الأربعاء
2022/09/28
آخر تحديث
الثلاثاء 27 سبتمبر 2022

المفهوم الإستراتيجي الجديد لـ«الناتو 2022».. قراءة في ميزان الربح والخسارة!

11 يوليو 2022 الساعة 17 و48 دقيقة
المفهوم الإستراتيجي الجديد لـ«الناتو 2022».. قراءة في ميزان (...)
توفيق الهندي
طباعة

عقد إجتماع القمة للناتو في مدريد بتاريخ 28-30 يوليو (حزيران) 2022. إلى جانب دول الحلف ال 30، حضر القمة وشارك في أعمالها عدد من رؤساء ومسؤولين دول صديقة أو حليفة، ولكن ليست عضواً في الناتو: أوستراليا، النمسا، قبرس، فينلاندا، جورجيا، إيرلاندا، اليابان، مالتا، نيو زيلندا، كوريا الجنوبية، السويد، الأردن، موريتانيا، البوسنا والهرسك، وأوكرانيا. اقرا ايضا: من «العهد» السيريلنكي الى اللبناني.. هل يثور الجيش عندما يجوع العسكر؟! أقر الإجتماع إستراتيجية الناتو للسنوات العشر المقبلة وصدرت بوثيقة معنونة : “الناتو 2022 – المفهوم الإستراتيجي”. لا شك بأن هذه الإستراتيجية تأثرت بالحرب الروسية على أوكرانيا. وللإحاطة بهذه الإستراتيجية الجديدة، لا بد من إيراد سلسلة من الملاحظات. ما يهم الناتو قبل كل شيئ، هو تأمين مصلحة المنتمين إليه 1) بإستثناء الأردن وتركيا (وهي عضو في الناتو)، لم يكن مشاركة لأي دولة عربية وازنة، ولا سيما السعودية، مصر والمغرب، في حين شاركت موريتانيا. ومن غير غير المفهوم، هو عدم مشاركة إسرائيل بالرغم من علاقاتها المميزة والعضوية مع أهم دول الناتو. وقد يكون هذا التغييب، ربما المقصود، مؤشر لعدم إعطاء الناتو أهمية، إن لم نقل أي أولوية للشرق الأوسط، بالرغم من خطورة التطورات فيه على الأمن والإستقرار والسلام في العالم، ولا سيما على مصالح دول الناتو بالذات. 2) الدول المنتمية إلى الناتو هي دول أوروبية ودول من شمال القارة الأميركية، أي ما يمكن تسميته بالغرب. من الواضح أن هذا الغرب ينضوي تحت القيادة الأميركية. حول هذا الغرب تتحلق دول آسيوية ودول كانت مستعمرات تابعة له في مراحل تاريخية سابقة، وهي، في واقع حالها، لا زالت تتبع له مع هامش بسيط من الإستقلالية. بإستثناء الأردن وتركيا لم يكن مشاركة لأي دولة عربية وازنة ولا سيما السعودية مصر والمغرب في حين شاركت موريتانيا 3) يؤكد الناتو أنه حلف دفاعي يهدف إلى تأمين “حرية وأمن الحلفاء” و”حماية مليار مواطنينا، الدفاع عن أراضينا والحفاظ على الحرية والديمقراطية، … والحفاظ على قواعد النظام الدولي والسلام والأمن في العالم…”. فما يهم الناتو قبل كل شيئ، هو تأمين مصلحة المنتمين إليه. نهاية حلف وارسو بشباط 1991 ونهاية الإتحاد السوفياتي بكانون الأول 1991، أنهيا فترة الحرب الباردة بين الشرق والغرب. هذا التطور الإستراتيجي جعل الناتو، من حيث المبدأ، لزوم ما لا يلزم. ولكن، بالرغم من ذلك، أكمل طريقه إلى التوسع نحو دول أوروبا الشرقية في فترة الأحادية الأميركية، وتعاطى مع روسيا كأنها الإتحاد السوفياتي. لذلك، فقد الناتو الصفة التي يزعم أنها دفاعية وتحول واقعياً، إلى أداة أميركية لمواجهة صعود الخصم الصيني بالقوة ومحاربة روسيا، الذي ينظر اليها كالعدو الأهم والمباشر. وهكذا، تعيدنا إستراتيجة الناتو 2022 إلى الحرب الباردة، ولكن مع شرق أكثر إقتداراً، وغرب بات يتحكم بقراراته الرأس المال المعولم، وبات زعماؤه موظفون يعملون لإعلاء مصالحه في وقت يتنافسون “ديمقراطياً”، في إنتخابات تتطلب الكثير من المال من شعب همومه معيشية، ولا علم له بمصالح الأمة الإستراتيجية. 4) في وثيقة الناتو 2022، الكلام الجميل كثير حول القيم والمبادئ : ديمقراطية، حقوق الإنسان، الحرية، الحوكمة الرشيدة، حقوق المرأة، الإستقلال والحفاظ على وحدة أراضي الدول،… فقد الناتو الصفة التي يزعم أنها دفاعية وتحول واقعياً إلى أداة أميركية لمواجهة صعود الخصم الصيني بالقوة ومحاربة روسيا بهذا الخصوص، يتساءل المرء كيف تنفذ دول الناتو هذه القيم والمبادئ الجميلة، في عدة بقاع في العالم، ولا سيما في أفغانستان، وإيران (التي يستميتون لعقد صفقة معها)، والعراق، وسوريا، ولبنان (المحتل من إيران)، وفلسطين، واليمن، و… ولكن بالنسبة لأوكرانيا، فالأمر مختلف: هنا تشن أميركا-بايدن حرب بالوكالة حتى آخر أوكراني لإضعاف روسيا إستراتيجياً، العدو المباشر الأول حسب إستراتيجية الناتو 2022. وقد تمكنت من إخضاع “القيادات” الأوروبية لمشيئتها وضد مصالح دولها وشعوبها. فأجبرتها على إتباع سياسة العقوبات السخيفة في إقتصاد معولم. فتحولت مصيبة” على أوروبا والعالم (بما فيها أميركا) حيث إرتفعت أسعار الوقود ومشتقاته، وبالتالي كافة أسعار السلع، مترافقة مع أزمة قمح وحبوب تهدد بعض الشعوب بالمجاعة، ولا سيما في أفريقيا، وتقلص حجم غالبية الإقتصادات في العالم، ولا سيما الغربية. هذا، في حين إستفادت روسيا من إرتفاع أسعار النفط والغاز. فإرتفع مدخولها ومدها بالقدرة على إستمرار الحرب. بالنسبة لأوكرانيا فالأمر مختلف: هنا تشن أميركا-بايدن حرب بالوكالة حتى آخر أوكراني لإضعاف روسيا إستراتيجيا العدو المباشر الأول حسب إستراتيجية الناتو 2022 5) وثيقة الناتو 2022 تتجاهل تماما” مشكلة الإسلام الراديكالي، ولا سيما الجهادي (السني والشيعي) منه الذي يتجاوز حدود الدول، وخطورته على الأمن والإستقرار والسلام في العالم. فتأتي الإشارة إليه بشكل مموه تحت مسمى الإرهاب. وتشير الوثيقة إلى ما تسميه الجنوب، وهي تعني بالتحديد الشرق الأوسط، شمال أفريقيا ومنطقة الساحل الأفريقية. وتشترك الصين وروسيا مع الناتو بهذه المقاربة، بحيث لا تعطي أية أولوية لمجابهة خطر الإسلام الراديكالي في عالم معولم، حيث التقنيات الحديثة تعطيه القدرة على إختراق حدود الدول. فمقاربة الغرب والشرق كلاسيكيتين ومتشابهتين. وهي تقرأ الصراعات الجيوسياسية كصراعات وتنافس بين دولها وتعطيها الأولوية المطلقة. والحقيقة، أن منطقة الشرق الأوسط هي مهد الإسلام، ومع شمال إفريقيا، تشكل نقطة إنطلاق الحركات الإسلامية الجهادية. بات الإسلام الراديكالي خطراً داخل كل دولة، وأي مواجهة بين الغرب والشرق تفيده هو، كما إستخدامه من قبل الغرب أو الشرق لمواجهة الآخر. كما أن التجربة برهنت، أن أي إستخدام للصراعات فيما بين الدول والكيانات الأصولية السنية من جهة، والدول والكيانات الشيعية المتطرفة من جهة أخرى، لن يؤدي إلا إلى تقوية كل منها في بيئتها على حساب الإسلام المعتدل والأقليات القومية والدينية. فمثلاً اليوم، اليست الجمهورية الإسلامية في إيران مستفيدة من سياسة الناتو في أوكرانيا؟! أليست الحركات الجهادية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل مستفيدة أو يمكنها الإستفادة منها أيضا”؟! مقاربة الغرب والشرق كلاسيكيتين ومتشابهتين وهي تقرأ الصراعات الجيوسياسية كصراعات وتنافس بين دولها وتعطيها الأولوية المطلقة. أليس من الحكمة دعم الدول الوازنة في العالم الإسلامي (ولا سيما السعودية ومصر) في مسعاها لمواجهة التطرف الإسلامي، وذلك بالمساهمة في دفع الفقهاء في بلادهم لإعطاء تفسيرات للإسلام الحقيقي، التي تناقض التفسيرات المغرضة والعنفية التي يتوسلها الأصوليين والجهاديين؟! 6) إن المنطقة على فوهة بركان، ودينامية التطورات سوف تؤول عاجلاً أكثر من آجلاً إلى مواجهات خطيرة فيها. وها نحن نرى الرئيس جو بايدن آتياً إلى المنطقة، وقد كتب مقالاً في “الواشنطن بوست” بعنوان “لماذا أذهب إلى السعودية؟”. لا بد في ختام هذا المقال، أن أعطي الملاحظات التالية على ما كتبه بايدن لما لهذه الملاحظات من علاقة بموضوعه: يأتي بايدن إلى المنطقة لمتابعة ما أسس له من رؤية إستراتيجية للناتو 2022، وفرضه على حلفائه الأوروبيين، ولإنتقاد ونقد سياسة سلفه ترامب. يأتي للتأكيد على سياسة إنسحابه العملي من المنطقة، على عكس ما يوحي به من إهتمام بالمنطقة. يأتي للتأكيد على صوابية سياسته القائمة على الدبلوماسية والضغط الإقتصادي (عبر العقوبات). وهو بذلك، لا يردع إيران التي تعتمد على حرب طويلة الأمد منخفضة الكثافة لتتمد في المنطقة. وقد برهنت خلال أكثر من 40 سنة أنها قادرة على التأقلم مع أقصى العقوبات. يأتي بايدن إلى المنطقة لمتابعة ما أسس له من رؤية إستراتيجية للناتو 2022 وفرضه على حلفائه الأوروبيين ولإنتقاد ونقد سياسة سلفه ترامب. يأتي للتأكيد على إدخال دول المنطقة في إستراتيجية مواجهة الصين ومحاربة روسيا، مع هدف عملي مباشر: رفع إنتاج دول الخليج ودول أوبك للنفط والغاز لمواجهة تداعيات سياسة العقوبات على روسيا، على الإقتصاد العالمي. هل ستنخرط دول المنطقة في إستراتيجية بايدن وتلبي طلباته؟