR Media، بثته قناة "العربية" العام 2015، وكنتُ شاهدتُ الفيلم بأجزائه الثلاثة قبل عرضهِ على الشاشة، حيثُ عملت على إعداد ملخصات خبرية وتقارير موسعة عنه لموقع "العربية.نت" ولشبكات التواصل الاجتماعي التابعة للقناة.

كانت لحظة مربكة، فيها الكثير من المشاعر بالنسبة لي، أن ألتقي شخصاً مثل هذا الشاب، الذي أثار لديَّ الكثير من الأفكار، خصوصاً أنه وبعد أن ذهبت بعيداً عنه، رأيته يتجه صوبي من جديد ليعرفني على أخته وابنها اللذين قدِما لزيارته والتعرف على أنشطة المهرجان، خصوصاً أن أحد الأهداف التي تسعى "المباحث العامة" لها، هي جعل عائلات النزلاء على معرفة بتفاصيل حياة أبنائهم الموقوفين والنشاطات التي يقومون بها، كي لا يكون هنالك انقطاع بين الأهل.

لقاءُ العائلةِ
أن تقف للحظات مع أفراد من عائلة شابٍ نزيلٍ في السجن، وتتحدث معهم، وخصوصاً أن أخته في مقام أمه، هو امتحانٌ صعب، إنما الأهم أن تمنحهم الأمل، والثقة أن ابنهم بخير، وأنه هنا ليس انتقام منه أو بغض له، وإنما بسبب قيامه بأعمال مخالفة للقانون، هددت أمن وسلامة المجتمع، وهو يقضي حكماً صادراً بحقه، والأهم أنه منخرط الآن في أنشطة يومية عدة، ويستفيد من وقته – قدر المستطاع - دون أن تضيع سنوات عمره هدراً، وهو الآن في تحولٍ فكري أخرجه من خطابِ "القاعدة" التدميري، وصيره شخصاً يحمل رؤية متناقضة تماماً مع منهجه السابق.

خاطبت أخته قائلاً لها: أعرف شعور الانتظار لدى عائلات الموقوفين، وتوقكم الكبير للقاء أخيك في الخارج، وكل شيء بيد الله عز وجل؛ إلا أن الأهم أن أخاك بخير، والبسمة تعلو محياه، وهي ابتسامة غير مصطنعة، بل يمكن ملاحظتها بوضوح، كما أن علاقته مع الضباط والجنود وزملائه في أجنحة "إدارة الوقت" حسنة جداً.. وواصلت الحديث معها عن تطور شخصيته والتغيرات المعرفية لديه، وهو الجانب العالي الأهمية والذي من شأنه أن يجعله مهيأ للاندماج في الحياة العامة بشكل أكثر يسراً بعد الإفراج عنه وانقضاء محكوميته.

تدوين الأفكار!
الشابُ المبتسم لم يكتفِ بذلك، وإنما أطلعني على كٌتيبٍ يعمل عليه، فيه مراجعات فكرية عدة، وهو يسعى مستقبلاً للتعاقد مع إحدى دور النشر وطباعته.

ليس هو وحده، بل هنالك زميل آخر له، يعمل على كتابة رواية، يحكي فيها سيرته، والتغيرات التي مر بها، وكيف كان، وما صار عليه هو ومجموعة من رفاقه الآن.

قصصُ التطور!
هذه واحدة من القصص المعبرة، والتي تشير إلى أن الهدف من كل هذه الأنشطة في برنامج "إدارة الوقت" بسجون "المباحث العامة" في السعودية، هو أن يستفيد النزلاء من الخيارات المتاحة أمامهم، ويطوروا ذواتهم وخبراتهم، وأن لا تكون بينهم وبين "رؤية المملكة 2030" فجوة، بحيث يواكبون عملية الإصلاح الجارية في المجتمع.

احتواء هؤلاء النزلاء، الدخول في نقاشات صريحة وحرة معهم، إشعارهم أنهم جزء من هذا المجتمع، وأنهم سعوديون، بناتُ وأبناء هذا الوطن، وأن المراد هو تغيير التفكير السلبي أو الأصولي أو العنفي الذي قاد بعضهم للانخراط في تنظيمات إرهابية أو دعم خطابات تكفيرية أو تبني أفكار تضر بأمن واستقرار السعودية؛ ذلك هو المراد، أي أن "السجن" ليس محلاً للانتقام، فالدولة ليست كائناً غريزياً دموياً يمارس العنف ضد المواطنين، بل هي كيانٌ وظيفته تنظيم الشأن العام، وضمان حقوق المواطنين وأمنهم وسلامتهم، وتطبيق القانون وحفظ النظام العام.

هي واحدة من قصصٍ عدة تستحق أن تروى، فهنالك فتياتٌ وشبانٌ يتقدون حيوية، ارتكبوا أخطاء بعضها فادحٌ للغاية، نتيجة ظروف وسياقات تاريخية وخطابات تحريضية وحملات إعلامية مكثفة في الفترات السابقة، وبعضهم الآن يعيش تحولات منهجية عميقة لا يدركها إلا من قابلهم وتحدث معهم، وهم اليوم مصرون على القطيعة مع الماضي بكل ما فيه من مشكلاتٍ، بعد أن تبين لهم أن العنف والتكفير وحمل السلاح والولاء للخارج والتحريض، كل ذلك لن يجدي نفعاً.