الأربعاء
2020/10/28
آخر تحديث
الأربعاء 28 تشرين الأول (أكتوبر) 2020

هل يعتبرون؟

18 آب (أغسطس) 2020 الساعة 08 و34 دقيقة
هل يعتبرون؟
محمد عبد الله لحبيب
طباعة

هل يعتبرون؟

يقول درس التاريخ الذي نعيشه هذه اللحظة إن عجلة التغيير دارت ولن تتوقف. وإن خطوة استراتيجية كبرى خطتها التجربة الموريتانية.

سيفرك كل من في المناصب العليا الآن أيديهم، وسيتحسسون كراسيهم وجيوبهم، وسيفكر كل مسؤول عشر مرات قبل أن يعتدي على حق لمواطن. إن خطوة استجواب الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز ليست مجرد استجواب لرجل يتهم بالفساد، وليس مجرد تحقيق مع رجل متهم بفساد.

إنها لبنة توضع في سبيل محاربة الفساد من دون شعارات، وفي سبيل بناء دولة المؤسسات من دون ضجيج.

من قالوا عند تسليم السلطة إن الأمر مجرد لعبة، وإن ولد عبد العزيز هو الحاكم، فعليهم أن يعتذروا، أو يقولوا لقرائهم إنهم كانوا على خطأ. ومن استمروا على ذلك أشهرا بعد تتالي الشواهد على خطأ تحليلهم عليهم أن يقولوا إنهم كانوا مخطئين.

ومن اتهموا لجنة التحقيق البرلمانية بأنها مجرد مسرحية شوهاء عليهم أن يعتذروا لأعضائها، وأن يعترفوا أنهم كانوا على خطأ. ومن قالوا عند تأجيل نقاش قانون محكمة العدل السامية إن المسرحية فضحت، وإن "يمه ما اتخلي العيل" عليهم أن يراجعوا مسلماتهم التي يبنون عليها تخرصاتهم، ويعتبرونها تحاليل.

ومن قالوا قبل أيام إن الخوف يحجز السلطة الحالية عن استجواب الرئيس السابق، وإنها تتلهى بالضعفاء عليهم، أن يسحبوا منشوراتهم.

ما يحدث الآن هو محطة طبيعية في مسار إعادة قطار الدولة إلى السكة، وهو حتمية قامت كل مقدماتها عند استلام الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني السلطة، وسارت في اتجاهها كل خططه، ابتداء من اختيار رجال الحكم الأساسيين، واستمرارا بنأيه عن نفسه عن التفاصيل اليومية وإعطاء مساحات حقيقية لمؤسسات الدولة ولمسؤوليها، وإعادة الاعتبار للصلاحيات، وللمفاهيم.

إن التعامل مع تركة الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز في الحكم ليس بالأمر السهل، ولكنه سيقود لا شك إلى محاسبته، واستعادة ما فقدته خزائن الدولة، أو بعضه، مما كشفته الصحافة، وتقارير مؤسسات الدولة. ولكن هذه المحاسبة، وتلك الاستعادة يراد لها أن تتم وفق طرق مؤسسية متدرجة وصارمة، ومؤسسة تأسيسا صحيحا. وليس أن تتم بالعنتريات والخطابات الرنانة.

إن الذي يجري الآن أمام أعيننا نموذج بسيط لما قامت عليه الشواهد منذ اللحظة الأولى من تغير في طرق الأداء، وفي التعبير عن السياسات، وفي بناء التراكم لصالح التغيير. ومن وثقوا منذ اللحظة الأولى بقدرة السلطة الحالية على تغيير واقع البلد كانوا يرون أن المسار متجه إلى هذه المحطة، وإلى محطات أخرى غيرها.

ستقولون كما قلتم من قبل هذا إنشاء ورص كلام، وقول مرسل لا دليل عليه. وستتعامون عن الدليل الماثل أمام أعينكم كما تعاميتم عن كل الأدلة السابقة. وستضعون القوالب الجاهزة بين أيديكم وتستخرجون منها ما يؤيد قولكم، ولكنكم ستجدون في كل مرة تعودون فيها إلى مقولاتكم السابقة أنكم بحاجة إلى مراجعة تلك المسلمات.

لكم علينا أن نصبر تعاميكم هذه المرة، كما صبرناه سابقا، وأن ننظر بعين الشفقة إلى أدواتكم التحليلية وهي تتناثر شظايا بين أيديكم، وسنعطيكم الفرصة لالتقاط أنفاس جديد وحفل جديد من الانتشاء بخيبات الأمل.

سنعطيكم فرصة للاستمتاع بكل أغانيكم المفضلة، وسنقاسمكم انتشاءكم بعجز دولتكم. لكن تذكروا أن هذه السلطة الحالية بدأت معركة تحتاج فيها إلى رأي عام واع، وإلى متحدثين ذوي مصداقية، وإلى صناع رأي حقيقيين، وإلى محللين ينظرون في الوقائع، ولا يستلون التحليلات الجاهزة من جيوبهم.

جربوا مرة واحدة أن تروا الواقع كما هو، لا كما تتخيلونه، أو تتمنونه، فإن وجدتم ما يدعم رأيكم فقدموه، وإن وجدتم أن اليوم ليس لكم فاسكتوا. أو انشروا الأشعار والصور التذكارية. هذه الأخيرة حيلة نلجأ إليها أحيانا، ونهديكموها الآن، كما نهدي هذا الذي يتحقق الآن إلى مستحقه، إلى الشعب الموريتاني.

محمد عبد الله لحبيب