الأحد
2022/08/7
آخر تحديث
الأحد 7 أغشت 2022

رفع الحصار عن مالي.. وماذا بعد ؟؟

5 يوليو 2022 الساعة 08 و40 دقيقة
رفع الحصار عن مالي.. وماذا بعد ؟؟
حمدي جوارا
طباعة

لم أكن أتوقع أن يوما سيقف الشعب المالي الذي أنتمي إليه أن يقف مثل هذا الموقف متحديا القوى الكبرى في سبيل احترام قرارع السياسي والسيادي ولم يكن ذلك الصمود البطولي لمدة ثلاثة أسابيع كما ذهب إلى ذلك بعض رؤساء المنطقة ، مراهنين على ثورة الشعب والرأي العام على القادة الجدد العساكر الذي وصلى لإلى السلطة منذ سنتين عبر انقلابين قام بها العقيد هاشمي غويتا .
لكن الشعب الواعي كان في مستوى الحدث وفي مستوى فهم الأزمة التي تمر بالبلاد وفهم المعادلة الدولية التي كانت تمر بها الدولة .
ابتداء من اليوم الذي ذهب فيه الوزير الأول شوغيل كوكالا مايغا إلى الأمم المتحدة منذ عام وفجّر هناك قنبلة سياسية في وجه فرنسا مستغلا ثغرة سياسية قام بها الرئيس الفرنسي حين قرر خروج تاكوبا من مالي .. مقررا أن فرنسا تركت مالي محلقة في الفضاء بسبب تركها تعاونها مع مالي دون مشاورة مسبقة مع باماكو لاتخاذ قرار مصيري كهذا ..
وكان لفرنسا أن تتخذ هذا التصريح لصالحها لإعادة تموقعها من جديد في الملف المالي لكن الخطوة المالية أربك المشهد في الرؤية الفرنسية وأصابته بالعمش السياسي والدبلوماسي فثارت ثائرة فرنسا من خلال وزير خارجيتها ووزيرة دفاعها وبالأحرى الرئيس الفرنسي ماكرون . فقام كل من هؤلاء بغطلاق تصريحات نابية ضد مالي وضد القادة الجدد في مالي .
وكان يتوقع أن يرجع هؤلاء القهقرى فحسابات ترضية فرنسا من القادة الافارقة الفرانكفونيون من العادة عدم الاستخفاف بها حيث يسعى الجميع لخدمتهم خوفا من المصير المروّع قد ينتظرهم ..
لكن يبدو ان قادة باماكو الجدد رأوا أن الرجوع إلى الوراء يعني ذلك انتحار سياسي بالنسبة لهم ولذا ضغطوا على الزناد في كل خطوة فرنسية مربكة تجاه مالي عبر خطوات متعددة قاموا بها ..
1 – قاموا برفض استقبال قوات الدانمارك التي كان من المتوقع وصولها إلى مالي دون اذن من مالي ، وتم طرد السفير الدانماركي بعد ذلك بعد إصرار الحكومة الدانماركية .
2 – قاموا بطرد السفير الفرنسي من مالي بعد تصريحات المسئولين عن النظام الانقلابي مرتين في مالي بعد أن منعتهم باماكو من هكذا تصريحات .
3 -قاموا بإنهاء عملية برخان وتاكوبا الفرنسيتين .. وإخراجها كلها إلى الحدود والان تلك القوات رابضة في النيجر وساحل العاج …
4 – قاموا بطرد ومنع وسائل الاعلام الفرنسية متمثلة في فرانس 24 واذاعة فرنسا الدولية بعد نشر أكاذيب تتعلق بارتكاب الجيش المالي مجزرة في غوسي .
5 – قاموا بإلغاء الاتفاقية العسكرية مع فرنسا والتي كانت تخوّل لفرنسا ان تكون هي وحدها الوسيط بينها وبين باقي دول العالم في ابرام أي اتفاقات عسكرية خاصة ..
6 – تم رفض الحماية الفرنسية لقوات المنيسما القوات الاممية في مالي ما دام تم طرد القوات الفرنسية من مالي .. مما سبّب عدم اتفاق في مجلس الامن في التعاقد من أجل التمديد لأول مرة حول مالي ..صحيح انه تم تجديد العقد لكن تم إلغاء الحماية الفرنسية من العقد .. ورفضت مالي اطلاق العنان للقوات الدولية لتفعل ما تريد بدون اذن سلطاتها ..
7 – تم دعم التعاون مع روسيا والتي اعتبرتها فرنسا خطّا أحمر واتهمت باماكو بالتعاون مع فاغنر وتعزز التعاون في الأشهر الست الماضية أكثر فأكثر سواء فس المجال العسكري او الاقتصادي وتعددت شراكات مالي العسكرية مع اكثر من دولة من غير وصاية فرنسية لأول مرة .
كل هذه الخطوات كنا نعتبرها أحلاما لا يمكن أن تقع بعد تلك التي حصلت في رواندا منتصف التسعينات وكنت أستبعد في ان التجربة لم تكن لتتكرر في أي بلد فرانكفوني أي مستعمر فرنسيا من ذي قبل .
لكننا شاهدنا كل ذلك وكأننا نتابع فيلما سياسيا عال الجودة بطله دولة مالي ورئيس العصابة فيه هو من تعرفونها .
نعم ، بالأمس رفع الحصار بعد ستة أشهر من الصمود من الحكومة والشعب المالي ولم تكن الظروف سهلة ولا الأجواء كلها مثالية وقد لمّحنا لبعضها في مقال سابق لنا بعنوان : مالي في مصيدة الأعداء يمكنكم العودة إليه .
وقد قال البعض إن منظمة الايكواس حذرت من ترشّح أي شخص له علاقة ظاهرة مع الفترة الانتقالية طبعا من الذين يديرون المرحلة وخاصة العقداء الخمس والوزير الأول أو حتى رئيس الدبلوماسية عبد الله ديوب حيث طالبوا باحترام الوثيقة التي تم الاتفاق عليها والتي تعلن عدم ترشّحهم .
وقد قلت : إن كل ذلك ليس مهمّا فالأيام هي التي ستقدّم لنا ما يمكن أن نتكهّن بها حينها في هذا الشأن ..
وأرى أن هذا الصمود البطولي الذي ابرزه هذا الشعب ينبغي الاحتفاء به وتسجيله في سجل التشريفات في تاريخ القارة السمراء والاستفادة منه …
وأننا يمكننا الصمود أمام قوى الاستكبار مهما كان نفوذها وقوتها في بلداننا ، وهو درس للشعوب الافريقية وكل أحرار العالم أنها يمكنها أن تتحرر متى ما فكّت نفسها من قيود الخوف والطمع والهلع من تلك القوى التي تخوّف وتهدّد كل الشعوب التي تودّ أن تتحرر .
وقد ذكرت سابقا في تغريدة لي لبعض المناكفين لي في مالي ، أننا ولو اكتفينا ما أنجزه هذا النظام خلال سنة فقط فإن ذلك يكفينا لِما شعرنا به من أنفة وعزة وكرامة أعادت لوطننا الغالي الكرامة ونفخت فينا روحا جديدة .
وآخرها ، ما حصل منذ يومين فقط ، حين صرّح وزير خارجية اسبانيا بالتلويح بشن حرب على مالي في مالي في حال تم تهديد أوروبا من قبل الارهابيين هناك ، فكانت الخطوة المالية أسرع من البرق حيث تم استدعاء السفير الاسباني في مالي للاحتجاج على هذه التصريحات الخطيرة بتهديد دولة ذات سيادة ، وذكر وزير خارجية مالي أن حرب حلف الناتو في ليبيا هي التي ألقت بظلالها في مالي ، وتم نفي هذه التصريحات من قبل السفارة الاسبانية مما يعني تراجعها عنها . وتم هنام اتصال بين الوزيرين سحب خلاله الوزير الاسباني تصريحاته مشيدا بعمق العلاقة بين مالي واسبانيا ..
والوزير الاسباني يدرك جيدا أنه لو بقي في موقفه ذلك ربما سيؤدي ذلك إلى طرد السفير الاسباني وإلى ضغط كبير في الرأي العام الاسباني وربما سيتساءل كثيرا ما الذي أدى بوزيرهم لإطلاق تصريح كهذا ..
طبعا ، وهذا ما لا تريده الحكومةالاسبانية ان يحصل ، وقد تم تغطية مجرد استدعاء السفير الاسباني في الاعلام هناك مما كان ربما سيكون سببا في فتح ملفات اسبانيا الاستعماري قديما وحديثا وربما فتح جبهة معارضة جديدة تكون في افريقيا ضد اسبانيا وخاصة مع ما حصل مؤخرا في المغرب من قتل للأفارقة حين أرادوا اجتياز الحدود بمدينة مليلية المتاخمة للحدود الاسبانية …
المهم ، أن الحكومة المالية بقيادة الكولونيل هاشمي غويتا أبدوا إرادة سياسية فولاذية وفتحوا شراكات جديدة مع دول ربما غابت طويلا عن المشهد الافريقي وتعاونت معها وربما استفادت بكل تأكيد منها ..
اعتقد أن هذه مرحلة انتهت ، ونشكر كل الدول التي وقفت معنا وخاصة موريتانيا والجزائر وغينيا وكل من روسيا والصين والذين ابدوا تفهما للوضع السياسي والامني لمالي …
وأتمنى أن نستفيد جميعا من هذه التجربة المالية ولا شك أن لديكم استخلاصات لما حصل ربما سنعرضها في مقال قادم ..
حمدي جوارا

باريس فرنسا