الخميس
2020/04/2
آخر تحديث
الأربعاء 1 نيسان (أبريل) 2020
ads
ads

حتى نكون مثقّفين حقّا

20 كانون الثاني (يناير) 2020 الساعة 14 و04 دقيقة
حتى نكون مثقّفين حقّا
إحسان الفقيه
طباعة

«نابليون وَسَط البلد»، هكذا كان يُعرَف ذلك المتشرّد الراحل رمضان خليل، الذي اتخذ من شوارع العاصمة الأردنية «عمّان» مأوى له، يراه الناس على مدى عقود يمشي بخطوات واثقة، مرتديًا زيًّا يشبه ملابس نابليون بونابرت، لكنه لم يكتسب شهرته من ملابسه التاريخية فحسب، وإنما كان يلفت الأنظار كقارئ نَهِم، يستثمر عامة وقته في المطالعة، كما عُرف بمناقشاته السياسية والاجتماعية والفكرية مع من ينتقيهم من المارّة، ومنهم السائحون، إذ كان يحاورهم بشأن القضية الفلسطينية.
وفي شنغهاي الصينية، يُتداول في مواقع التواصل الاجتماعي الحديث عن رجلٍ يلقبونه بـ «الحكيم والمثقف المجهول»، ظل سنوات يتجول في الشوارع يجمع القمامة بغرض بيعها، وفي يده العديد من كتب التاريخ والفلسفة، يُسمِع الناس الحكايات عن القدماء، وما تركوه من تراث، بل يشرح للمارّة مدارس الموسيقى الكلاسيكية.
ولا يكاد بلد يخلومن أولئك المتشردين المثقفين، الذين هم رغم أحوالهم المعيشية المتردية، يتفاعلون مع مجتمعاتهم، يتأثرون بها ويؤثرون فيها، زادُهم في الحياة قليل من الطعام، كثير من الكتب. أمثال هؤلاء يجعلوننا نعيد النظر في تعريف الثقافة والمثقفين، وتعيين من هو الأجدر بأن يُطلق عليه لقب «مثقف» بحق، فإن حيازة المرء للشهادات العلمية، وتولِّيه المناصب المرموقة، وتكديسه للمعلومات، كل ذلك ليس كافيًا في أن ينال هذا الوصف، رغم إقرارنا بأن المطالعة والمعرفة ركن أساس في تكوين شخصية المثقف. الثقافة ليست فقط معرفة، ولكنها كذلك سلوك يترجم روح هذه المعرفة ويُعبر عنها، فتظهر آثار هذه المعرفة على سمته حكمةً ووقارًا وعقلانية واتزانًا وإنسانية، وإنك لترى المفكر الجزائري الراحل مالك بن نبي، يؤكد على هذا الأصل الثقافي، فيقول: «الثقافة لا تضم في مفهومها الأفكار فحسب، وإنما تضم أشياء أعم من ذلك كثيراً، تخص أسلوب الحياة في مجتمع معين من ناحية، كما تخص السلوك الاجتماعي الذي يطبع تصرفات الفرد في ذلك المجتمع من ناحية أخرى». ومن خلال الثروة المعلوماتية، تصطبغ شخصيته بالعمق في فهم الآخرين، وكيفية التعامل معهم على اختلاف أنماطهم، وفوق ذلك يرى موقع خطاه في التعاطي مع الحوادث والوقائع، ويتخذ مواقفه من الحالة السياسية والنسق الاجتماعي في وضوح.
المثقف ابن بطنِ المجتمع، منه خرج، واللبنة الأولى في تكوينه الفكري والثقافي، هي نتاج تفاعلات ذلك المجتمع، وبناء على ذلك لا يصلح أن ينظر المثقف إلى الجماهير من الأبراج العاجية، أو يضع بينه وبينهم الأسوار، لأنه وببساطة شديدة لا يشكل المثقفون طبقة مستقلة، بل إنّ كل مجموعة اجتماعية لها جماعة خاصة بها من المثقفين، كما يرى الفيلسوف الإيطالي أنطونيوغرامشي. كما تفرض هذه النسبة على المثقف أن يكون حلقة وصل بين أفراد المجتمع الواحد، فالصلة هي أول لوازم المشاريع الثقافية، حيث أن التركيب والتأليف هما حجر الزاوية في كل ثقافة، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأصل بإبراز أهمية الصلة حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم «لَو أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» (الأنفال: 63). المثقف الحق يعزز الهوية الثقافية لأمته لا يثور عليها ولا يعبث بها، لأن هذه الهوية هي المرجعية النهائية لها، فلا يجعل من نفسه ممرًا لعبور القيم الدخيلة، التي تعارض هذه الهوية، ومع الأسف هناك الكثيرون من المنتسبين إلى الطبقة المثقفة يتشدقون بقيم الآخرين، ويجعلون من أنفسهم نوافذ لتمريرها، وكأنه من لوازم الثقافة أن يقلدوا الغرب في كل ما اتَّجَه إليه، مع أن هذا يقدح في وصف المثقف، حيث أنه لا يستحقه وهو غارق حتى النخاع في تقليد الغير، فالمثقف الذي ارتوى بالمعرفة وطول التأمل، يرتقي إلى الإبداع، ويكتسب الملكة النقدية لمفردات ومخرّجات الحضارات الأخرى، مهما كان زخرفها وبريقها، ومِن ثَمّ لا يبقى فيه ثغرة للاختراق القيمي والأخلاقي والفكري.

التجربة اليابانية ونهوض هذا الشعب المكلوم بعد مأساة هيروشيما وناجازاكي في الحرب العالمية الثانية، كانت مثالا للحفاظ على الهوية وصلابة المواجهة أمام الاجتياح الحضاري، فقد أرسلت الحكومة البعثات العلمية إلى الغرب للاستفادة من علومه، وهي تراقب مبعوثيها، وتؤكد لهم قولا وفعلا، على ضرورة التمسك بالقيم والتقاليد اليابانية الأصيلة، وعدم الانجرار وراء بريق الحضارة الغربية، واقتباس ما ينفع اليابانيين فقط من التقنيات والصناعات، ولذا قامت الحكومة اليابانية بحرق أفراد إحدى البعثات العلمية أمام الشعب بعد عودتهم فاقدين لهويتهم الثقافية.
المثقف ليس أرشيفا للمعلومات، إنما هوشخص إيجابي فعال، ينتقل من عالم الأفكار إلى عالم الأشياء كما قال مالك بن نبي، هَمُّه مُنصرف إلى حيازة المعلومات وتحليلها والربط بينها وبين غيرها، ثم يوصل هذا المنتج إلى الجمهور، مستشعرًا المسؤولية الاجتماعية، فهو يستخدم المعرفة في عملية التغيير. ولذا يعرّف المفكر الفرنسي السوري وأستاذ علم الاجتماع السياسي برهان غليون، المثقفين على أنهم مجموعة من الناس تتميز عن غيرها بما تمتلكه من التفكير في الواقع، والمصلحة العامة أحد همومها، وتشارك في عملية الصراع الاجتماعي والسياسي، من أجل دفع هذا الواقع. ويذهب سارتر إلى أبعد من ذلك ويرى أن مهمة هؤلاء المثقفين الأولى هي إزعاج السلطات والطغاة.
عام 1926، اعتقلت السلطات الفاشية الإيطالية، الفيلسوف الماركسي الإيطالي غرامشي، وحوكم بعدها بعامين، وأثناء المحاكمة قال ممثل الزعيم الفاشي موسوليني: «إن علينا أن نمنع هذا الدماغ من أن يشتغل طوال عشرين عامًا». وإنها لعبارة تجسد مدى تأثير الشخصية المثقفة على الجماهير، فالمثقفون يفترض بهم أن يكونوا قادة للرأي، يقفون في الصفوف الأولى بين الجماهير حين تهب رياح الأزمات. حَرِيٌّ بمثقفينا أن يكونوا أكثر فاعلية تجاه الجماهير، ويأخذوا بأيديهم تجاه المعرفة والتغيير معًا، أن يتحدثوا إلى الناس لا إلى أنفسهم، حتى يكونوا جديرين بوصف المثقف، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
إحسان الفقيه - كاتبة أردنية