الاثنين
2020/11/30
آخر تحديث
الأحد 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020

هل ستتحول اللجنة البرلمانية إلى مسرح لتصفية الحسابات؟ /محمد محمود ولد بكار

23 نيسان (أبريل) 2020 الساعة 07 و30 دقيقة
هل ستتحول اللجنة البرلمانية إلى مسرح لتصفية الحسابات؟ /محمد (...)
طباعة

فتحت اللجنة البرلمانية للتحقيق في ملفات فساد العشرية الفائتة، اليوم، الأغلفة لإكتتاب فريق من الخبراء يضم ماليين وقانونيين ومفتشين للقيام بالعمل الفني حول عدة ملفات وقطاعات تثار حولها "شبهات رشوة وفساد ".
ويتنافس حول هذه الخبرة 17مكتبا وطنيا ودوليا مكونا من خبراء قانونيين وماليين ومفتشين لم يتم لحد الآن إختيار أي منهم، بل إن فترة فتح العروض بدأت اليوم رغم أن عمر اللجنة إنقضى أكثر من نصفه في حين أن ملف اختيار مكتب الخبرة سيأخذ شهرا من الآن حسب تقدير بعض أعضاء اللجنة، الأمر سيجعل عمل المكتب الذي سيتم اختياره لن يستمر أكثر من شهر، وهي فترة غير كافية لتناول لائحة الملفات المطروحة على طاولة اللجنة بعدما وسعت مجال تحقيقيتها إلى البنية التحتية وصفقات إسنيم وغيرها دون أخذ أي تدابير إضافية تتعلق بالوقت وبالإمكانيات وبالفاعلية، فيما تعاني من عدم التجاوب معها من طرف الشهود وأصحاب المعلومات والوثائق من الموظفين والمهنيين على النحو الذي يعكس حجم المسؤولية الملقاة على عاتقها والزخم الذي يحيطها به الرأي العام الوطني ، كما أنها تعمل من دون دعم من الإرادة السياسية للبلد في حين تواجه الصف الأول في الحكومة وفي الحزب ومن داخل النظام ،الذي يضم بعض الرؤوس التي سيطيح بها عمل اللجنة عندما تكون جدية ومستقلة حقا، وبالتالي فالأمر يتطلب حمايتها وحماية أفرادها من ضغوط الإغراء والإكراه حيث ستتكاتف جهود أفراد النظام السابق وبعض رجال أعماله الأقوياء من أجل إفشال عملها بممارسة شتى أنواع الصغوط الإعلامية والسياسية والقبلية على اللجنة ثم اتهامها بالوقوع في الصراعات المحلية، وبأنها- كما تمت الإشارة إلى ذلك مرات - تستهدف مجموعة إجتماعية بعينها أو أشخاصا محددين دون آخرين في الوقت الذي لم تشاهد أي حماية قوية لها من طرف النظام .
في حين يلقي محمد ولد بوعماتو في الطرف الآخر بثقله على اللجنة البرلمانية من أجل اختيار مكتب تابع له مكون من ثلاثة خبراء يرتبطون به كانوا في مقدمة صراعه القانوني والدولي ضد محمد ولد عبد العزيز ، منهم محامي موريتاني وأجنبيان، وهو ما سيلقي من دون شك -بعيدا عن أي إعتبار لفساد ولد عبد العزيز وزمرته -بظلاله على عمل اللجنة عند اختيار هذا المكتب مهما كانت درجة مصداقيته ومهنيته ،وسيحول اللجنة إلى مسرح لتصفية الحسابات والصراع الدائر بين الرجلين مما يضعف مصداقية النتائج والقرارات المترتبة على ذلك ويضعها في خانة الصراعات الشخصية وليس في إطار استراتيجية وطنية وفاعلية برلمانية حديثة ،ومهمة في تاريخ البلد .ويثير ذلك تخوف الكثيرين من أن يجعل ذلك البعض يفلت من العقاب بسبب التركيز على الخصوم والأعداء ، رغم أن عمل الخبراء قد يكون عميقا ومفيدا إلا أنه لن يسلم من التصنيف السياسي مما يحمل اللجنة جريرة صراعات لا دخل لها فيها ،وينقل النظام إلى نظام يعمل لمصلحة طرف على حساب آخر، وهو الأمر الذي يجب تلافيه بقوة .
ويمكن الخروج من ذلك باختيار فريق من الخبراء الوطنيين الذين يمثل هذا الميدان جزءً من خبرتهم وعملهم في الدولة وقد أثبتوا نزاهة عالية خلال تعاملهم مع الملفات ، وبعدا وطنيا وابتعادا كاملا عن السياسية والتجاذبات ،وهو النموذج الذي تبحث عنه الدولة التي تسعى لإعادة الإعتبار لحسن التسيير والشفافية التي غابت طيلة العقود الماضية. ورغم هذا المسار الكبير من المد والجذب الذي تواجهه اللجنة اليوم وهي تعمل تحت ضربات الضغوط الكبيرة في محيطها البرلماني ومن الحكومة ومن الفاعلين المؤثرين من رجال أعمال وطنيين وقبليين وسياسيين، تغيب الإرادة السياسية لجانبها، ففي حين لم يَتفق أن وقع مثل هذه المبادرات داخل البرلمان في تاريخ البلد قبل هذا النظام ، وفي حين يعرف الجميع بتبعية البرلمانيين والسياسيين العمياء لهوى رئيس الدولة ،وأن فصل السلطات ليس فعالا في البلد لأخذ هذا النوع من المبادرات بإستقالالية عن الجهاز التنفيذي أو الإرادة السياسية ، بل يكاد يكون معدوما ،وأنّ تكوين اللجنة واختيار أعضائها إذا لم يكن من طرف رئاسة الدولة مباشرة فلها اليد الطولى فيه ،فإن غياب دعم حقيقي لها من طرف الإرادة السياسية سيجعلها عرضة للتجاذبات الكبيرة المتكالبة عليها ،كما أن نتيجة عملها ،صالحة كانت أو فاسدة، نزيهة كانت أو زبونية، سيتحمل الرئيس جريرتها مهما كانت مسافته الحقيقية منها ،بوصف من خلق الظرف لميلادها ،الأمر الذي يتطلب منه تحمل المسؤولية كاملة لأن تصل اللجنة إلى أهدافها الوطنية وذلك بتوفير الغطاء القانوني والإرادة الصلبة وكافة الإمكانيات التقنية الكافية لأن تقوم بعملها ،وأهم من ذلك أن يحميها من التجاذبات والضغوط لتبقى مستقلة دون أن تقع في يد بعض الرجال المستعدين لدفع ذممهم في مثل كسب هذا النوع من الملفات وتحويله إلى صراعات شخصية .
كما يضمن أن تحصل الدولة والمجتمع على النتيجة المتوخاة من هذا العمل ومن أن لا تكون إستراتيجية محاربة الفساد سلاحا تضعه الدولة في يد البعض يستغله في تصفية الحسابات ضد البعض الآخر،وتنام السلطة عن المصلحة العليا للوطن تحت أي مبررات ،ونعود لمربع الصفر من عدم الثقة في محاربة الفساد وفي أننا نخصَب نفس النظام كل خمس سنوات .