الاثنين
2020/07/6
آخر تحديث
الأحد 5 تموز (يوليو) 2020
ads
ads

الفضاءات المفتوحة و غياب الرقيب

6 حزيران (يونيو) 2020 الساعة 12 و47 دقيقة
الفضاءات المفتوحة و غياب الرقيب
د. زين العابدين سيدي
طباعة

البادية فضاء مكانيٌّ مفتوح يَسيحُ فيه النَّظر و يرتدُّ و هو كَلِيلٌ حَسِير ، و مثلما للنظر فيه حريته المطلقة ، فلكل الحواس و الجوارح الأخرى نصيب من تلك الحرية ، المُقَدَّرة بقدر ضمير صاحبها لا بغيره ، و الحركة دائبة في الوسط البدوي ، إذ لا وجود لحواجزَ أو جُدُرٍ تقيِّدُ صولات و جولات المتسكعين و المتجولين لغرض أو بدونه ، فالخيام مفتوحة و الأعراف و العادات منسجمة و منضبطة مع كل الأهواء و الرغبات ، فبحجة إكرام الضيف يُقْرَى بالجلوس أين و متى و كيفما شاء ، و بحجة القرابة و الصداقة لا عورة للبيت وأهله ، و بحجة أنَّنا هكذا و جدنا آباءنا و كبراءَنا تذهب صيحات المصلحين ، و تَضِيع بين سُخرية المستهزئين ، و المُغرضين ، و نِكات السُّفهاء و العابثين .

هذا الواقع المزري الشنيع بكل تفاصيله و غياب الرقيب فيه يَحِزُّ في النفس و يَثقل على المرء أن يراه و هو يجرُّ ذيله بكل الفضاءات على اختلافها بعد أن بُدِّلت الأرض غير الأرض ، و الواقع غير الواقع ، و الزمان غير الزمان ، كلُّ شيء تبدَّل من حولنا إلا الذهنية و الفطرة البدوية فهي عَقَبَةٌ كَؤُود و مُلْكٌ جَبْريٌّ قَهْرِيٌّ عضوض .

إن الحديث عن هذا الموضوع هو حديث عن كل تفاصيل و جزئيات الحياة و دقائقها و تفاصيلها ، و لو أننا بسطنا القول في بعض المناحي ذات الصلة اكتفاءً بها فماذا ذاك إلا إشفاقا على القارئ خوفا عليه من المَلالة و السآمة ، و ثقة منا بقدرته على المُقايسة و الاستنتاج ، لذا فإنني سأتناول بعض أطراف هذا الموضوع نظرا لأهميتها و حضورها في حياتنا اليومية ، و ليس أقلَّها شأنا غياب الرقيب على مستوى الإنتاج الفكري و المعرفي ، و هذا لعمري بيت القصيد و ربع ينبغي أن يُستوقفَ عنده الصاحبُ ، و يُذكرَ و يُستذكرَ ، و يُبْكَى و يُسْتَبْكَى عنده ، فبغياب الرقيب أو على الأصح " النَّص الموازي " أي النَّقد ملأنا الكتب و الصحف و القراطيس ، و دَوَّنَّا الدواوين بما أتيح لكل منا من غثٍّ و سمين ، و فتحنا الأبواب على مصاريعها لكل الطفيليين و المتسلِّقين و شُذّاذ الآفاق ، إذ أنَّ نقد أي فكرة شوهاء ، أو خطبة عجماء، أو منظومة عجفاء ، هو نقد لصاحبها ، و مَسٌّ من مكانته المعنوية و الاجتماعية ، تُستنهضُ له القبيلة ، و تُراضُ بميدانه القوافي المِراض ، و المُعَلَّقات الطِّوال العراض ، و تُعَدُّ أيامه كالسِّنين الشداد ، و حَقِيقٌ أن تذخر له العُدَّة و العتاد ، فيا خيل الله اركبي ، و يا شرائع أو قوانين اذهبي و اغْرُبي ، فالحميةَ الحميةَ ، و الفتوَّةَ الفتوَّة ، فهذا ميدانُها ، و حانَ أوانُها ، و قد جُهِّزتْ حِرابها و سنانُها .

أفٍّ لهذه العقلية المتخلفة ، إن الفكرة تبقى حبيسة ذهن صاحبها يصرِّفها في جنانِه و قرارة نفسه كيفما شاء حتى إذا خرجت على شكل فعل أو قول تَصَرَّفتْ هي فيه إيجابا أو سلبا ، و أصبحت رَهن المتلقي ، فهي رسالة و الرسالة إذا لم تكن لمتَلَقٍّ فحري بصاحبها أن يرهنَها بداخله، و الرسالة تقتضي ردَّة فعل على العادة ، إن لا يكن ذلك كذلك فتوارَ أيها الجهول عن القوم و دُسَّها و أشبعْها وَأْدًا .

في غياب الرقيب أصبحنا كلنا صحافة بدون حصافة ، و إعلاما أغلب أهله لا نرى لهم عقولا أو أحلاما ، فمع حريتنا المقيتة المتجاوزة لكل الخطوط الحمر ، نَشِطُّ في الألقاب و نتنابز بها ، فهذا مستشار "الصدراية" مع أنه رجل و قور وصاحب دِراية ، و هذه " صدراية المستشار" يحومون حولها كأنها ذات أنواط ، و ذاك عالم جليل و أصولي متبحر ، و محدِّث مُتْقن يخوضون في عرضه و يؤولون أحكامه ، و ينعتونه بكل النعوت الفاضحة ، و هذا موظَّف وقور يحدِّثهم عن حصيلة و تداعيات مرض الجائحة بصوت حزين يكاد قلب صاحبه يلفظه من شدَّة الألم و الحسرة ، و أنفاسه تصَّعَّد حَزَنا كأنما ثَكِل أُمَّه ـ حفظه الله و حفظ أهله ـ تبدو عليه أمارات الحياء ، و حسن الخلق ، و سيماء الوقار ، مع مسحة إيمانية تترجمها نبرة صوته الحانية ، و استرجاعه المتألِّم بعد ذكر الإصابات و الشهداء و كأنما لسان حاله يبكي و يردِّد قول أَحْنَا الخَلق و أعطفهم صلى الله عليه و سلم " نَفْسٌ تَفَلَّتَتْ مني ... " ـ و إن شاء الله إلى الجنة ـ هذا الرجل لم تشفع له كل الخصال الجميلة التي ذكرنا و طفِقوا يسبونه ، و يُعَرِّضون به و بأبيه و عائلته ، و ينظمون في ذلك القوافي أو " الكيفان " المتهافتة السقيمة الخالية من كل سمة جمالية أو أدبية .

غياب الرقيب تقرأه من خلال الأدوية المزورة منتهية الصلاحية ، و من خلال المواد الغذائية المتعفنة ، و في حركة المرور ، و في عشوائية الأسواق ، و تَلْمَحُه بل تَأْلَفُه في مكبِّ النفايات و أكوام الأوساخ ، و أبوال المارة عند عجلات السيارات المتوقفة ، و عند أساسات الحيوط و الجدران ، و في الساحات الكاشفة ...... ماذا أقول و ماذا أعدد .

كم أتمنَّى على القائمين على الأمر أن يعلموا أننا بحاجة ماسَّة إلى رقيب قوي مؤتمن ، شديد وقت الشدة لا يُجامِل و لا يتهاون ، يأخذ على يد القوي قبل الضعيف ، و على الشَّرود قبل الأليف ، و أُلفت انتباه مواطني الأعزاء و أقول لهم : أما آنَ لهذا الطِّفْل داخل كل واحد منا أنْ يَشبَّ عن الطَّوْق ؟ .

حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا أصلحكم الله !!!!
د. زين العابدين سيدي