الثلاثاء
2019/11/19
آخر تحديث
الثلاثاء 19 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019
ads
ads

لن أقوم بتكذيب نبأ وفاتي!

14 أيلول (سبتمبر) 2019 الساعة 20 و46 دقيقة
لن أقوم بتكذيب نبأ وفاتي!
غادة السمان
طباعة

اتصلت بي هاتفياً إحدى صديقاتي وقالت لي حزينة وغاضبة: لقد قرأت للتو نبأ وفاتك على أحد المواقع الاجتماعية اللعينة. يجب أن تسارعي لنشر تكذيب في الموقع ذاته.

خبر وفاتي صحيح!

قلت لصديقتي.. ولكن الخبر غير كاذب. كل ما في الأمر أنه نشر في تاريخ غير دقيق، فأنا سأموت بالتأكيد، وكلنا أموات مع وقف التنفيذ الذي قد يقع في أي لحظة في ساحة حرب أو في شارع الشانزيليزيه الباريسي أو في أي مكان.
لا أدري لماذا يتضايق بعض الناس من نشر نبأ وفاتهم، في المقابل.. من المؤذي نشر خبر موت شخص ما قبل الأوان، فهو يؤلم المحبين والأصدقاء لأنهم سيحزنون على فراقه لهم.
وعلى ضوء ذلك، أتساءل: ترى، هل مات حقاً العديد من أصدقائي الذين نقل لي خبر رحيلهم بعض المعارف؟

هل رحلوا حقاً؟

أتساءل مثلاً: هل رحل حقاً بعض أصدقائي الأحباء؟ أم أن مواقع التواصل الاجتماعي تنشر أحياناً أخباراً كاذبة عن موت البعض، وبالأحرى أخباراً مسبقة لما تقع بعد؟ سأحب أصدقائي أكثر حين أعرف أن من نشروا نبأ موته كاذبون في التوقيت وما زال في كوكبنا ذلك الصديق/ الصديقة.. فنحن لا نلحظ قيمة الحياة، مجرد أن يكون الذين نحبهم على قيد الحياة حتى إشعار آخر..
أعرف أن البشر في كوكبنا يعيشون جميعاً في المطار في انتظار إقلاع طائرتهم إلى بلد لا عودة منه.
أعرف أننا جميعاً نعيش في المقهى الملاصق للمقبرة.. وذلك لا يدعو إلى الحزن، بل إلى مزيد من محبة الآخر بدفء القلب كله.

الروائي لا يستطيع الموت وحيداً

نحزن دائماً حينما يرحل صديق بمفرده في البيت، ويحتضر وحيداً.. ولكنني أعتقد أن الروائي لا يغادر كوكبنا وهو وحيد، كما حدث لصديق لي يعيش في لندن وأولاده في بيوتهم الزوجية، وفاجأته الذبحة القلبية وعجز حتى عن الاتصال بهم. وحزن أولاده كثيراً لأنه لم يجد يداً تمسك بيده وهو يغادر الحياة.. ولكنني أعتقد أنه وجد أكثر من يد..
إذ يخرج أبطال رواياته من كتبه، ويحيطون بسرير احتضاره ويمسكون بيده، ولن يموت وحيداً كما نتوهم.

الكاتب عاجز عن الموت (الكامل)

أعتقد أنه كلما قرأ أحد بحب كتاباً لأديب راحل، سيعيده إلى الحياة خلال قراءته له.. يكفي أن نطالعه بحب ليعود حياً.. الكاتب يفقد حقه في الموت (المكتمل)، وذلك يسعده! حق الموت أحد الحقوق التي يرضى المبدع بالتخلي عنها!..
استحضار الأرواح حقيقة حين يطالعه قارئ بحب ونهم دون أن يدري أنه يقوم بجلسة تحضير لروح كاتبه المفضل وأنه استعاده حياً لحظة قراءته له.
هذه الأفكار كلها تزاحمت في رأسي حين طلبت مني صديقتي بشدة تكذيب نبأ وفاتي!.. لاعنة بعض ـ مواقع ـ التواصل.

مالئ الدنيا وشاغل الناس

لا أتحدث عن المتنبي، بل عن الموت. في كتب الأدباء الكثير عنه، واخترت لكم من قراءاتي بعضها..
يكتب ألبير كامو: هل لاحظت أن الموت هو الذي يوقظ مشاعرنا؟ وكيف نحب الأصدقاء الذين غادرونا لتوّهم؟ ويضيف: لاحظ جيرانك فيما لو حدث موت في المبنى الذي تقيم فيه.
كانوا نائمين في روتينهم الصغير ثم فجأة مثلاً يموت البواب. ويستيقظون في الحال، ويهيجون!
يضيف كامو: الحياة هي غرفة انتظار الموت. الحياة هي مع كل شمس شارقة شمس غاربة!
ويقول أيضاً: من القسوة أن يموت اليوم من كنت تحتضنه بالأمس بين ذراعيك.
يكتب لورانس دارييل في كتابه «جوستين»: لكم تضخم اسمه بعد موته. كأنه من قبل كان يقف سداً منيعاً بين كتبه وتفهمنا لها!

الموت والأدباء أيضاً وأيضاً

يكتب هنري باربوس: إننا نلمح الحياة لمحاً، الصباح. الربيع. الأمل. لكن ليس هناك إلا الموت الذي لن يتاح لنا الوقت لرؤيته حقاً. منذ أن كان العالم، والموت هو الشيء الوحيد الذي يمكن لمسه.. على هديه نمشي وإليه نتجه!
يضيف: موتي؟ إنني أتساءل كيف يمكننا أن نعيش ونحلم وننام ما دمنا سنموت؟
من لم يخلق بعد سيموت أيضاً!
سيأتي يوم لن يعود لي فيه وجود. إنني أبكي لأنني سأموت حتماً!
يكتب أنطوان دي سانت أكزوبري: إني مقبل على رحلة بعيدة بعيدة إلى كوكب آخر. لا أستطيع أن أحمل جسدي معي.. إنه كثير الوزن!
يقول جان بول سارتر: إن المرء لا يكون إنساناً ما لم يجد شيئاً يقبل أن يموت من أجله.. غداً تأتي الطيور السود..

شكراً لمن نشرت/نشر خبر وفاتي (حسداً؟)

يقول ألكسندر سولجينستين: لقد كان الكلام عن الموت سهلاً، غير أن عقله وقلبه رفضا قبول ذلك! كيف يمكن أن يحدث ذلك له؟
يضيف: حسناً أيها الرئيس. سيجيء دورك في أن تموت ذات يوم!
يقول همنغواي: الموت هو الشيء الوحيد الذي نقوم به على انفراد. مثل الذهاب إلى الحمام!
يقول شكسبير: الحياة ظلٌّ عابر. حكاية يرويها مخبول، مليئة بالصخب والعنف..
وأقول: إن الموت يجعلنا أكثر وعياً بقيمة الحياة.. وعلينا أن نحيا حقاً حينما نعيش كل يوم جديد..
ولولا نشر خبر وفاتي لما كتبت كل ما تقدم، ولما تذكرت أن خفقات القلب هي ضربات الطبل الذي يقودنا إلى المقبرة! دعونا نحيا قبل ذلك!