الثلاثاء
2020/01/28
آخر تحديث
الثلاثاء 28 كانون الثاني (يناير) 2020
ads
ads

أضواء على مختارات من الشعر الحموي( قصيدة الليالي العوالي - للمرابط الحاجي نموذجا)

11 كانون الثاني (يناير) 2020 الساعة 12 و33 دقيقة
أضواء على مختارات من الشعر الحموي( قصيدة الليالي العوالي - (...)
طباعة

لم يكن من السهل تصور قيام تجربة شعرية غارقة في العرفان و المعاني الإلهية ، كتجربة العارف
و العلامة محمد محمود ولد احمد طالب ، المعروف علما ب ( المرابط الحاجي ) نسبة لقبيلته ادو الحاج .
ففي ظل الثقافة الشعرية الموريتانية ( الشنقيطية) التي ظلت تحتفي بالمشاكلات مع الأنماط الشعرية المولعة بوصف الناقة و رسوم الاطلال
و محاسن المحبوبة ،
و احيانا بالمدائح و التفنن في المبالغات لدرجة مجاراة النابغة و امرئ القيس و الاعشى
و ذي الرمة ،
تجددت على يد المرابط الحاجي و شعراء الحموية
طفرة شعرية غير مألوفة
و أساليب إبداعية لم تكن مطروقة في تاريخ الشعر العربي بعد ابن الفارض
و الحلاج و السهروردي
و ذي النون المصري
و غيرهم من كبار الأولياء العارفين ،
لقد شكلت الشاعرية الحموية تجديدا في العواطف و المشاعر
و كثفت الصور و الاسرار
الشعرية ، و ارتقت بالذائقة الفنية الى مقامات من السمو و التعلق بالحقيقة
و المعاني الالهية ،
لقد كان الشعر الحموي في جماليته و تشويقه ، احتفالا مستمرا و خالدا بالله و رسوله و اوليائه الغارقين في بحر الذات
و معاني الألوهية ،
متمثلين ذلك في قطب الوقت و نقطة دائرة الولاية المحمدية في عصرهم ، الشريف الوارث لاسرار النبوة و متعلقات الوسيلة : حمى الله بن محمد بن سيدنا عمر ، التيشيتي ، ( توطن بلاد السودان - جمهورية مالي - في بداية القرن العشرين )
و قد كان ظهوره البارز ايذانا ببداية انكشاف المعارف الإلهية و خروجها عن دائرة الاحتكار
و تتويجا لترسيم طريق الحق في السير إلى الله جل جلاله و تعالت عظمته ، بدون ارتباط بمقتضيات مطالب الدنيا الفانية و ما كان سائدا من اتخاذ الطرق وسيلةللمغانم و الوجاهة الاجتماعية ..

كان الشعر الحموي هو الذي سجل هذا التحول الذي طرأ على الساحة الدينية و المسألة الثقافية في ظل دعاية مغرضة قامت بها جهات استعمارية و تداخلات دينية و قبلية ،

و يعتبر المرابط الحاجي واقعيا و عرفانيا هو رائد المدرسة الحموية في الشعر العرفاني ، حتى أن صاحب كتاب الياقوت
و المرجان ، مع إشارته لذلك اعرض عن إيراد بعض أشعاره ، خوفا من فهمها على غير وجهها الحقيقي ، و اكتفى الشريف ولد معاذ مع التأسف بهذه القصيدة ،
و نوه بأن ذلك على سبيل التبرك بصاحبها و بها ،
و هو ما نفهم منه عمق حالة الجذب و تنوع الاشواق عند المرابط الحاجي ، رغم وجود مفارقة لا تخلو من معنى ، حيث ثبت أنه مع درجة جذبه و انغماسه في بحر الحقيقة ، كان في الزاوية الحموية هو صاحب التدريس و الفقيه و المعلم بعد التغريب الذي تعرض له الشيخ على يد المستعمر ، و قد أورد مجمع البابطين على موقعه بالكويت في ترجمته له هذه القصة مع مقتطفات من قصيدته و قصيدة العارف محمد الامين ولد الطالب ولد اخطور ،
و هذا ما يجعل المتابع و الناقد للمرابط الحاجي في حيرة من علو مقامه الروحي ، فلم تمنع الشدة حال الجذب من الصحو
و التدريس و المذكرات المعرفية ،
و هذه القضية تبرز ايضا في نظمه لهذه القصيدة في بحر المجتث الذي هو من بحور الطرب و الغناء ، في الوقت الذي تعبر القصيدة في معناها عن عوالم متنوعة من الوجد
و اللوعة و التحرق ، على فراق الشيخ و تلامذته
و ليالي المسامرة الروحية التي لا يمكن وصفها ،
و ما يرمز له ذلك من سر الدائرة في الفكر الصوفي حيث نهاية اللوعة هي بداية الطرب ،

لتتأكد تلك الرمزية في بعض آبياته التي تصف علوم الشيخ و سعتها العميقة :

علومه مبتداها :: من انتهاء المقال ..

من الرسول و لا ذا :: إن قلته بمحال ..

إلى أن يقول :

يارب صل على من :: بالسجن لابنه صال ::

يملي عليه علوما ::
و مخبرا بأحول ::

إن الأهمية الشعرية
و المعرفية لقصيدة الليالي العوالي ، لا يتأتى الخوض فيها في كثير من مستويات الخطاب النقدي المتاح للجميع نظرا لما تضمنت من معارف و معاني في غاية الخصوصية ،
و لكننا نورد مختطفات منها لإطلاع المهتمين بالشعر العرفاني ، كنموذج لعيون الشعر الحموي الذي يرقى بالذوق الجمالي
و النشوة الشعرية غير عابئ بالشكليات و تقييد القوافي ، و كأن غزارة المعاني أغنت عن الاعتناء بالاطر التقليدية و ابجديات القافية و الاوزان ، و ما يرمز له ذلك من ظاهرية عقيمة روحيا ؛
اشكو انفصال اتصال :: مع الليالي العوالي ::

ليالي كنت اراها :: محفوفة بآمال ::

ليالي كنت أراها ::
بالشيخ ذات وصال ::

و الشيخ فيهاإمام ::
إمام كل الرجال ::

إمام كل إمام ::
و خلفه كل عال ::

و يتابع المرابط في وصفه للشيخ إلى درجة الغاية
و قمة النشوة الروحية ؛

اوصاف جد عليه ::
مرسومة في خيال ::

خياله في خيال ::
يحوي جميع الخيال ::

و ذاك أمر عسير ::
على فحول الرجال ::

إلى أن يقول :

من الرجال رجال ::
على جمال الجلال

و منهم ذو جمال ::
و منهم ذو جلال ::

و جامع لسناهم ::
خليفة المتعال ::

و ذاك شيخي إمامي ::
حمايتي و آمالي ::

الى ان يقول :

و اجعلني فيه بكلي ::
على كمال الوصال ::

مستغرقا بجميعي ::
مستفرغا من وحالي ::

الى أن يقول :

مالي و لليالي ::
جاءت بقطع بوصال ؟ ::

و مهما يكن فإن اشعار المرابط الحاجي ، ستبقى رمزا الشاعرية الحموية
و عمق معرفتها. .

مقتطف من مقالة نقدية للكاتب ..

صالح محمد علي ..