الأحد
2019/12/15
آخر تحديث
السبت 14 كانون الأول (ديسمبر) 2019
ads
ads

"توك توك".. قصة عربة المعدمين

3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 الساعة 08 و41 دقيقة
طباعة

كالنار في الهشيم انتشر اسم "التوك توك" في بغداد، خلال الأيام الماضية من التظاهرات، حتى بات رفيق ساحة التحرير الدائم، لا بل كل الساحات المنتفضة في العراق.

لا تخلو صورة أو مقطع فيديو من وجوده. حتى بدأ المتظاهرون بالميادين في الهتاف لتلك العربات الصغيرة عند ظهورها، يحيون سائقيها بترديد جملة "علم والله علم، أبو التوك توك علم". في إشارة إلى أنهم رفعة الرأس.

كما رفع البعض يافطات كتب عليها على سبيل المثال: لصاحب التوك توك، خود قلبي واشويه"، وغيرها من العبارات التي شاعت بين العراقيين، كتحية لتلك العربات الصغيرة وسائقيها.

شريحة الفقراء
وينتمي أغلب سائقي عربات "التوك توك" إلى الطبقة الاجتماعية الفقيرة، حيث تعمل هذه العربات منذ الصباح الباكر لغاية مغيب الشمس في بغداد، كما أن الأسعار الزهيدة التي يتلقاها السائقون لا تتجاوز في اليوم عشرة آلاف دينار عراقي (8 دولارات).

و"التوك توك" هي عربات صغيرة دخلت العراق مؤخراً، وانتشرت في مناطق السياحة الدينية، أبرزها في مدينة الكاظمية ببغداد، وذلك بغية التخلص من الازدحام الخانق الذي تشهدها الشوارع العامة، جراء "السيطرات" الأمنية أو القطوعات المفاجئة.

"نقل المصابين واجب أخلاقي"
في نهاية نهار الأول من تشرين الحالي/أكتوبر، صعدت القوات الأمنية العراقية من قسوتها تجاه المتظاهرين السلميين في ساحة التحرير وسط بغداد، بغية فك التظاهر الذي طالت ساعاته، حيث أطلق منتسبو الأمن الرصاص الحي الذي أوقع نحو 107 قتلى وإصابة نحو 6000 آخرين.

قلة تواجد سيارات الإسعاف، وعدم قدرتها على الوصول إلى المناطق الملتهبة في ساحات الاحتجاج، سلطت الأضواء على فعاليات سائقي "التوك توك"، حيث واجه السائقون نيران القناصة وقنابل الغاز المسيل للدموع، بغية إنقاذ الضحايا الذين سقطوا داخل ساحات التظاهر.

وتعليقاً على موضوع إنقاذ الجرحى، قال وليد العامري، أحد سائقي التوك توك، إن "الدافع الذي دفعني للإنقاذ ولمواجهة المخاطر التي من الممكن أن تؤدي بحياتي، هو الواعز الإنساني، كيف يمكنني أن أرى الشباب مثخنين بالجراح، لكونهم طالبوا بحقي والآخرين، ولا أنقذهم؟"، مبيناً أن "تواجده في التظاهرات واجب وطني وأخلاقي".

وأضاف للعربية.نت أن "الكثير من سائقي التوك توك، لا يتقاضون أجراً مقابل خدماتهم في ساحات الاحتجاج، لكن الوعي بقيمة الإنسان المحتج على أداء السلطة الحاكمة، دفعنا إلى ذلك"، لافتاً الى أن "الوزارات المكلفة برعاية العاطلين عن العمل، لا تعرف بأحوالنا المعيشية المتعبة، ولا تعلم كيف نعمل وما هي الواردات المالية البائسة التي نحصل خلال الشهر الواحد".

كما أكد العامري أن "شريحة سائقي تلك العربات، شريحة معدمة، تعاني الإهمال الحكومي والاجتماعي أيضاً، إذ إن الكثير من الناس تنزعج من مهنتنا لأننا نسير بلا نظام مروري، ونزاحم السيارات الخاصة، لكن ماذا نفعل، لا نملك عملاً غير هذا".

"ثورة التوك توك"
وإذا كان الرصاص الحي، وغزارة إطلاق القنابل المسيلة للدموع، والخشية من سقوط ضحايا دون وجود من يسعفهم، جعل بعض الشباب يتراجعون أحياناً، إلا أن عربات "التوك توك" ودورها العفوي في الاحتجاجات جعل الكثير من الناس، يؤمّنون على حياتهم لوجود شباب منقذ لهم في لحظات الأزمة.

من جهته، أكد الناشط المدني خالد النصار، للعربية.نت، أن "الكثير منا مدينون لهؤلاء الشباب اليافعين، شباب فقير الحال، لكنه غني الضمير والوعي الوطني، وذلك تجلى واقعاً عبر فعالياتهم الإنسانية والوطنية المشهودة لهم من قبل الجميع"، مبيناً أن "التعاطف معهم زاد لكونهم يرفضون أخذ المال لدى نقلهم المتظاهرين بعرباتهم، علماً أنهم يحتاجون إليه لحالتهم الفقيرة المزرية".

وأشار إلى أن "أغلب الجرحى في مستشفيات العاصمة بغداد، تم نقلهم عبر عربات التوك توك، لكون سيارات الإسعاف التابعة لوزارة الصحة، لا تملكُ نظاماً عملياً، بل هي جزء من مشكلات وزارة الصحة التي لا تتعاطى مع المصابين، وإن تعاطت تتعاطى معهم سلبياً، أي دون رعاية أو اهتمام طبي جاد"، مؤكداً أن "المتظاهرين فخورون بسائقي هذه العربات، إذ إن الكثير من متظاهري التحرير يطلق على التظاهرات الحالية، بـ(ثورة التوك توك)، إكراماً لهذه الشريحة الوطنية الشريفة المضحية".

دعوات لشمولهم بمنحة مالية
ويعبر سائقو "التوك توك" عن حكاية طويلة من الألم والعذاب والفقر وجيوش العاطلين، التي خلفها نظام "المحاصصة الحالي" الذي فشل في استيعاب الطاقات الشابة الصاعدة واضطر آلاف الشباب إلى البحث عن العمل بأي وسيلة ممكنة، بينها استخدام عجلات "التوك توك" وهي عجلات رخيصة الثمن الذي يتراوح سعرها بين (300-500$)، حتى أضحى الكثير من أهل بغداد يضيقون بها ذرعا، لكثرة انتشارها في الشوارع الرئيسة ومضايقة السيارات الحديثة التي تعيقها تلك العجلات التي انتشرت سريعاً خلال سنتين في العاصمة.

لكن دورها تغير كثيراً وهي تجوب شوارع التظاهرات الأخيرة، وهي تنقل المؤن والأغذية إلى المتظاهرين ونقل العاجزين عن المشي في الشوارع الخالية من سيارات المُسعفين التي تغيب عادة وقت الأزمات، ولكثرة الحشود التي تعيق حركتها.

وازدادت شعبية شباب "التوك توك" لنوع وكثرة التضحيات التي يقومون بها يومياً وعلى مدار الساعة، إذ يتوجهون بها من مناطق سكنهم شرق بغداد، حيث يعيشون دون خط الفقر.

سيارات التوك توك في بغداد
وبدأ المتظاهرون بالميادين في الهتاف لتلك العربات عند ظهورها، ويحيون، سائقيها بترديد جملة "علم والله علم، أبو التوك توك علم". في إشارة إلى أنهم رفعة الرأس.

وطالب جبار الغزي، كاتب وصحافي عراقي، وزارة العمل والشؤون الإجتماعية بـ"ضرورة إعطاء أصحاب هذه العربات الأولوية لدى توزيعها المنح الشهرية على العاطلين عن العمل"، مشيراً الى أن "هذه الشريحة بالفعل عاطلة عن العمل، لكون عملها لا يسد رمق أو يجلب العيش الكريم اللائق، لضعف الإيراد الشهري لهم وأقلية استخدامها من قبل الناس في الأيام العادية".

وأكد الغزي للعربية.نت، أن "أغلب من ركبت معهم رفض أخذ المال لدى توجهي لساحة التحرير في بغداد، كأنهم يحتجون معنا بإنسانيتهم وعلى طريقتهم الخاصة، التي أعدها طريقة مثالية، حينما يجعل رزقه في خدمة المتظاهرين على السلطة الفاسدة".