الثلاثاء
2023/01/31
آخر تحديث
الثلاثاء 31 يناير 2023

عندما لم تسمعوا منا، فاسمعوا من الآخرين

16 دجمبر 2022 الساعة 15 و02 دقيقة
عندما لم تسمعوا منا، فاسمعوا من الآخرين
محمد محمود ولد بكار
طباعة

لا تريد "الأكاديمية الأمريكية للإنجاز" جزاء ولا شكورا من محمد ولد الشيخ غزواني لتقوم بعمل وفق معايير محددة فنية وبعيدة عن جميع أشكال التعاطف أوالمحاباة، ولا تأثير لأي شخص فيها، ولا دور للتجاذبات السياسية الموريتانية فيها. إنه اليوم ينبجس من نقطة إدارة العالم وتقييم الكفاءات في تجل ساطع للإشادة بالنجاعة خلال مشاركته في محفل دولي يضم 49 شخصية دولية من الدائرة الأولى في بلدانها، ليكرم على جهوده في البلد.
هل يوجد شيء آخر خارج معاييرها جعلها تعطي لغزواني وسامها الفخري الذي تسعى من خلاله إلى تسليط الضوء على أشخاص تميزوا في مجالات عملهم، ورفع تطلعات الأجيال الشابة، وربطها بالأشخاص المتميزين، وفق ما ورد في الموقع الإلكتروني للأكاديمية!. لقد حصل غزواني على هذا الوسام إلى جانب عدة رؤساء أمريكيين من أبرزهم باراك أوباما وبيل كلينتون وجيمي كارتر .
بل بالعكس، إنها تضع طابعها المحفوف بالكثير من الجهود والمصداقية على تجربة غزواني القصيرة في الحكم: ثلاث سنوات ونيف فقط أقل بكثير من فترة كاغامي وماكي صال اللذين حظيا بنفس الوسام معه بعد عهدتين .إنها تدعم رأينا في ولد الغزواني المتمثل في أنه يسعى بجهود كبيرة وعميقة وذاتية للإضافة للمخزون الإيجابي للبلد .
لكن هناك سؤال يثيره هذا الترشيح ألا وهو : هل تعلم الأكاديمية بطبيعة الوضع القاسي الذي استلم فيه غزواني الحكم ؟ أنا متيقن أنها تعرف جانبا فقط من الحقيقة دون الإغراق في التفاصيل. إنه توسيم جدير بالتقدير حقا .
لقد جاء غزواني للحكم حيث فقدت الدولة البنية أو الهيكلة التي من خلالها يمكنها أن تقوم بعملها على نحو فعال أو يمنح الجاهزية لاعتراض اي أزمة طارئة أو بصفة مجردة، لقد كان البلد يعيش مرحلة خواء وانحطاط غير مسبوقين وكانت كل الأمور التي تسمى "انجازات" لها حقيقة نفعية خلف الستار مرتبطة بالرئيس حينها أو أفراد أسرته أو عائلته …لقد كان السقف الموضوعي لأي شخص جدي جديد هو أن يقطع ذلك الطريق نحو النفعية وأن يضع البنية الأساسية التي هي بناء وتوكيد وتثبيت الإجراءات والمساطر والقوانين، أي العلاقة القانونية والاقتصادية والاجتماعية التي تربط المؤسسات أثناء خدمتها للمجتمع أو للكيان الوطني.. كان كل شيء من هذا القبيل معدوما.
خلال ما يعرف بالعشرية، حصلت موريتانيا على مداخيل كبيرة من المعادن والصيد قدرتها وثيقة خارجية مسنودة من المعارضة ب 17 مليار دولار، ولم تنته مأمورية عزيز الأخيرة إلا وموريتانيا على حافة الافلاس، تعاني من ديون تقصم الظهر، تزيد على دخلها السنوي الخام104% أي بقيمة 5 مليار دولار، وخزينة خاوية على عروشها بها 5مليار أوقية ومشاريع اسمية قصيرة الأجل كانت تخفي وراءها سوء تسيير فاضح وفسادا ممنهجا على الرغم من أن شعار محاربة الفساد كان يكلل هامة النظام وعصاه التي يلوح به في كل مكان. لقد كان تطبيق شعار محاربة الفساد خشنا ومتعجرفا على الأرض وتتبعه ضجة وجعجعة لا مثيل لهما. الرئيس السابق الذي يخلق حوله نمطا من الصراخ المتزايد، يعرف ما يريد بالضبط. إنه يريد ارباك القضاء وهو يقبع في قفص اتهام مشين وغير مسبوق في تاريخ البلد بالنسبة للرؤساء ، ويسعى لممارسة ضغط إعلامي منظم على النظام في حين يعرف كامل المعرفة أن لا مستقبل سياسي له في البلد. إنه من دون أي قوة سياسية وفقا للخريطة السياسية ومن دون بريق، .
في حين يحاول ولد الغزواني ترتيب البيت بعد معول الهدم الذي عمل فيه خلال العشرية أو حقبة الفساد التي تم فيها تحطيم رمزية الدولة الوطنية والمؤسسات. إنه يقوم بذلك من دون صخب، وهو ما يحاول البعض تفسيره سلبا ، لكنها في الحقيقية خطوات ضمن منظومة أخلاقية وتصور عملي لأجل الوصول في النهاية للأهداف المنشودة بقوة، وهو إدماج محاربة الفساد داخل التسيير . وذلك هو الفرق، فكل إناء بالذي فيه "ينضح" وفي تعبير آخر "يرشح " .
كان بامكان غزواني أن يكون صاخبا فلديه ما يساعد على ذلك : عندما يكشف كل الأوراق بصفة رسمية عن الوضعية التي وجد عليها الدولة من حيث الذمة المالية والقدرة على التحمل واعدام المصداقية اقتصاديا ومعنويا، ويكشف عن جهود التخريب الأمني التي بدأت 2019 والتي كانت قمينة بجعل أصحابها وراء القضبان ما بقيّ من حياتهم وعلى رأسهم محمد ولد عبد العزيز، فهل فعلا كان هذا التسامح في محله أو كان تساهلا!؟
الكل يعرف أن محمد ولد عبد العزيز يتحرك خارج جميع الحدود. إنه يريد خلق الأمر الواقع الذي يخدمه، وأن تكون هناك ردة فعل من جنس عمله: "طائشة" تنزل بالنظام إلى درك الشطط .
أما بالنسبة لغزواني، فكان القيام بأي عمل جوهري لمصلحة البلد يقتضي أن يضرب صفحا عن ردات الفعل والشخصنة ،بل التركيز على الأمور الأهم بداية بتوسيع ميدان تقسيم الثروة لتستفيد قاعدة واسعة من الفقراء من المال العام، والتأمين الصحي، ومن السكن الاجتماعي. إنها ثورة في قلب الهشاشة وركام الأنظمة الماضية، حملت الأمل والحياة لأكثر من ثلث الشعب ، وفي الجهة الأخرى ترشيد الانفاق وإعادة بناء الثقة والذمة المالية والقدرة على التحمل من خلال جدولة الديون مما أعطى نتائج ملموسة تمثلت في تراجع حجم الدين إلى أقل بكثير من 50% من الناتج الداخلي السنوي الخام وزادت الميزانية بالضعف من 480 مليار 2019 إلى 1000مليار 2023 في حين لم يتم أي استغلال أو اكتشاف لمورد جديد ،كما تم تحرير التنقيب السطحي من الاحتكار أمام المواطنين وخلق دخل واسع لقطاع كبير من المواطنين. وعلى نحو أهم، كانت الارادة السياسية ثابتة ومتصاعدة نحو الإصلاح وتوسيع هامش استفادت للمواطنين من مقدراتهم .
فلم يرضى غزواني بالخضوع للابتزاز السياسي والارباك الذي يوظف شعار تدوير المفسدين وقلب الطاولة الذي ظل في نظر المعارضة وقطاع عريض من النخبة هو الحل بالنسبة لمحاربة الفساد؟ في حين لم يتم توظيف أي مدان قضائيا وإن كان الرأي العام له لائحته التي أصدر في حقها أحكامه الخاصة ومواقفه الثابتة والمسبقة وفقا لاستخدامات سياسية واعلامية غير دقيقة ولقرائن لم يحكم بها القضاء. لكن الحقيقة التي لا يأتيها الشك والتي تختلط على الناس هي غياب الكفاءة في الكثير من المناصب والإدارة لأن النظام السابق كان ينطلق من قاعدة التعليمات والأوامر في تسيير البلد من دون الحاجة للكفاءات ولا احترام المساطر والإجراءات، وكان يوظف ويعين بدون هدف مما يجعل الأخذ بالدعوة لقلب الطاولة سينتهي بتسريح أغلب الموظفين !! وهكذا ظلت الكفاءة والعوامل الذاتية معدومين في أغلب المناصب .. كان كل شيء يخضع لارادة فرد ومحيطه الشخصي، وكان هذا هو نمط الدولة الذي يتحدث عنه والذي يحن له عزيز الذي نسي أنه حتى من دون اتهامه لم يعد من الممكن العودة للوراء، وأن الحكم صدر في حقه من الشعب "أن ما يملكه من أموال بالنسبة لموظف عمومي يعتبر وصمة عار خاصة عندما يتعلق الأمر بمن كان يروج ويطلق شعار محاربة الفساد بكل عنف وقوة "..
لقد كان توشيح غزواني بسبب خروجه من الوضع المأزوم نحو بناء شراكة متوازنة مع جميع الأطراف، وخلق مناخ سلم عام يوحي بالثقة والإطمئنان بالنسبة للداخل والخارج. وكان ذلك هو العنوان الكبير لمرحلته ولأي تتويج يحصل عليه .
لقد كان محمد ولد الشيخ الغزواني أول رئيس موريتاني ينال هذا التكريم من طرف الأكاديمية الأمريكية المختصة في تكريم الشخصيات المتميزة عبر العالم، في مجالات السياسات العمومية والعلوم والتكنولوجيا والرياضة.
فهل ستسمعون من الآخرين، مادمتم لم تسمعوا منّا !!؟

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار