الخميس
2023/03/23
آخر تحديث
الخميس 23 مارس 2023

عن جماعة الدعوة والتبليغ

4 يناير 2023 الساعة 09 و08 دقيقة
عن جماعة الدعوة والتبليغ
التقي ولد الشيخ
طباعة

بعزع عزيز أو بذل ذليل
سيسلك هذا الدين كل سبيل
التوفيق نعمة كبرى يمنحها الله لمن أحبهم من عباده وهي بعد الإسلام أُم النعم وقد يجتهد القاضي ويتورع ويتحرى العدل لكنه لا يوفق إليه ومن هنا كان كثير عزة موفقا حين قرن العدل بالتوفيق في قوله:
لو أن عزة خاصمت شمس الضحى
في الحسن عند موفق لقضى لها
والذي يرى اليوم الآلاف ينفرون من شتى مقاطعات إنواكشوط كأنهم الرمل غير المنسق آتين من كل فج عميق ليشهدوا ختام اجتماع قدماء جماعة الدعوة والتبليغ ولد غصت بهم ساحة مسجد التوبة وتوسعته وباحاته فلم تخذلهم الطرقات والممرات في مشهد رباني مهيب يدرك قدر توفيق الجماعة في هذا المؤتمر العظيم الذي لا يذكر إلا بالحج الأكبر ومن ملامح ذلك التوفيق التئام هذا الجمع بعد أكبر حدثين حشد لهما العالم المتحضر والعالم المنبهر به وهما كأس العالم وأعياد الميلاد.
إن من يرى نفرة الناس اليوم لا تسوقهم دعاية إعلامية ولا يريدون أن يخلو لهم وجه زعيم _ في رد سريع ومباشر على الحشود في الطرف الآخر - ليستسعر أن وراء هذا الجهد إخلاص تلوح سيماه على كل شاب أشعث برته العبادة وهذبه القرٱن لا يبالي أين تفصل له المشورة بالخروج ففي جسمه النحيل إرادة تهون معها الصعاب وتحلو المتاعب في سبيل عيش الٱخرة وهو إلى ذلك نافر من مباهج الدنيا خارج عنها إذا رأيته اقتحمته عينك حتى إذا خبرته رأيت منه ما يسرك مما لم تكن تتوقعه من تفان في الخدمة وصبر على مطبات العشرة التي قد تبلغ أربعة أشهر كفيلة بتبيان معادن الرجال كأنما عنته ليلى الأخيلية بقولها:
ومُخرّٓق عنه القميص تخاله
وسط البيوت من الحياء سقيما
حتى إذا رفع اللواء رأيته
تحت اللواء على الخميس زعيما
وتلوح سيما ذلك الإخلاص أيضا على كل يٓفٓن صهرته التجارب وقرن العلم بالعمل وتبسم في فوده الأدب وزانه الوقار تتقاذفه أصقاع المعمورة داعيا إلى الله ومبلغا رسالة نبيه إذا تكلم تكلم عن علم وإذا سكت سكت عن فكر كأنما عناه الشاعر بقوله:
يدع الكلام فلا يراجع هيبة
والسائلون نواكس الأذقان
سيما الوقار وعزُّ سلطان التقى
فهو المهيب وليس ذا سلطان
إن هذه الجموع من مختلف الأعراق والجهات والأعمار لا يؤلف بينها سوى محبة أهل الدين الذين جاؤا بجددون عهد الدعوة ويسيمون برياض الصالحينْ ويزاو لون الأعمال ويطلعون على جهد كل مُقام ولا يألون في نصح وإرشاد أهل الأحوال.
وإذا اتجه تفكير بعض الجماعات عموديا من خلال استهداف الكوادر والشخصيات ذات التفوق المعرفي في السعي إلى دفع الشبهات التي بثيرها المخالف حول الدين الإسلامي وفي محاولة فرض حضور الطرح الديني عند أنظمة الحكم في العالم الإسلامي فإن تفكير جماعة الدعوة والتبليغ اختار التمدد أُفقيا من خلال مخاطبة المجتمع من مسافة الصفر ترفده لذلك بساطة في المظاهر وسهولة في الخطاب جعلته الأقرب لقلوب المهمشين الذين يشاهدون الجماعة وهي تذيب الفوارق جاعلة من لا يؤبه له عادة أمير جماعة خارجة فيها ذوائب الناس وأُنوفهم فليس من الترتيب عند أهل الدعوة رص الناس حسب المعايير الطينية؛ وإذا كان «حال رجل في ألف رجل خير من مقال ألف رجل في رجل» فإن التبلبغيين حرصوا على تمثل ما كان عليه الصحابة من الصفات واختاروا التبشير على التنفير وابتعدوا عن تبيان أمراض الأمة معتبرين أن الأمر بالمعروف هو أقصر الطرق للنهي عن المنكر؛ ومما يؤخذ عليهم ابتعادهم عن السياسة وهو المأخذ الذي لا يزيدون فيه على قول الشاعر؛
إذا محاسني اللاتي أُدل بها
عدت ذنوبا فقل لي كيف أعتذر
وهم في ذلك يعتقدون أن إصلاح القاعدة هو أول صُوّة في طريق إصلاح القمة «فكما تكونوا يول عليكم» في تكامل واضح مع أصحاب الفكر الإسلامي الذين يسعون بالآليات المتاحة ديمقراطيا لإصلاح القمة وقاعدتهم في ذلك«الرعية على قلب الأمير»
وربما لو استغل التبليغيون بالشأن السياسي لكانوا حزبا من الأحزاب أو هيأة من الهيئات فيخرجون من رحابة الدعوة إلى ضيق التحزب؛ ومع أنهم يحظلون على جماعتهم الخوض في أُمور السياسة لكنهم يتركون لأفرادهم هامشا من حرية الرأي يجعل ما يصدر عن الفرد من المواقف ترتيبا شخصيا ليست الجماعة مسؤولة عنه.
ومن أبجديات الجماعة أن الخروج صفة خاصة بأُمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ«كنتم خير أُمة أُخرجت للناس» وأن انتزاع ما بأيدي الناس ببدأُ بانتزاعه من قلوبهم.
وفق الله الجماعة لكل خير وقد سبق أن نصرتها ذات استهداف من خصومها بأبيات تقول:
إن من سب عصبة الإيمان
لجدير بسب كل لسان
عصبة تعمر المساجد في نا
ــشئة الليل خشية المنان
هجروا في الإله كل خليل
من صحاب طوع الهوى وغوان
وابتغوا وجهه فلله منهم
كل طِرف مضمر للرهان
يوم تعنوا الوجوه للحي والخلـ
ـلانُ تجفو طبائع الخلان
وعلينا الملام فيما جنينا
من شنيع الكفران والعصيان
واتباع الهوى وقفو الملاهي
واصطحاب الفساق والمجّان
وعسى أن يجود بالتوب رب
ظاهر المن دائما الإحسان
فنُلٓقّى جوارهم في خلود
وجنى الجنتين للقوم دان
وصلاة على النبي وسلام
عدد النجم والحصى دائمان

التقي ولد الشيخ