الاثنين
2020/10/26
آخر تحديث
السبت 24 تشرين الأول (أكتوبر) 2020

المدينة الحالمة خير من البادية العالمة

3 حزيران (يونيو) 2020 الساعة 22 و28 دقيقة
المدينة الحالمة خير من البادية العالمة
د. زين العابدين سيدي
طباعة

من الثابت في كل أقطار الدُّنا ـ المتحوِّل عندنا ـ أنَّ العِلم مَدني ، ينمو في البيئات المستقرة الهادئة ، بعيدٌ كل البعد عن المنغِّصات و عوامل الاستفزاز و الشُّرود ، سواء كان ذلك الشرود في المكان أو في الذهن ، و ليس الأمر بالعجيب أو المستغرب ، فأداة العلم و باعثه هو التفكير السليم المتأني ، و الروية التي تعتمد التَّمعُّنَ و المراجعة و التنقيح ، و كلما كان الاستقرار مستودعا لذلك كانت نتائج القريحة غاية في النضج و السلامة من العيوب .

و لمَّا كان الاستقرار دعامة أساسية للعلم كان الأولى أن تكون المدينة مستقرَّه و مستودعَه ، و وعاءَه و حاضنتَه ، التي تضمن له مقدمات صحيحة و نهايات و نتائج متوقعة ، و تسلسلا منطقيا استشرافيا ، فأهل المدينة لا يَقطع خيطَ تفكيرهم انتجاعٌ و لا ترحُّلٌ ، و لا طلب ضالَّة ، و لا عواء ذئب مفترس ، و لا تمزُّق بيت شَعَر ، و لا جلبة زوار غير معتادين أو خارج السياق..... كما لا تنقصهم أدوات الكتابة من أقلام و حبر و كاغد ، و لا تعوزُهم وسائل الحفظ و المحافظة على المُنجَز ، و الارتباط به ، و ادِّكار مواطن التوقف متى ما دَعت الحاجة للمواصلة و متابعة البناء .

و لا أجد أبلغ و أوعى و أجمل إسقاطا على ما ذكرنا من موضوع النضج و الروية ، و الاستقرار ،و غير ذلك من مهيئات التفكير السليم الناضج من قول ابن الرومي :

نارُ الرَّويةِ نارٌ جِدُّ مُنْضِجَةٌ ** و للبــــــديهَةِ نارٌ ذاتُ تَلْويحِ
و قـــد يُقَدِّمُها قومٌ لِعاجِلِــها ** لكنَّهُ عاجِلٌ يَمْضِي مع الرِّيحِ

أتذكّر كل ذلك و أنا أطالع كل يوم خلال مراجعاتي للتأليف الموريتاني على مختلف مواضيعه و أعصره ، و خلال استماعي لنخبنا من علماء و أساتذة و مثقفين..... و هم ينتشون طربا و يهتزون أعطافا لمقولة " البادية العالمة " ، و أنا هنا لست في وارد النفي أو الإثبات ، لكن أدعوكم يا رعاكم الله للمراجعة المتأنية و التدقيق الفاحص ، و النقد الموضوعي البنَّاء لمسيرة إبداعنا و تأليفنا ستجدون أنه كله اتِّباع بعيد كل البعد عن الإبداع ، و في الأغلب الأعم يُهِيض أكثر مما يفيد ، و كما قال أحد العلماء الأندلسيين إنَّ أي تأليف لا يضيف جديدا أو يشرح مستغلقا فهو تخسير الكاغد .
إنّ أغلب تآليفنا منظومات لمنثورات غيرنا ، أو اجترار و تتبع لها ، أو مزيج مركَّب من عدة مؤلفات ، و العجب كل العجب أنك كلما عَرَض لك بارقُ أمل في فكرة منتقاة أو مبتدعة من خلال اعتراض حسبتَه لصاحبك إذا هو بعد التدقيق و الرجوع للمصادر و المراجع موجود بنصه للسابقين الأولين من أهل المشرق أو العُدوتين ، لكن السؤال الذي يطرح نفسه ؛ ما السبب و الداعي لذلك مع أن القوم لا يُنكر مُنكِر سعة اطلاعهم على الموروث و حفظهم المُعْجِز للمتون و المؤلفات في شتى المجالات و الفنون ؟
نعود و نقول إن عامل البداوة الذي سيطر علينا منذ البدايات الأولى لم يدع لنا كبير فرصة للتأمل و التروي فجزئيات البادية و تفاصيلها تمنع من التفكير الإبداعي و التأليف المنهجي ، لذلك طفقنا نحفظ نصوص الأوائل و نجترُّها عَصْفا على شكل منظومات أو مركَّبات جاهزة من شتى المؤلفات الأخرى أشبه ما تكون بما يعرف عندنا اليوم ( بالقطع و اللصق ) ، و من الطبيعي أن تجد أكثر المؤلفات عندنا منظومات لأن النظم بدوي بالطبع و ذاكرة مساعِدة على الحفظ السريع. قد يقول قائل نحن اليوم نعيش عالم المدينة و هذا التنظير ربما ينطبق على الماضي أيام كنا نتخذ من ظهور العيس مدرسة ، أقول إننا تمدَّنا ظاهريا لكن البادية بكل معانيها لا تزال مسيطرة على تفكيرنا و على الذهنية العامة و الذائقة الغالبة ، و إلا لمَا لاحظتَ التقليد يسيطر علينا في كل مناحي الحياة ، و يضرب بأطنابه على كل الصُّعُد ، و لا يخفى عليك أن التقليد هو كسل ذهني مَرَضِيٌّ يقف سدا منيعا دون الإبداع ، و هو من فطرة أهل البادية إذ ليس لديهم وقت مُساعِف لكدِّ الذهن و إعمال القريحة ، يلبسون كيفما اتَّفق دون مراعاة للذوق، شعورهم ثائرة تَضِلُّ فيها المداري ، يأكلون و يشربون في نفس الآنية التي ورثوها عن أجدادهم ، و يَطْعَمونَ كلَّ خشن جشب .....

كان حقنا ـ و نحن ورثة الأندلسيين ـ أصلا و فصلا و علما أن نسير على طريقتهم في التأسيس المعرفي و الفكري إن جاز لنا أن نقول ذلك ، فهم في تشكُّلهم المعرفي مروا بمراحل ثلاث ، أُولاها النَّهل و العبُّ من معين التراث المشرقي ، و ثانيها تقليد المشارقة و السير على خطاهم ، و ثالث الأثافي تجاوز المشارقة في الإنتاج الفكري و التأليفي ، و لو رجعت إلى المؤلفات الأندلسية لوجدت أمثلة شاخصة لكل مرحلة من تلك المراحل ، لا يسعنا الحديث عنها في هذا المقام ، و لولا الطموح و الوعي الفكري المتروي المدروس لما كنتَ ترى اليوم زبدة المؤلفات و خلاصتها في جميع العلوم أندلسية صرفة .
إن الباعث و الروية المُنضِجة لمؤسس دولة الأندلس عبد الرحمن الداخل مكنت من بناء حضارة مستقرة مزدهرة أرست دعائم فكر إبداعي خلاق ، تحَرِّكه غيرة بنَّاءة لا تقف عند حدود العاطفة و التمني ، و الإنكفاء على الذات ، و إن كانت الصلة بالأصل وثيقة و العروة وُثْقَى و لولا ذلك لما حَنَّ لأهله و مربعه حين رأى نخلة بالموطن الجديد عند قدومه :

تَبَدَّتْ لنا وَسْطَ الرُّصافةِ نخــــلةٌ ** تناءتْ بــــــــــالغربِ عن بلدِ النَّخل
فقلتُ شبيهي في التَّغَرُّبِ و النَّوَى ** و طول التَّنائي عن بَنِي و عن أهلِي

إننا و للأسف الشديد مازلنا في المرحلة الأولى من أطوار الأصل و هي مرحلة النهل من معين الموروث ، و لم نستطع أن نتجاوزها ، فلا بدَّ لنا من صدمة فكرية قوية تضع حدا للتسليم اللاواعي بكل مُتاح ، و أن الأحكام ليست بالضرورة مسلَّمات ، و أُولى ذلك خطأ التسليم "بمقولة البادية العالمة"، فالمدينة الحَالِمة في نظري خير منها ، إذ الحلم طموح و تصور لحياة أجمل و فُسحة أرحب و أوسع ، بل إبداع و تجلٍّ خارج حدود الكائن إلى الممكن .

و لو أنني دُعيت إلى تلخيص كل ما ذكرته في جملة فأقول إن مدار هذه الافكار يدور حول نظِيرين أو نقيضين اثنين، أما الأول : فهو البادية : و أدواتها البديهة المتسرعة ، و لسانهما النظم وغاية ذلك العلم بالشيء ، في مقابل المدينة : و أدواتها الروية و إعمال الفكر، و لسان ذلك النثر ، و غايته لا تحدُّها حدود ، فالمدينة و أطوارها بطبعها حالمة و لم تزل كذلك لأنها تروم البقاء و الصَّلاح و التَّجدُّد كما الحياة، ألا ترى أنَّ الرسالات السماوية كلها مهبطها مدني ، و أن نصوص الوحي مفتوحة على التأويل أي الفضاءات الرحبة الواسعة للفكر ، فهي أعمق و أدق من أن تكون لمحة بديهية أو فكرة شعرية غنائية ، أو تصورا بدويا شاردا يُكبِّله و يلسعه الخوف من المَحْلِ و انتجاع عازب العشب .

فَكِّرْ أولا بروية ثم احكم .... و ربنا الرحمن المستعان .
د. زين العابدين سيدي