السبت
2022/11/26
آخر تحديث
السبت 26 نوفمبر 2022

زيارة وزير الداخلية الإسباني: الهجرة رهانهم ومشكلتنا

6 نوفمبر 2022 الساعة 14 و00 دقيقة
زيارة وزير الداخلية الإسباني: الهجرة رهانهم ومشكلتنا
محمد محمود ولد بكار
طباعة

الهجرة مشكلة أوروبية في الواقع وإحدى تحديات القرن الواحد والعشرين بل هو التحدي الصارم الأول للعالم ومرتبط بحالة عامة من تزايد نسبة الفقر وانعدام الثقة في المستقبل وعدم الإستقرار السياسي والتحولات الإجتماعية والطموح الفردي لدي "مجتمع العالم الثالث "إنه تغيير كبير فكريا واجتماعيا وثقافيا في الجهة الجنوبية من الكرة الأرضية له علاقة بالبحث عن الذات وهو في الأخير يعكس حالة مشاعة من عدم الرضى الكامل عن الأوضاع المعاشة لدرجة أن الملايين تركب أمواج البحر في مخاطرة بالنفس بحثا عن وضع اجتماعي واقتصادي وثقافي أحسن من بلدان المنشأ .
العالم المتقدم استولى على ثروة العالم المتخلف خلال حقبة الاستعمار دون أن يترك له فرصة للنهوض والاستقلال الحقيقي بثرواته عنه ، بل ظل يستنزفها من خلال النظام العالمي الاقتصادي والسياسي حيث تمثل هذه الدول طرف الإذعان الدائم في المعادلة الاقتصادية الأمر الذي انعكس عليها بأن ظلت تحتضن 60% من فقراء العالم ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 90%خلال 2030 كما تمثل الأمية 35% من شعوب هذه الجزء من العالم وهكذا ظل الزحف من بلدان الفقر والتهميش وانعدام المستقبل إلى جهة الرخاء هي فقط محاولة للقفز من السجن الكبير إلى المكان الذي يحصل فيه الفرد على حقوق شاملة ومساعدة اجتماعية حتى يأخذ الطريق الذي يوصله لوضع إنساني أفضل، وحتى وإن كان ذلك قد يكلفه حياته لإن المعادلة هي "الحياة بأقل القليل أو الموت ".الوضع في الجنوب أصبح لا يطاق خاصة أن الكثير من دول الجنوب انحسر فيها التقدم والحرية بسبب التدخلات الأجنبية وتحولت دولة قوية لنفس السبب إلى فاشلة، وصارت الناس تريد الإنتقال من تلك الأوضاع إلى الفضاءات المفتوحة في أوروبا وآمريكا اللتين تمنعان ذلك بشدة وتريدان أن تجعلا من الدول المتاخمة للبحر من جهة الجنوب الحائط الذي تفشل عنده جميع محاولات العبور إليها ،ولتتحمل دول الجنوب
،المأساة التي يهرب منها الغرب وتصبح هذه البلدان الموطن الجديد لعمليات اللجوء الفاشلة ،إنها تريد أن تزيد من الرهانات الكبيرة والعميقة لهذه الشعوب برهانات أكبر وأشد وطأة . القذافي في أحد خطاباته قال أن على أوروبا أن تستثمر الأموال في افريقيا من أجل تثبيت السكان أو أن تمنحه 5مليار أورو ليستثمرها هناك لكي يكون شريكا في محاربة الهجرة ،فلايمكن أن تنقلوا إلينا مشاكلكم بلاثمن بينما في موريتانيا قبلنا ب 5 مليون يورو عهد ولد عبد العزيز .
الغرب يهيمن على الخيرات الإفريقية ويدعم وجود النخبة الموالية له في السلطة والإعلام والسياسية والمجتمع في نفس الوقت يريد أن يفرض المجتمعات على "جهنمته "التي يوقدها في هذه المنطقة .الدول الأوروبية خاصة فرنسا وبريطانيا تنهبان خيرات البلدان الأفريقية منذ قرون وتدعم استمرار وضعهم المأساوي من خلال نخبة فاسدة موالية لهم تتبادل على السلطة كل ما انقلب الشعب عليها أو القوة الوطنية الموالية له دافعا بنخبته الوطنية التي تعكس نبضه أسقطوها أو أوقدوا نارا للحرب تأتي على الأخضر واليابس في تلك البلدان وهكذا حتى وبعدما أعلنت فرنسا تخليها عن سياسية فرض الهيمنة على إفريقيا ، من خلال "فرانس -آفريك " لم تتخلص إفريقيا من شناعة تدخلها لإن الفكرة المؤسسة للاستعمار هي نفسها الفكرة التي تحرك النظام الجيو بوليتيكس العالمي وهو أن تبقى افريقيا حديقة لخيرات الغرب وفرنسا بصفة تستخرجها حسب الشروط والظروف التي تريد .كل الأنظمة التي تدعم شعور والإحساس بالوطنية وبالهيمنة الخارجية يتم اسقاطها علنا دون تردد ومهما كان الثمن ومهما كانت شرعيتها التاريخية أو السياسية حتى وإن أتت عبر أحسن القنوات ديمقراطية ،فمنذ حصول كل دول أفريقيا على استقلالها حتى الآن وصل عدد الانقلابات فيها ما بين 187إلى 200انقلابا عسكريا،وبين عام 1966 و 1977فقط حدث أكثر من 100 انقلابا عسكريا في افريقيا ،"ويرجع خبراء ومحللون ذلك إلى الحدود التي ورثتها البلدان الإفريقية عن مستعمريها والتي لا تتوافق مع المجموعات العرقية والقبلية المختلفة التي تسكنها، فتؤدي إلى صراع وتناحر مستمر بين الأطراف الساعية إلى الحفاظ على سلطتها بالقوة لأنهم لا يستطيعون الحكم من خلال صندوق الاقتراع" ولهذا تواصل القوات الغربية التدخل في مسارات سياسات البلدان الإفريقية للدفع بحلفائها في لتتصدر المشهد السياسي، الأمر الذي يقابله رفض شعبي للتدخل الأجنبي يؤجج القوة العسكرية لافتكاك السلطة، فيلقى ترحيباً وتأييداً لا يستمر لفترة طويلة، ويعود البلد إلى حلقة الانقلاب من جديد.
كما تلعب في الوقت نفسه الظروف الاقتصادية والفساد المستشري وسوء المعيشة دوراً هاماً في تأجيج الصراع، وإثارة الاحتقان على السلطة، وزعم الجنرالات تقويم المسار بافتكاك السلطة من الحاكمين حينها .
وهكذا تظل المنطقة في دوامة من البحث عن الذات إما بالصراعات الداخلية أو بالبحث عن موطن آخر أكثر أمنا .
موريتانيا اليوم تستقبل وزير داخلية اسبانيا الذي يحتفي بجهودها في محاربة الهجرة ،لكنه لم يتحدث بالحقيقة أمام الإعلام أن موريتانيا بلد فقير وليس مكان جذب للهجرة حسب المعطيات الاقتصادية ومع ذلك تعيش فيه -وهو الذي لم يصل ل5 ملايين نسمة - حسب مصادر غير رسمية 700 الف من الأجانب أغلبها بسبب فشل الهجرة والأوضاع الأمنية في دول الجوار ودول الساحل التي تشهد عدم الاستقرار بسبب أن فرنسا جاثمة على صدورها وتنتزع خيراتها وتدفعها لمزيد من الفقر .كل مشاكل مالي والنيجر وانشاد وبوركينا فاسو هي مشاكل تنمية بالدرجة الأولي الذي يؤججه المشكل العرقي بعد ذلك .
نحن في موريتانيا وهي بلد على آخر سلم المؤشرات في العالم ندفع ثمن تصرف أوروبا واستنزافها لخيرات البلدان الفقيرة بسبب تدفق المهاجرين من أعماق إفريقيا وسنعيش أزمة مستقبلية كبيرة تتعلق بانقلاب في بنية المجتمع وثقافته وبالتالي في أمنه واستقراره لأننا أصبحنا جدارا دون أوروبا إنه وضع استراتيجي عميق ومخيف سيدفعنا لأن تصبح الرهانات الأمنية الداخلية أكبر من رهان التنمية وهذه مشكلتنا نحن وليست مشكلتهم ،لقد عشنا في أعقاب انتخابات 2019 فوضى عنيفة كاد نواكشوط أن يحترق بسببها على خلفية إعلان نتائج الانتخابات الرئاسية بفوز الرئيس الحالي ،وعندما أعرب المترشحين عن رفض خيار العنف من خلال المظاهرات ظهر أن أغلب المتظاهرين والذين اتجهوا بسرعة نحو العنف كانوا من الأجانب الذين ركبوا موجة الاحتجاجات السلمية ،لقد كان ذلك الأسبوع مرعبا حقا إن البلد من خلال هذا الوضع مهيأ لاضطرابات أكبر لسبب أتفه هو الذي يجعل السلطة تكون حازمة في الدخول في مثل هذه الشركات التي تكون على حساب البلد من أسّه ، فماذا دفعت أوروبا مقابل ذلك؟وماذا حمل لنا وزير داخلية إسبانيا للحفاظ على السكينة والأمن في بلادنا ونحن على أعتاب مراحل تاريخية مهمة في مسيرتنا الوطنية .
إنهم يحملون فقط تنسيق أمني وتدريب لخفر السواحل ،تماما مثل ما قدمته لنا فرنسا آمريكا وهما تدفعاننا في الحرب ضد "الإرهاب "ضد التنظيمات المسلحة في منطقة الساحل :منحونا تنسيقا أمنيًا وبعض الأسلحة الخفيفة أي الأمور التي تضمنان بها تسيير وإفشال الهجرة إليهما وابقائهم في أرضنا ، لكن لا شيء يتعلق بالإقتصاد أو بالبنية التحتية .إن على موريتانيا أن تفرض نمطا من الشراكة بحجم الخطر المشترك ،نحن اليوم نتحمل مخاطرة كبيرة بالبلد وقعها ولد عبد العزيز ورئيس البرلمان الحالي حينما كان رئيس خفر السواحل في إطار الاندماج في محاربة الهجرة وكان دور موريتانيا رد المهاجرين بينما كان دور إسبانيا هو بناء مساكن ومنح بعض السيولة التي لا تتجاوز 5مليون يورو سنويا لا تدخل ميزانية الدولة لتمويل تلك العمليات .
إنه إتفاق لا يعكس وعيا استراتيجيا لمدى انعكاسات مثل هذه الاتفاقات ولا يقدر حجم المخاطرة. لماذا تنعم إسبانيا بالامان على حسابنا .
إن الوضع اليوم يتطلب مراجعة عميقة وشاملة لمثل هذه الاتفاقيات ورفعها من الجانب الأمني إلى مستوى كبير من الشراكة الاقتصادية والمدنية وإلا فسنعرض مستقبلنا لحالات لا تحمد عقباها قد لا تترك من البلد من ينمكن تلافيه مثل ما تعرضت له دول قبلنا مثل "زنجبار " تانزانيا الحالية .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار