الاثنين
2022/10/3
آخر تحديث
الاثنين 3 أكتوبر 2022

تعرف على إبداعات صائغ المجوهرات في موريتانيا: صنعت بوسائل بدائية ويتجاوز سعرها مليوني أوقية(صور)

27 يونيو 2022 الساعة 08 و24 دقيقة
تعرف على إبداعات صائغ المجوهرات في موريتانيا: صنعت بوسائل (...)
طباعة

حمته في عمر الزهور من شبح البطالة، وآمن بها منذ نعومة أظفاره، إذ كان في طفولته يعيش مع جدته وحيدا يحلم بمهنة العم الذي كانت تُرى عليه آثار الثراء حين يأتي لزيارة أمه في عطلة قصيرة اختلسها من وقته المشحون في أسواق الذهب بالعاصمة الموريتانية (نواكشوط)، عطلة تركت أثرا محفزا في نفس الصبي ذي العزيمة القوية جعلته ينهي دراسته في سن مبكرة ويقطع المفازات الشاسعة لتحقيق حلمه والالتحاق بعمه في سوق الذهب.

ما زال يعيش سيدي ولد الشمرة المنحدر من قرية صغيرة في أقصى الجنوب الموريتاني حلمه منذ أكثر من 30 سنة، وما زال يتفحص سبائك الذهب والفضة بمبرده البالي وآلاته البدائية في ورشته المتواضعة. ورغم قلة الدخل والركود الذي أصاب سوق الذهب بعد جائحة كورونا فإنه يعدّ نفسه محظوظا لاختياره هذه الحرفة بالذات، فهي الوحيدة التي استطاعت البقاء والمنافسة نسبيا رغم التحديات في حين تصارع عشرات الصناعات التقليدية الأخرى من أجل البقاء ويهددها الاندثار حينا بعد آخر.

تعدّ صياغة المجوهرات في موريتانيا مهنة قديمة قدم الأرض، وتتمركز داخل شريحة واحدة ذات ذكاء خارق تسمى محليا "لمعلمين" وتشمل عائلات امتهنتها منذ مئات السنين وحافظت عليها وتوارثتها جيلا بعد جيل، ورغم التطورات التي شهدها العصر الحديث في هذا المجال فقد استطاع هؤلاء بكل فخر واعتزاز التمسك بهذا الإرث بوسائلهم البدائية وحافظوا على مكانته في المجتمع وطابعه التقليدي.

إقبال جيد رغم الغلاء
ينتج سيدي الذي درّب عشرات الشباب على هذه المهنة بفضل خبرته وقدرته الفائقة على الإبداع أشكالا متنوعة من المجوهرات التقليدية والحلي الذهبي الفاخر الممزوج بالأحجار الكريمة، الذي يشهد إقبالا جيدا، تتنافس النساء لاقتنائه ممن يعتبرنه إرثا ثقافيا وفنيا يرمز للأناقة والجمال.

وتقول السيدة زينب إحدى زبونات سوق الذهب "إنني مولعة بالذهب الممزوج بالأحجار الكريمة وحبات الخرز التقليدية، ولا أقتنع بأي حلي مهما كان نوعه وجودته ما لم يدمج ببعض الحب الحر التقليدي"، وتضيف "حينئذ تكتمل سعادتي وأتنفس الصعداء وأشعر بأني متزينة حقا".

ويبلغ سعر طقم المجوهرات (مجموعة حلي متكاملة تضم أقراطا، وسوارا، وخاتما، وقلادة) من ذهب متوسط الحجم ممزوج بالحب الحر أو البديل نحو 3 ملايين أوقية (أكثر من 8 آلاف دولار)، ويبلغ سعر بعض القطع منفردة مليوني أوقية.

أما مجوهرات الفضة فيراوح سعرها بين 200 ألف إلى 500 ألف (1200 دولار)، ويزيد سعرها عندما يتم سبقها (تطعيمها) بالذهب.

المواد الأولية
تتوفر لدى الصناع التقليدين كل المعادن النفيسة الذهبية والفضية والنحاسية، يستخدمونها لصناعة أنواع مختلفة من الحلي والمجوهرات كالقلائد والأسوار والخواتم، في ورشاتهم بسوق الذهب التي تتوافد النساء عليها في مواسم الأعياد والأعراس لسدّ حاجاتهن من آخر موضات الزينة والحلي النفيس، كما يقصدنها لبيع مقتنياتهن القديمة من الذهب والفضة لإعادة تصنيعها من جديد أو إصلاحها.

ورغم أن موريتانيا تصدر سنويا أكثر من 5 آلاف كيلوغرام من الذهب عن طريق التنقيب التقليدي وحده، الذي تبلغ إيراداته سنويا أكثر من 100 مليون دولار، فإن ذلك لم ينعكس نفعه على الصاغة التقليديين.

يوكاتي صائغ مجوهرات ورئيس مؤسسة "من ورشات الصناع" التي تسعى للحفاظ على هذا الموروث وتطويره (الجزيرة)
وفي حديثه للجزيرة نت، يقول مختار يوكاتي الذي يرأس مؤسسة "من ورشات الصناع" إنهم يعتمدون فقط على القطع المستخدمة والمستوردة في الأغلب من الخارج، تباع للصائغ ويعيد صياغتها بشكل آخر.

ويرجع ولد يوكاتي أسباب ذلك إلى أن المؤسسات المتخصصة في التعدين لا تملك شبابيك بيع في الداخل، فهي تشتري فقط لتبيع في الخارج. أما ذهب المنقب التقليدي فلا يرغب فيه الصائغ لأنه مجهول العيار، وغير ثابت، ويحتوي على معادن أخرى مجهرية لا تتوفر الأجهزة اللازمة للتخلص منها.

مراحل التصنيع
تتميز صياغة المجوهرات التقليدية من الذهب والفضة في موريتانيا بما يسمى "التنزال"، وهذ الطابع العتيق ما زال الصاغة التقليديون يتمسكون به رغم صعوبته ويرفضون استخدام القوالب الحديثة الجاهزة لصنع الحلي.

ويقول سيدي للجزيرة نت "مع أننا تدربنا لدى منظمات أوروبية على صنع الأشكال الحديثة بالقوالب المجهزة التي تمكننا من إنتاج كميات كبيرة في وقت قصير إلا أننا فضلنا المحافظة على الطابع الذي تتميز به صناعتنا (التنزال) والتمسك به؛ فهو ما يميز صناعتنا، ولو صغنا المجوهرات بهذه الطريقة وأنتجنا كميات كبيرة في وقت وجيز فإننا سندخل في منافسة لا قبل لنا بها مع المجوهرات المستوردة، ونفقد كثيرا من زبائننا في الأسواق الداخلية".

و"التنزال" عبارة عن صياغة الجوهرة بالصيغة التقليدية من دون اللجوء إلى القوالب، يقول سيدي موضحا "مثلا: إذا أردنا صياغة قرط؛ فأول خطوة نقوم بها هي صنع سميكة أو صفيحة من فضة أو ذهب وفق المقاس الذي يطلبه الزبون، ويأخذ الصائغ في تدوير سلك عليها من المعدن نفسه، ثم ينثر على أطرافه حبات صنعت من المعدن أيضا لتشكل إكسسوارات على المنتج لتزينه، ثم تضاف عليها مادة لاصقة مع تشغيل الشماعة الغازية؛ نضيف حلقات مجوفة لوضع الخرز أو الحب الحر داخلها".

الخرز طابع لا غنى عنه
تفقد المجوهرة كثيرا من رونقها وجمالها في عيون النساء الموريتانيات إذا لم يضف عليها "أو يُدخل في صياغتها الحب الحر" الذي يسمى "لخرز" الذي تمتاز به الصياغة بطابعها التقليدي. وحسب قول سيدي، فإن "الحب الحر" و"التنزال" أمران متلازمان يكمل بعضهما الآخر ولا تستغني المجوهرات التقليدية عن إضافة بعض الحبات التي توجد بألوان متنوعة تكون داخلة فيه أو مجوفة أو متدلية أو محاطة به.

و"الحب الحر" أحجار كريمة ثمينة مستخرجة من الأرض، تكون بألوان جذابة مختلفة ومتنوعة، كانت المرأة الموريتانية قديما تتزين بها، ولأنها أصبحت نادرة جدا اتجه الصاغة لاستخدام حب مستورد يسمونه "البديل".

أما عند صياغة سوار من فضة أو ذهب، فتصنع حلقة من "سانقو" (مادة خشبية سوداء) وتطلى جميع جوانبها بالفضة ما عدا فراغات قليلة تترك بسوادها كنقوش تزيّنها، ثم تعلق بها إكسسوارات وترصّع بأحجار فضية.

غياب الدعم
توفر سوق صياغة المجوهرات في نواكشوط مئات فرص العمل للشباب، وتسهم إسهاما كبيرا في امتصاص البطالة لكنها مع ذلك بحاجة إلى لفتة كريمة، حسب التجار. وتؤكد وزارة التجارة والصناعة أنها تعمل من خلال البرنامج الوطني لترقية الصناعة التقليدية على دعم الصناع وتثمين منتجاتهم، كما تسعى إلى جعل الصناعة مصنفة لتحقيق دورها لتبقى رافدا مهما من روافد الاقتصاد الوطني.

و لكن الثغرة الكبيرة، حسب ما صرح به مختار يوكاتي رئيس مؤسسة "من ورشات الصناع" (محلية تسعى للحفاظ على هذا الموروث وطابعه التقليدي وتطويره وتدوينه)، للجزيرة نت، "أنه لا يوجد على عموم التراب الموريتاني فصل واحد متخصص في التكوين على صياغة المجوهرات لا في مراكز التكوين المهني، ولا في المعاهد ولا في الجامعات".

ويطالب الصناع التقليديون الدولة بإنشاء معهد خاص بالصناعات التقليدية وصياغة المجوهرات خصيصا لسدّ هذه الثغرة، وتقديم الدعم للحرفيين للنهوض بهذا التراث الثمين وتطويره وحمايته من الاندثار.

المصدر : الجزيرة