الخميس
2020/10/22
آخر تحديث
الخميس 22 تشرين الأول (أكتوبر) 2020

أعجبُ لغزواني الذي يريد أن يُصلح بما أفسد الدهر ! /محمد محمود ولد بكار

24 نيسان (أبريل) 2020 الساعة 17 و30 دقيقة
أعجبُ لغزواني الذي يريد أن يُصلح بما أفسد الدهر !  /محمد محمود (...)
طباعة

حاجة الناس للعطف وللرحمة من لدن نظامها السياسي وشعورها، بأن لها دولة تراعي مصالحها وتتعامل مع ظروفها بعد عشر سنوات من الفظاظة، كان هو شعار مرحلة غزواني، وكان بالأساس الشيء الذي يميزه عن ولد عبد العزيز، وقد كان ذلك مجالا للبشارة والحبور ، وإستنشقت به الناس الراحة والأمل ، واستنثرت به الكدر واليأس، ونزل به الإطمئنان في النفوس ، وحطت به المعارضة رحال الحرب وابتعدت عن ساحة الوغى ،بعد سنين من الكر والشطط وسوء المنقلب ،وصار الجميع يتطلع للتعامل مع عاقل يفهمه أو كيّسٍ يلتمس له مخرجا .
ودشن البلد مرحلة من "إطروح العافيَ"، وكان كل ذلك مرتبطا بولد الغزواني حسب ما تم الإنسجام به داخل الرأي العام الوطني ولمن يعرفه ،الأمر الذي ظل يتطلب- دون أدنى توان -حضوره الشخصي وممارسته لمهامه كاملة، وهو ما لم يتحقق بحجم الحماس له. وعكس ذلك لوحظ غيابه عن الواجهة ووجود مجموعة تعمل بإسمه وتأخذ قرارات بعيدة من السمة البارزة له ، حيث بدأت تخلق صورة أخرى وتبدد الأمل بالعطف على المواطنين وتعطي الأنطباع عن تنصله بسرعة من مسؤوليته أو وقوعه بأسرع من ذلك في أسر "البقايا" (توريةً عن وجبة إسبانية معروفة وهي خليط من بقايا طعام الملوك ): أي أنه وقع في أسر خليط من بقايا الأنظمة السابقة .
لقد كانت لجنة كورونا إحدى صور تجليات ذلك ،وإنعكاسا واضحا وتعبيرا لامعا عن مستوى ضعيف من الإحساس بالهموم العامة للمواطنين وخاصة العالقين لأسباب خارجة عن إرادتهم ، والتي أحالتهم لأوضاع مزرية في دول على الحدود أو قريبة من ذلك ،وهو ما يعتبره المواطنون - الذين يشاهدون جميع روساء العالم وهم يترأسون لجان الأزمة في بلدانهم -تنصلا لغزواني من المبادرة وتركها في الأيدي التي عبثت بها أنظمة سابقة ،وحتى دول خارجية، ويضع تحت مشيئتها قرار الرحمة بالمواطنين ويوكل إليها مهمة التفكير في الحلول الرحيمة والإيجابية حيث يتناقض ذلك مع كل ما تعلمته من أنظمتها وسادتها السابقين: وعلى لسان نهشل بن حرِّي:
أرى كل عود نابتا في أرومةٍ# يأبى نسب العيدان أن يتغيرا،
إنها ركلة بالرجل على مؤخرة الأمل المنشود بنظام رحيم! ولا يعني ذلك أن هذا هو أسوأ ما حزّ في نفوس الناس ، بل الأسوأ منه هو غياب المبررات لقرار اللجنة ،وقد عجز وزير الخارجية- وهذا واضح للجميع -أن يكون مثيرا ليس للإقناع فقط ،بل وللتفاؤل حينما يقول أن الدولة لن تأتي بمواطنيها "في منظور لهفتهم"، ويصوغ مبررات غير مفهومة ، بل وقد تملكه العجز في التعبير عن الفكرة وذلك لأنها غير موجودة بالأساس .
لم تكن هذه المئات أو الآلاف العالقة تستحق رسالة إعتذار أو خبرا أقل عجرفة من الطريقة التي تلقته بها والتي تنم بأنها لا تستحق اكثر من ذلك ،في حين أنها لم تطلب لقمة ولا دثارا ،لكنها طلبت بالعودة لأرض آبائها وأجدادها، ولا تريد سوى طائرة تؤجرها أو إستخدام تذاكر العودة السارية المفعول ، بل وأنها مستعدة بالإضافة لذلك لشراء تذاكر جديدة بأي ثمن لأن ذلك مهما كان باهظا سيبقى دون العيش في حياة البؤس هذه التي لامبرر لها من الناحية الموضوعية ،والمفروضة عليها من لدن سلطاتها التي تصَر على احتجازها خارج بلدها وتضعها في مواجهة ظروف لا قِبل لها بها ،وتخدش كل يوم من كرامتها ونخوتها.
ألا يوجد حل في قاموس هذه اللجنة سوى ذلك الحل الذي يزدري الناس؟ . إنها صدمة في غير محلها (ما هكذا يا سعدُ تورد الإبل ) .لقد أخطأت اللجنة الصواب وازّاورت عن الهدف وتغاضت عن محنة الناس، وهو ما يغدو في الحقيقة
بأي نظام أو حكومة أو لجنة أو رئيس يتبنى حرمان الناس من وطنها في هذا الظرف الحالك بأن يكون لا أهمية له عندها على الإطلاق ،ولا يثير سوى مزيد من السخط في دولة لم تعرف العلاقة بينها مع شعبها سوى ذلك منذ أمد بعيد .فهل فعلا جاء غزواني ليضيف إلى المخزون السلبي لتلك العلاقة؟. يصعب تجاوز كل ذلك الإنسجام ،لتصديق ذلك .
إلا أنه يقودني على نحو إجباري نحو هل سيسمح بأن تدشن "لجنة طردونا "حربا جديدة بإسم ولد الغزواني على الشعب المغلوب على أمره الذي كلما شاهد بصيصا من أمل في آخر النفق جاءت طائفة من الذين فسدّوا وأفسدوا ، والتي لم تبق وظيفة ولا مشروعا ولا خطة إلا عرفت سوء فطنتهم وقلة حِرفيتهم وضعف إدراكهم ليوقعوه في الزلل ويقطعوا عليه الطريق في بداية المنعرج !
إنني حقا أعجب لغزواني وهو يريد أن يُصلح بما أفسدَ الدهرُ .