الخميس
2020/04/2
آخر تحديث
الأربعاء 1 نيسان (أبريل) 2020
ads
ads

الإسلام الصحيح والغرب والشيخ عبد الله ولد بيّه / محمد محمود ولد بكار

25 كانون الثاني (يناير) 2020 الساعة 13 و00 دقيقة
الإسلام الصحيح والغرب والشيخ عبد الله ولد بيّه / محمد محمود ولد (...)
محمد محمود ولد بكار
طباعة

انفضّت ندوة الشراكة بين الحكومة الموريتانية ومنتدى تعزيز السلم في المجتمعات المسلمة، المنعقد في نواكشوط 21-23 يناير الحالي، عن نتائج وأهداف ومبادئ راقية تقوم على "تطوير مناهج التفكير، وآليات العمل وفق وسائل مبتكرة، ومد مزيد من جسور التعاون بين الأديان والثقافات، وبين رجال الدين والفاعلين في المجالات الإنسانية والحقوقية، وإعادة الاعتبار لفكر التسامح الديني، والتعايش السلمي بين الأفراد والشعوب، استلهاماً للمبادئ الإنسانية العالمية". إنها الرؤية الجديدة لما بعد التطرف.
لقد حدث، بعد تفكيك "العدو الشيوعي"، أكبر عدو فكري وسياسي انتشارا على الأرض بالنسبة للأيديولوجيا الغربية، إذ كان من الطبيعي العثور على عدوٍ بديل قادر على تحريك الإيديولوجيا والاقتصاد الغربي. إنه عدو بمواصفات خاصة: كبير وقوي وذي بعد ثقافي وتاريخي متعارض مع تطور الثقافة الغربية. ولم يكن هناك غير الإسلام الذي يملك مدّه الخاص به، ويعرف انتشارا متزايدا على رقعة واسعة وفي أوساط غير عربية، مسجلا نجاحات ونماذج اقتصادية وسياسية جليلة وملهمة، تحرز تفوقا على الثقافة الغربية التي أخذت تبتعد عن العقل والوحي الإلهي، إلى الابتذال والخواء الروحي والثقافة الهابطة ، متخذة من الصناعة والسلاح ووحيَ الأهواء ،روحها.
وبهذا يكون الإسلام عدوا خطيرا، لكنه -على هذا النحو- ليس العدو الذي يشكل خطورة على الشعوب الغربية لكي يحتل مكانة الشيوعية، أو "الشر المطلق"، وبذلك تجب شيطنته وتفعيل عداوته، بمعنى أدق، خلق "الإسلام العدو". لكن، وبما أنه لا يمكن حصر الشر في دولة معينة لأن ذلك لن يضمن تاريخية الصراع، ولأن الدول الإسلامية الكبرى تقع في المنطقة التي توجد بها المصالح الخالصة للغرب من ناحية التجارة والمعاهدات والتعاون الأمني والعسكري، أي تعذر المعطى الجغرافي، أصبح التوجه صوب خلق منطقة صراع واسعة وأبعد من تلك المنطقة، هو الهدف الرامي إلى خلق "الإسلام العدو ". ولن يتأتى ذلك إلا بربطها بالفكر والتاريخ، لا بالجغرافيا. ولهذا تمت صناعة "الإسلام العدو" الذي هو عبارة عن ايديولوجيا قتالية مصنعة من: "مجمّع من التطرف والموضوع والمحرّف والشاذ "، وتوزيعه في العالم دون ضبطه جغرافيا ولا وفكريا، ومن ثم خلق عدة نسخ منه ومده بالسلاح والخبرة العسكرية وخلق مناطق ملتهبة وحمله إليها، وجعله عدوا أخطر وأوسع انتشارا من العدو السابق، لأنه لا يقاتل من رقعة واحدة، ولا من منطقة مركزية واحدة، ولا يحارب في حدود واحدة، ولا يمكن الضغط عليه عسكريا ولا سياسيا ولا اقتصاديا، أي أنه ليس تحت السيطرة، وهكذا تم خلق "الإسلام الإرهابي الشبح" في محاولة لتوريط المسلمين بنقل الصراع داخل أراضيهم، وقلبهم على دينهم "غير الإنساني الذي يقتل ويحرق"، وبخلط جميع أوراقه (القاتل يقول: "الله أكبر" والمقتول يقول: "الله اكبر")، والهدف هو وقف الوتيرة المتسارعة لانتشاره، ووصمه بالظلامية والقتل والتخلف، وأنه ضد التقدم والحرية في تجلياتها المضيئة، وضد الحضارة. إلا أن هذا العدو صار أكثر شراسة تجاه الغرب، وأضحى معزولا بالنسبة للمسلمين وللعالم الآخر، ولا يعكس صورة ولا طبيعة الإسلام الحقيقي الذي ظل يحافظ على صورته الوضاءة ويزداد يوما بعد يوم انتشارا وصدقا، وتدعم الاكتشافات العملية صدق وتفوق رسوله، علميا قبل العلم.
وهكذا دخل الغرب المأزق الحقيقي بفساد تجربة صناعة العدو، فقد صار نفط ليبيا يدعم الإرهاب في الاتجاهين الغربي والافريقي، ودعمَ تفكيكُ العراق وسوريا واليمن قاعدة الإرهاب والمد الشيعي والتركي، وصار الغرب بين فكي الإرهاب والهجرة، وأصبح الهدف الأسمى هو التخلص من "الإسلام العدو " الذي ينتشر فكره بوتيرة متسارعة وسط الشباب، والعودة للاستقرار وترويج ثقافة السلم والاعتدال بدل التطرف والتفجير. وهكذا أصبح الغربيون يبحثون عن الإسلام الحقيقي كشريك من أجل القضاء على الإسلام المصنوع، وخلق السكينة والاستقرار بدل نشر الخوف والفوضى، ودعم دعوته التي تقوم على التعايش والاحترام المتبادل، خاصة بعد فشل التجربتين: خلق زعامات الإسلام السياسي، وخلق مفكرين ومرجعيات فتاوي للإسلام "العدو". ومن هذا الفشل تولدت مقاربة الحل من داخل الإسلام نفسه، أي بواسطة الإسلام الصحيح والوصول إلي شخصيات إسلامية معتدلة ومتميزة وليست مصنوعة، وعبر الشراكة وليس بواسطة الإملاءات. ولأن المصلحة أصبحت في الإسلام الصحيح، وليس المحرّف ولا المصنوع، ولأن الأمر مرتبط بمصلحة الغرب وحاجته الملحة للمصالحة والتعايش السلمي، ولأن مبدأ القوة لم يعطِ النتائج التي تضمن مستقبلا أكثر أمنا، أخذ البحث عن الشراكة منحى آخر يتجلى في اكتشاف عالِم ديني على الفطرة ،يكون بمنزلة البابا عند المسيحيين، أي عالم يحظى باحترام المسلمين بناء على علمه واستقامته ونزاهته: لم يدخل في الاستغلال السياسي للدين، ولم يشارك في إطلاق الفتوى في الحشد الديني لأي موقف سياسي ولا الدعوة لأي طرف في الاقتتال بين الأخوة مهما كانت طبيعة الأطراف، ويدعو للتسامح والتآخي بين الأديان. ومن هنا لاقى نهج الشيخ عبد الله ولد بيّه الذي يعبر عن الدين الصحيح، أي الدين الذي عرفه الناس في بيوتهم وتعايشوا معه وسمعوا عنه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة رضوان الله عليهم، ذلك الدين الذي يحرم قتل المجير، ويقوم على التعايش مع كل الأديان وفق الآيةً الكريمة: "لكم دينكم وليّ ديني".لاقى من طرف الغرب وهو مكره ،آذانا صاغية .
لم يكن علمُ عبد الله ولد بيّه ولا فهمه وليد اللحظة، بل كان عالما منذ أكثر من أربعين سنة، لكنه لم يستهو أحدا، لأن علمه ومواصفاته لا تخدم المرحلة حينها، إلا أنه اليوم عندما صار الكل بحاجة لإسلام الفطرة، أي الإسلام السني الصحيح الذي لا يقتل بريئا ولا يحرض على قتل ذميي ولا معاهد ، ويحفظ المواثيق، ويدعو للتسامح وحسن الجوار والإحسان على الفقير والضيف.. الإسلام الذي يعترف للآخرين بحرياتهم في معتقداتهم ودياناتهم وحياتهم، والذي يحمل شعار الآية الكريمة "ولاتزر وازرة وزر أخرى"، والذي يسمح بمصافحة البابا ويُرغّب في التعايش بين الديانات، صار الإسلام الصحيح مهما للبشرية ،وعن تجربةٍ ،على الاقل كأهمية الفيزياء أو العلوم، وصار عبد الله ولد بيّه صانعا للسلم ومبتكرا لتوجه إنساني عظيم، في وقت حرج وربما أصبح اهم من كل الذين نالوا جاىزة نوبل للسلام ،وصارت ندواته مهمة ويجب أن تُظل العالم كله لكي ينتشر الإسلام الصحيح وينحسر الإسلام المصنوع. وهكذا كانت ندوة نواكشوط خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح ،ليس للشيخ عبد الله وموريتانيا فحسب بل ولافريفيا والعالم.