الثلاثاء
2020/11/24
آخر تحديث
الثلاثاء 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020

التركخوانية الاردوغانية والفساد اللبناني / علي شندب

15 آب (أغسطس) 2020 الساعة 11 و14 دقيقة
التركخوانية الاردوغانية والفساد اللبناني / علي شندب
علي شندب
طباعة

لم يكن لبنان بحاجة لانفجار "أم القنابل" في بيروت، لكي تنهار كل مساحيق الترميم المنتهية الصلاحية.. فالانهيار الاقتصادي وتدني سعر الليرة كشف عن حفنة لصوص سرقوا البلد ونهبوا مقدراته وسطوا على قوت اللبنانيين ومدخراتهم في المصارف. في وقت كشفت جائحة كورونا عن تداعي الوضع الصحي.

فانفجار أم القنابل في بيروشيما عرّى مؤسّسات الدولة الأمنية والقضائية فضلا عن رأس رأس الهرم بقاعدته وأضلاعه الصفراء والخضراء والزرقاء والبرتقالية. والهشاشة تتمدّد في جمهورية الأشلاء أفقيا وعاموديا، وأخذت تتلاشى بطريقة دراماتيكية عن جسد الدولة الهزيل والمتداعي وقد تبدّى هيكله العظمي عاريا إلّا من الفساد.

انفجار أم القنابل، كشف أن منظومة قيم الدولة هي الفساد، وأن صائغ القوانين ومشرعها هو الفساد، وأن سلطان تنفيذ القوانين هو الفساد، وأن ضابط التحقيق هو الفساد، وأن قاضي المحكمة هو الفساد، وأن المولج بمكافحة الفساد هو الفساد، وبات الفساد أنشودة يرنمها كل أطراف الطبقة السياسية. ولهذا تتبخر كل جرائم مكافحة الفساد، دونما توقيف ومحاكمة فاسد واحد، كما تقول الوقائع وكما تؤكد حناجر انتفاضة 17 تشرين.

لهذا المستوى، عرّى انفجار أم القنابل الدولة من رأس رأسها، الى هيكلها الحكومي والإداري والأمني والقضائي. ولهذا المستوى لم يشعر سادة الدولة وأمينها العام، بأي نوع من الإهانة وهم يسمعون رؤساء وممثلي دول العالم ومؤسّساته المختلفة، يعلنون بوضوح عن تسليم المساعدات مباشرة الى الشعب دونما العبور بالدولة، الذي لم ينقصه سوى سحب الاعتراف الديبلوماسي بالحكم والحكومة. في حين يعلن ميشال عون رفضه التحقيق الدولي لأنه يرفض المس بالسيادة اللبنانية خلال عهده المأبون. لهذا السبب بقي "العبور الى الدولة" مجرد حلم تلاشى مع أشلاء ضحايا أم القنابل.

أم القنابل حوّلت الأحياء من الشعب الى أشلاء أيضا، ولهذا فقد كان لافتا مطالبة بعض الأشلاء الأحياء من الرئيس ماكرون بإعادة انتداب لبنان من قبل فرنسا، أي الاحتلال الفرنسي، ترى أهو ضعف الانتماء الوطني، أم أنه تفضيل الاحتلال الأجنبي المباشر، على الاحتلال الداخلي الأصفر؟.

صحيح أن الزيارة التضامنية الماكرونية السريعة، مع ذوي ضحايا أم القنابل في مرفأ بيروت، قد خطفت الأضواء الإعلامية، سيّما وأن المبادرة الفرنسية ومؤتمر المانحين الذي نظمه ماكرون، إضافة لتواصله الهاتفي مع متزعمي القوى السياسية تذكر بإدارة غازي كنعان وعبد الحليم خدام، عوامل ساهمت في تحريك المياه السياسية الآسنة. لكن الصحيح أيضا أن المبادرة الماكرونية كانت في اليوم التالي، محل منافسة اردوغانية.

إنها المنافسة أو المزاحمة التي يخوضها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان شرقي المتوسط من شواطىء ليبيا الى شواطئ لبنان مرورا بتوترات ساخنة بين اليونان وتركيا التي أرسلت سفنها وبوراجها لاجراء المسح الزلزالي قبالة شواطئ جزيرة كاستيلوريزو اليونانية، ما دفع ماكرون للإعلان عن تعزيز فرنسا وجودها العسكري شرقي المتوسط، داعيا تركيا للتوقف عن التنقيب الأحادي عن النفط والغاز في المياه المتنازع عليها، والذي رفع منسوب التوتر مع اليونان الدولة الأوروبية والناتوية.

وهي المنافسة التي عبّرت عنها زيارة فؤاد أوقطاي نائب الاردوغان الى بيروت غداة زيارة ماكرون، حيث أعرب بعد لقائه ميشال عون عن "استعداد تركيا لإعادة بناء وتأهيل مرفأ بيروت من جديد، إضافة لاستعدادها تخصيص مينائي مرسين واسكندرون من أجل أنشطة لبنان التجارية والاقتصادية إلى حين إعادة إنشاء مرفأ بيروت وعودته إلى وضعه الوظيفي الطبيعي"، وقد أسهب أوقطاي في عرض ما يمكن أن تقدمه تركيا طبيا وغذائيا وإعماريا لمساعدة لبنان، لافتا إلى أن "الأخوة" بين لبنان وتركيا دائمة ومستمرة إلى الأبد مهما قال الآخرون. إنها الاخوة الأبدية التي تحدث عنها خلوصي أكار بين تركيا وليبيا أيضا.

وبالتوازي مع الكلام المنبعث من ديبلوماسية الأشلاء والمآسي الذي أطلقه اوقطاي، برز تصريح لوزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو قال فيه "نحن نقف مع أقاربنا الأتراك والتركمان في لبنان وفي كل العالم.. وسنمنح الجنسية التركية للأخوة الذين يقولون نحن أتراك، نحن تركمان، ويعبرون عن رغبتهم في أن يصبحوا مواطنين في تركيا. هذه تعليمات الرئيس رجب طيب أردوغان". انها "التعليمات" التي تشكل المرحلة الثانية من خطة الاردوغان التدخلية في لبنان بعد ليبيا وقبلهما في شمالي سوريا وأيضا في شمالي العراق.
هنا تتبدى بوضوح تام جمهورية الأشلاء اللبنانية. فبعض يطالب بعودة الانتداب الفرنسي، وبعض ثان يطالب بالجنسية التركية. لكن بعض ثالث تدرب وتسلّح وتمّول من الخارج ويعتبر نفسه جنديا في جيش الولي الفقيه الإيراني، وهو الذي تسبّب بدفع مكونات أخرى للتفكير باستجلاب خارج ما يحميها من سطوة وفائض القوة التي لطالما هددهم بها نصرالله وحزبه.

وبعيدا عن ولاء البعض وتبعيته لإيران، واستدراج بعض آخر عودة الانتداب الفرنسي، ماذا عن مرتكزات الاندفاعة التركية الى الدواخل اللبنانية؟.

بدون شك تمثّل الاندفاعة التركية المزدوجة، التي تجمع بين تقديم المساعدات الإغاثية وبين منح الجنسية للبنانيين التركمان، "الخطة التركية" المعتمدة في اختراق البلاد العربية والمرتكزة على ثلاثة عناصر: أولّها، إعادة إحياء الانتماء القومي التركي لبقايا الحقبة العثمانية. ثانيها، التسلّل عبر جسر الإسلام السياسي. ثالثها، محاولة ملء فراغ الزعامة السنّية في العالم العربي.

إنّها "الخطة" التي وجدت تطبيقها الأولي في مصراتة الليبية، حيث استثمر الاردوغان على أقلية "الكراغلية" الذين وكما تقول الوثائق وكتب التاريخ هم أبناء ليبيات متزوجات بجنود أتراك، أو مغزّيات أثناء الغزو والاحتلال التركي، وهم منذ ذلك الزمن خدم الاحتلال التركي في ليبيا، كما هم اليوم خدم غزوة الاردوغان الذي عرف كيف يمزج بين الكراغلة كمكون من أصل تركي وبين الاخوان، وليتمكن عبر مزيج "الكراخوانية" هذا، من استثارة عصبية جعلت الأقلية الاخوانية مع أقلية من الكراغلية تحكم ليبيا وتتحكم بها.
اللبنانيون التركمان (وعددهم في كل لبنان نحو 50 الف نسمة، ما زال بعضهم يرطن باللغة التركية) هم نظراء كراغلية ليبيا، الذين يعوّل الاردوغان عليهم لإنشاء "جيب" يسمح له بالتدخل والعبث في النسيج الاجتماعي السياسي اللبناني.
يذكر أن الرئيس التركي خصّ التركمان بزيارة عام 2010 رفقة سعد الحريري في بلدة "الكواشرة" التي تعتبر مركز ثقلهم الأساسي بمحافظة عكار شمالي لبنان. وقد أوعزت أنقره إلى التركمان اللبنانيين الذين تلقوا تعليمهم في تركيا لتأسيس الجمعيات المختلفة، فكانت "رابطة الشباب اللبناني - التركي"، و"الجمعية اللبنانية التركية"، و"الجمعية الثقافية التركية في لبنان"، و"جمعية الصداقة اللبنانية التركية في صيدا"، بمثابة أفضل الدعاة لتركيا الاردوغانية داخل الأوساط السنية عامة والوسط التركماني اللبناني خاصة، وقد عملت هذه الجمعيات على نشر وتعليم اللغة التركية والمشاركة في معارض الجامعات اللبنانية بالإضافة إلى الاهتمام بالتراث العثماني والتركي وخصوصا في طرابلس.
واذا كانت "الكراخوانية" أداة المشروع الاردوغاني التغولي في ليبيا. فإن "التركخوانية" المكونة من التركمان والاخوان، هي أداة المشروع الاردوغاني في لبنان، سيّما وأن "التركخوانية" لا ترى من هو أجدر وأقدر من الاردوغان على ملء فراغ الزعامة السنية وتسيّدها في لبنان والعالم العربي.

وفي هذا السياق ينبغي النظر الى الكلام المتكاثر عن "النفوذ والحراك التركي" بعد انتفاضة 17 تشرين في شمالي لبنان خاصة، انه النفوذ المتصاعد عبر أشلاء أم القنابل، والذي يقتات ويجد قابليته بسبب فقدان أو تراجع أي مشروع عربي يشكل حائط الصدّ أمام التغول الأعجمي والأجنبي تركيا كان، أم إيرانيا، أم اوروبيا.

انها العناصر الثالوثية اذن، تلك التي تشكل الخطة التركية الاردوغانية لاختراق العالم العربي، وهو الاختراق الذي يوازي في خطورته الاختراق الإيراني، وقبلهما ومعهما وبعدهما الاحتلال الإسرائيلي.

انهم الثالوث اللاقدوس الذي يغرس أظافره وأنيابه وأذرعته في جسد الامة العربية الممزقة بين المحيط والخليج في إطار تكاملي بين أضلاعه الثلاث بهدف ابتلاع بقية البلاد العربية (خصوصا بعدما أخرج العراق من معادلة القوة والفعل) وإخضاعها بلدا بلدا ومدينة مدينة، بعد تفتيتها اثنيا وقوميا وعرقيا وطائفيا ومذهبيا. إنه التفتيت الذي يغذيه الانهيار الاجتماعي والاقتصادي والمالي الذي يسير ببركة فساد ميليشيا المال والسلطة والسلاح الحاكمة والمتحكمة في لبنان، الى ما بعد ما بعد ما بعد قعر القعر.

لكن، لاحياة لمن تنادي.