الأحد
2020/01/26
آخر تحديث
الأحد 26 كانون الثاني (يناير) 2020
ads
ads

من غرائب الأنظمة الموريتانية: الاستجمام الوظيفي

2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 الساعة 22 و01 دقيقة
من غرائب الأنظمة الموريتانية: الاستجمام الوظيفي
الأستاذ و الباحث: عبدو سيدي محمد
طباعة

الاستجمام الوظيفي
من غرائب الأنظمة الموريتانية و ربما الدولة الوحيدة في العالم التي تنتهج هذا الطريق و الذي يمكن تسميته بالسياحة الوظيفية حيث تجري عملية تناقل و تبادل لنفس الوجوه و الشخوص في نفس الوظائف و المناصب هذه العادة المشينة و التي دأبت عليها الأحكام العسكرية لفترات زمنية متتالية لعقود كثيرة أدت إلى نتائج كارثية ليست على مستوى فهم و كينونة و صيرورة الدولة فقط و لكن على المستوى الإقتصادي و الإجتماعي كانت النتائج الكارثية :
1/ حصر صنع القرار في دائرة ضيقة جدا شكلت خلية أحادية الإتجاه (الحكم العسكري)
2/ تمدد عمودي لفئة محدودة (الأمن و الأقتصاد) يقابله نمو أفقي لا محدود (القطاع الخدمي والتعليمي و الصحي )
إذن لا نحتاج إلى فهم او موهبة خارقة لأستدراك الصورة فالواقع ماثل أمام العيان خلال الفترة الماضية تكونت جبهة نافذة سيطرت على الأمن و الإقتصاد و حافظت على نفس النهج عبر سياسة التدوير و التناقل للأدوار الأمنية و الأقتصادية عبر أتفاق يضمن لكل منهما مصالحه من خلال التوظيف و التعيين و الامتيازات المادية و العينية و بالتالي أنحصرت دائرة المصالح بين مجالين حيويين هما الأمن و الأقتصاد و تم بناء جسر خفي يربط بين الأثنين (النفوذ و المال)
من ناحية ثانية نرى التمدد العمودي اللا محدود لفئة ( الشعب) الذي يقاد بسياسة القطيع فهو تابع طبيعيا و منطقيا للتيار الأقوى الذي يتحكم في البلاد و العباد في حين يتمتع مواطنو (السلطة و المال) بالتوظيف المريح و الدراسة النوعية و الرفاهية المطلقة و العلاج في ارقى المستشفيات و السياحة اختصارا كافة إمتيازات طبقة الهاي كلاس المخملية في الضفة الأخرى بالكاد يجد مواطنو ( القطيع) قوت يومهم أما الامتيازات المادية و المعنوية فهي درب من دروب الخيال كما أنهم المصدر الأول للجبايات الضريبية و تمويل الميزانيات العامة عبر الأتاوات و الأسعار و الضرائب
هذا تشخيص عام لحالة عامة و حسب علماء السوسيولوجيا و على رأسهم إبن خلدون هذه الحالة تسمى بظاهرة (الأنهيار) و هي المرحلة الأخيرة و النهائية لأختفاء فئة التمدد العمودي و ظهور كيان جديد منبثق من عمق و نخبة التمدد الأفقي
أكبر و أخطر مخلفات و أنعكاسات هذا التباين بين قمة و قاعدة الهرم هو غياب المفهوم الجمعوي الذهني للدولة كوعاء جامع يحوي و يحمي الجميع و بروز بدائل من قبيل القبلية و الجهوية و الشرائحية و المشايخية و الطائفية للأحتماء بها و هذا الوضع يؤدي حتما إلى أضرار بليغة بكينونة الدولة ككيان مؤسساتي و ينتشر الجهل و يعم الفساد و المحسوبية و تتحول مدخرات و ثروات الوطن إلى دولة بين أغنياء و أثرياء قمة الهرم (الجاه و السلطة) و يظهر الفقر و العوز و الفاقة و الإفلاس وتدهور ظروف الحياة المعيشية
خلاصة القول أن تشخيص علماء الإجتماع و فقهاء السوسيولوجيا لم يأتي من فراغ فهي نتيجة دراسات و تجارب و تقييم لحضارات و أمم و علينا الإستفادة منها فمؤشرات (الأنهيار) في تزايد و الأمور في غاية التعقيد و الوضع على صفيح ساخن و هي دلائل أستباقية يمكن أستغلالها في تحسين الأوضاع و التخفيف من مستوى التأزم و هذا من خلال إشراك الجميع في صنع قرار وطني يحمل بصمة و امل و طموح كل مواطن
أعتقد و هذا الأمر أشرت إليه في منتصف العام 2014 أن الحالة الإقتصادية غير مستقرة و نتوقع إنخفاض معدل صرف الأوقية خلال نهاية العام و في الفصل الاول من السنة القادمة و يؤكد هذا الطرح تصريحات رجل أعمال من كبار أباطرة المال و الصيرفة
لاشك أن للإعلام دورا لا يستهان به في تنوير و توعية الرأي العام حول القضايا المصيرية الحساسة و من البديهي ان الرئيس ولد الغزواني أمام أختبار عويص و على المحك و بين سندان (النهج) و مطرقة (التغيير) لقد تسارعت الأحداث و التطورات و أختلطت الأوراق خاصة على الرئيس الذي له اليد طولى في صنع و معايشة جميع الأحكام و الأنظمة لكن من فوق البرج العاجي حيث تختلف رؤية و حجم و مقاس المشاكل من الطبيعي أن هناك صراع قوي و شرس و على جبهات مختلفة فهي معركة وجود و فرصة أخيرة قد لا تتكرر
من المتوقع ان يكون السيد ولد الغزواني آخر عسكري يحكم موريتانيا بعد أنتهاء العمر الأفتراضي قياسا على دول الجوار و هذا بدون أدنى شك يولد مخاوف جمة و هي في محلها تزامنا مع أكتشاف ثغرات كبيرة من هدر المال فعملية تدوير المناصب و تبادل المهام تتم بين عشية و ضحاها دون إطلاع الرأي العام على فحوى المحاضر يا ترى ما هو السبب في مرونة و سلاسة تسليم المهام هل هو دليل على براعة و حسن التسيير ؟ ام التلاعب في ظل غياب هيئة رقابية صارمة
هنا تعود بي الذاكرة و خلال عملي في منظمة دولية أقتضى الأمر أن مكث 15 يوما في الإدارة العامة و قرابة 6 شهور من السفر لإنهاء و توقيع محضر العهدة ليرفع إلى مجلس الإدارة عادة يشتمل المحضرة على جرد لأصول المؤسسة الثابتة و المتحركة و الممتلكات ثم يختم بإقفال حركة حساب الخزينة و البنك
هل يا ترى يمكن ان يتم كل ذلك في يوم عمل ؟
من صفحة الأستاذ و الباحث: عبدو سيدي محمد