الأحد
2020/01/19
آخر تحديث
السبت 18 كانون الثاني (يناير) 2020
ads
ads

قراءة في مقابلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني

9 كانون الأول (ديسمبر) 2019 الساعة 08 و33 دقيقة
قراءة في مقابلة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني
طباعة

لم تكن مقابلة ولد الغزواني موجهة للرأي العام الوطني بأسلوبها الديبلوماسي وبإجاباتها المختصرة ،وكأنه يمنح نفسه فرصة واسعة لقرائتها من طرف الساسة قليلوا الوقت، بما تحمله من آشارات واضحة للممولين والمستثمرين الأجانب، وللعالم الخارجي ، وفرنسا بالأساس، لقد طمأنهم على نحو كبير أنه لا توجد أزمة سياسية داخل البلد ، تتطلب حوارا سياسيا، بسبب مناخ الإنفتاح على، والتشاور،مع المعارضة ، وأن موضوع ولد عبد العزيز ليس بالحجم الذي تم تداوله ،لأنه لم يعد اكثر من شخص يقف ضده جميع الموريتانيون ،في إشارة خفية إلى أنه إستمال عنه جميع الدعم السياسي وقطع أوصاله العسكرية ، وأي لا علاقة له بالنفوذ داخل الدول ولا الطبقة السياسية ، ولا يعتبره خطرا للتخلص منه بقسوة أو دفعة واحدة ، لكنه ترك باب السلم مفتوح على نحو يطمئن الممولين والمستثمرين، بطبيعة الوضع ، وبأنه لا عودة لمراجعة الإتفاقيات ولا نية للنبش في الإعماق حسب ما يمكن الوصول إليه من بين السطور ، من خلال تحديد نفطة الخلاف بينه وبين سلفه ، المتمثلة في إنفتاحه على المعارضة ،لا في التعرض للقضايا المالية أو الإقتصادية ولا بالنسبة للصفقات والعقود والإتفاقيات ، ولم يشأ أن تكون اكثر من خلاف في الرأي بينهما ،وهنا عن غير قصد أعطاه "منزلة أو حجم الشريك في الحكم ". نفى غزواني أي محاولة عسكرية مدبرة من طرف عزيز تستهدفه ، معترفا في نفس الوقت بخطئه حينما تأخر في ترتيب أمنه ،وهو تناقص على نحو ما! فأين الخطأ مادام لم يوجد خطر ؟ دون أن يتذكر خطأه في الإبقاء على رموز وبيداقة ولد عبد العزيز على رأس قطاعات الإقتصاد الوطني ، والمؤسسات المالية في البلد .
أما بالنسبة لفرنسا فقد أشار ولد الغزواني بديبلوماسية كبيرة : بأن فرنسا تركت الدول الضعيفة تتحمل أعباء تجهيز جيوشها وشراء المعدات العسكرية على حساب ميزانياتها في حرب طويلة الأمد فجرتها فرنسا في أرضهم ،لم يدخل في التفاصيل لأنها معروفة عندهم، لكنه ينقل لهم وجهة نظره الفنية وموقفه السياسي الذي يلخص عدم رضاه من مستوى الدعم، وعدم إلتزام فرنسا وشركائها بوعودهم بشأن الدعم المطلوب لخوض هذه الحرب أو الإستمرار في حالة الحصار والطوارئ ، وإبقاء جنودهم على خط المواجهة ،لدرجة أن الوضع أصبح ورطة للدول ولشعوب المنطقة . لقد ظهر غزواني وكأن ليست لديه رسائل كبيرة يريد أن يحمّل بها جريدة لموند ذات المصداقية الدولية ، عن مشاريعه وخططه المستقبلية ، ولا عن وضعية بلده الإقتصادية الواعدة، ومناخ الأعمال، وكأن شيء يمسكه عن ذلك ! لكنه أراد أن ينقل إنطباعا عن ما يدور في بلده، وفي محيطه على نحو يطمئن الشركاء والأصدقاء ، من حيث قدرته على الحسمفي موضوع سلفه ،وإستمراره في الالتزام بمسألة الحرب في شمال مالي .
تعطي المقابلة إنطباعين عن غزواني ،الأول أنه ليس ثرثار ، والثانية أنه واثق من نفسه أكثر من ما تفيمه به الناس ، أي أنه يملك الحل وليس منزعج ، من صاحبه ولا من إنتقادات الرأي العام له، حول تسيره للأزمة، الذي يتم بخطوات صغيرة متباعدة، لأتحمل رسائل واضحة عن نيته بالنسبة للإصلاح ، والتخلص من إرث صاحبه ،ولا تحمل عنوان الحرب ،ولا يصحبها أي تصريح،أيّ لا إطاراها ، بما يعني أنه يدير أزمته الخاصة مع صديقه بطريقته وعلى نمطه الخاص ،ولا يسيرها كأزمة وطنية ولا يأخذ بمطالب الرأي العام ولا بمواقف السياسيين فيها ،دون أن ينتبه لوقع ذلك على البلد . لم تكن المقابلة إيجابية بالنسبة للكثيرين هنا في موريتانيا، فقد رفعت ولد عبد العزيز في موقع الند للرئيس ،وهي وضعية رفضها جميع رؤساء البلد السابقين في صراعاتهم الداخلية وآخرها (رفض عزيز القبول بأن هناك صراع بينه والمرحوم إعل ولد محدفال وتجاهله في الإعلام ،ورفض التصريح بأي شيء يعطي الإنطباع بتلك الندية، مع أنه كان يسعى في الخفاء لوقف الصراع معه ، وكان متأثرا منه ، وهكذا كشف اليوم إعلان ولد الغزواني الخلاف مع عزيز ،عن إستمرار إمتلاك عزيز لقوة ما ! بعدما توقعت كل الأوساط أن يكون قد إنتهى ،وستؤثر على مسارات الأزمة التي أصبح العالم يتحدث عنها، كما غاب أي توصيف لما دار من أحداث مرتبطة بولد عبد العزيز في مناسبة عيد الإستقلال الماضي ، على نحو كان يجب أن يكون مآله مختلف عن ماهو عليه اليوم . لم يظهر ولد الغزواني للموريتانيين حازما ولا قاطعا ولا صريحا، ولا قويا بما فيه الكفاية ، لكنه ظهر حالما، غامضا ،فردانيا ، دكتاتوريا بعزل الرأي العام الوطني عن الأحداث ، لم يتأثر مركز ولد عبد العزيز في هذه المقابلة ولا على أرض الواقع بالنسبة لنصيبه من ، ولا سمعته بالنسبة للدولة ، ولم يتم الحد من نشاطه ولا من طموحه للسيطرة على الحزب، وكأنه يملك قوة على الأرض، أو آلية لصنع القوة يعرفها غزواني ولا تعرفها الناس، هي التي تجعل غزواني يتبنى معه الحرب الخفية !، رغم ما تحمله تلك الوضعية من الإنعكاس (بالفشل أو النجاح )على الباد . وأحسن ما في المقابلة بالنسبة لعزيز بأنها قد تركت له فرصة الإستمرار في الواجهة بحجم الشريك ،وأن يستمر في الوجود السياسي، وأنه ليس عدو لكل توجهات الدولة ،أي في المحصلة لا زال له وجوده الذي سيتم تعديله في المستقبل على رأي غزواني .
وأسوأ ما في المقابلة أن لم يوفق غزواني في توصيفه للوضعية السياسية ورفضه للحوار ،وهو جواب يعيد للتسلط والعنجهية العسكرية في هذاالرفض القطعي المتعالي لأهمية الحوار، وكأّنّا به يشقلب ، يده ويهز كتفيه، ويغير ملامح وجهه على نحو يشي بعدم أهمية الأمر. والواقع أنه يركب نفس مركب الخطأ المرتبط بحجب فرص التناوب عن الشعب الموريتاني، ومنعه من أي إصلاح سياسي ،يحدد بموجبه مستقبله بعيدا عن تحكم الجيش بمقاليد السلطة دائما، وإختيار من يضعونه بإسمهم في الواجهة ، فالتشاور الذي ركز عليه غزواني ليست له أيّ صفة إلزامية، ولا يأتي بالمطالب في شكل رؤية ، ولا تصور،ولا يمكن بناء القرارت الكبيرة التي يمكنها أن تغير من شكل ومضمون العملية السياسية،عليه ، مثل تغيير هيئات قانونية قبل إنتهاء مأموريتها ، حينما يكون ذلك ضروريا للتفاهم ، ولا سلبها شرعيتها ولا مشروعيتها لأنه أقل منها أهمية، قانونيا وسياسيا ،وبالتالي لايمكن تجسيد حل معضلات الوضع السياسي وتعقيداته بالتشاور ،بينما يتمتع الحوار بأعلى مراتب الشرعية المستمدة من توافق الطيف السياسي الذي يحرك الأفكار والمطالب السياسية،ويمثل جميع أطياف الشعب بكل أعماقه وإختلافاته وتوافقه ، ولأنه يهدف إلى خلق وضعية سياسية جديدة في مصلحة البلد ، ويعطي خلاصة للآراء المتناقضة ،كما يعطي صفة الشرعية لأي قرارات تستند إليه ، وليس لأن غزواني إلتقى بأكثر الطيف، تكون الأزمة السياسية قد إنتهت، ويكون طموح الشعب والطبقة السياسية إلى التناوب والإصلاح السياسي قد توقف ،فهذا ليس صحيح ،فكل الإنتخابات السابقة مزورة، وتم فيها إستخدام جميع وسائل الدولة، لكي تحول بين إجتياز الشعب الصافي لمثليه سواء في الإنتخابات المحلية، وفي الإنتخابات البرلمانية والرئاسية ، فالأزمة أن اللجنة المستقلة والمجلس الدستوري موالين تماما للرئيس الحالى ،ودعموه في الإنتخابات الماضية بحماس كبير، ووأحزابهم تقبع في أغلبيته اليوم ،ولا يمكنهم بالتالي تسيير إنتخابات سياسية نزيهة ،وهذا ما يعرقل وصول الديمقراطية في البلد إلى منطقة الأمان ،ويؤخر تقدم البلد ، ثم أن الضبابية تلف صلاحيات اللجنة المستقلة للإنتخابات ، بشأن الخروقات في محيط العملية الإنتخابية ، مثل الخروقات القانونية في إستخدام المال العام، والقوة العمومية ، وتدخل المؤسسة العسكرية ، والإدارة والقضاة لمصلحة طرف سياسي ، والخروقات القانونية لسير الحملة ،وتعطيل القوانين المتعلقة بمراقبة التسيير المالي للحملات ، وكذلك إختفاء المرصد الوطني للإنتخابات .
لم يعط ولد الغزواني في مقابلته أي أهمية للمعارضة المتهافتة عليه ، وإكتفى بصدها عنه ، وغلق الباب في وجه العمل المهم الذي يمكنها أن تشارك من خلاله بفاعلية في تحريك دفة الأمور في البلد، وتفرض من خلاله تنازلات لمصلحة البلد،بدل المشاركة خلف أبواب مغلقة ،فإلى أي حد اليوم لاتوجد أي معلومات ولا أخبار دقيقة عن فحوى مشاورات غزواني والمعارضة ،التي لم تتجاوز حسب المعلن بعض المجاملات، ولم يترتب عليها أي إصلاحات سياسية تهم مستقبل البلد، بل ظلت فقط في مستوى الإتصال والتهدئة، والدعاية الإعلامية . لقد جعلت هذه المقابلة الخارجية ولد الغزواني مدين للرأي العام الوطني بمقابلة واسعة ، وصريحة تكشف رموز الصراع السياسي بينه وسلفه ،ويكشف من خلالها موقفه من الإصلاح ، ونيته إزاء المشاكل المطروحة بإلحاح في البلد ،ويرد على تساؤلات ومخاوف المواطنين ،وحجم تعاطيه مع طموحاتهم ، وبهذه المناسبة وتمشيا مع رغبة المواطنين في الحصول على حقيقة أخبار بلدهم ، فإن العلم تقدم طلبا بذلك للرئيس لإجراء هذه المقابلة معها .
قراءة أعدها موقع العلم
http://elalem.info/article2959.html