الأحد
2021/11/28
آخر تحديث
السبت 27 نوفمبر 2021

الاقتصاد الموريتاني: أزمة جفاف متواصلة وأزمة ميزانية متراكمة

11 أكتوبر 2020 الساعة 10 و32 دقيقة
الاقتصاد الموريتاني: أزمة جفاف متواصلة وأزمة ميزانية (...)
طباعة

إن الأوضاع الاقتصادية التي تشهدها موريتانيا منذ أواخر العشرية الماضية ومطلع العشرية الحالية مع بداية سنة 2020 تعد في مجملها نذير خطر داهم نظرا للجفاف الذي ضرب جميع المرافق الحيوية للبلاد وشل جميع قطاعاتها الاقتصادية الحيوية. إذ من المعروف أن الاقتصاد الموريتاني هو بالأساس ريعي وهش بطبعه نظرا لقلة الامكانيات المادية والنقص في البنية التحتية في قطاع الصناعة والتجارة، بحيث تبقى الفلاحة هي القطاع الهام المنتج والمشغل والشريان الحيوي للاقتصاد المحلي والمورد المالي الأساسي لميزانية الدولة.

كما أن معظم الشعب الموريتاني تمثل له الزراعة وتربية الماشية أساس مورد رزقه المالي. بالتالي تعتبر عاصفة الجفاف التي حلت مؤخرا بين سنة 2019 و 2020 في أنحاء موريتانيا كارثة إنسانية حقيقية إذ عطلت جميع المصالح الاقتصادية ووضعت البلاد والعباد في أزمة اجتماعية خانقة.

تمثل الزراعة الموريتانية الجزء الأهم في المعاملات التجارية والمالية بالأسواق المحلية وتعتبر تربية الماشية المزود الأساسي للتغذية المحلية مثل اللحوم البيضاء من الدواجن والطيور واللحوم الحمراء من الأغنام والأبقار وأيضا المواد الأساسية مثل الحليب والبيض. كما تعتبر أكبر قطاع مشغل لليد العاملة نظرا لتوفر أجزاء كبرى من الأراضي الفلاحية في كامل أرجاء موريتانيا وخاصة انفتاحها على جنوب غرب أفريقيا الذي سهل لها عملية تطوير هذا القطاع وتخصص الاقتصاد الوطني الموريتاني في هذا القطاع الفلاحي مما يجعلها بالنتيجة موردا ماليا هاما جدا.

إلا أن أزمة الجفاف الأخيرة أصبحت كابوسا وطنيا وعائقا حقيقيا أمام التنمية المستدامة بحيث شلت النمو الاقتصادي للبلاد وبالتالي ارتفعت نسبة البطالة وحل عجز في الميزان التجاري نتيجة تقلص المبادلات التجارية الفلاحية. كما أصبح الهم البارز للحكومة الموريتانية إيجاد مخرج لهذه الأزمة الزراعية التي تمثل الحدث البارز لدي مختلف الطبقات الاجتماعية الموريتانية التي تسترزق من عوائد الفلاحة. إذ في هذا الإطار سارعت الحكومة بالاستنجاد بالدول الأوروبية في سياق الشراكة الأورومتوسطية لإيجاد حلول جذرية لهذه الأزمة.

وخصصت بعض الدول الأوروبية مشروع مساعدة مالية لتحفيز الاقتصاد الموريتاني لتجاوز محنته 10 مليون دولار سنة 2019 كدعم مادي لهذا القطاع الحيوي والأساسي. كما يعد هطول الأمطار أساسيا في الفلاحة الموريتانية التي تسهل جميع المرافق الحيوية وتسهل عملية تسيير المنظومة الزراعية مثل البيع والشراء في الأسواق خاصة في قطاع الماشية كالأغنام والدواجن والأبقار. لكن هذا العامل لا يمثل حلا جذريا لهذه الأزمة نظرا للظروف المناخية لذلك تسعى الحكومة لإيجاد بدائل لمصدر مياه الري.

إن الاستثمار في قطاع الفلاحة العصرية يعتبر هو البديل الوحيد ويشكل أهم مخطط لبرامج التنمية الاقتصادية الموريتانية، نظرا لأزمة المياه التي هي مرتبطة بالأساس بهطول الأمطار وبالتالي غير مضمونة نظرا للتغير المناخي ولعوامل طبيعية وافتقار موريتانيا للمياه الجوفية. لذلك يجب وفق التخطيط الاستراتيجي والتنموي تقليص الاعتماد على هذا القطاع وتنويع المجال الاقتصادي مثل تعزيز المبادلات التجارية في بعض المواد الأولية وجلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتركيز على قطاع الصناعة وتطوير مهارات اليد العاملة كمثال المغرب وتونس.

كما أن الأراضي الشاسعة الموريتانية والقريبة من العاصمة نواكشوط تمثل عاملا ايجابيا لتركيز أقطاب صناعية كبرى وتجارية هامة من أجل تنويع موارد الدولة المالية وتحفيز التنمية وتقوية الاقتصاد لينفتح على محيطه الإقليمي والدولي. أما بخصوص الزراعة وتربية الماشية فيجب على الحكومة اتخاذ تدابير عصرية في هذا المجال والاستفادة من الشراكة الأوروبية خاصة مع فرنسا وألمانيا وجلب التقنيات الحديثة للتنقيب عن آبار مائية أو إنشاء أنهار اصطناعية أو تحلية مياه البحر وتحويلها إلى قنوات سقوية عملاقة.

إن الاستثمار في مثل تلك المشاريع الضخمة في القطاع الزراعي الموريتاني يشكل ثورة حقيقية في المجال ويحولها إلى دولة خضراء وأكبر منتج للحوم والزراعة في منطقة شمال أفريقيا. وللتذكير بأكبر المشاريع التنموية في مجال الزراعة العربية نذكر منها السودان الذي يحتل المرتبة الأولى عربيا المستثمرة في قطاع الفلاحة بالتعاون مع بعض الدول الخليجية والصين حيث تم استغلال الأراضي للزراعة العصرية التي تعتمد تقنيات سقوية حديثة وبالتالي تم كسر عائق الفلاحة الرعوية التي تعتمد بالأساس على هطول الأمطار.

إن أزمة الجفاف التي حلت بموريتانيا تعد عامل تطوير لمراجعة مخططاتها التنموية الزراعية ورسم خطوط عريضة بعيدة الأمد للاستفادة من الامكانيات المحلية لتجعلها قطبا ايجابيا للإنتاج والقدرة التنافسية محليا أو عالميا. وبالتالي توفر النجاعة والمردودية للمنتجات الزراعية وتربية الماشية في المنطقة العربية. كما أن بعض الدول الخليجية التي ما زالت تشكو من عجز في الزراعة يمكن جلبها للاستثمار في القطاع الزراعي الموريتاني الواعد والذي يعد بدوره رافدا من روافد التنمية الاقتصادية ويشكل مصدرا هاما للعوائد للميزانية الموريتانية التي ما زالت تعاني من تراكم العجز المالي. إذ تعد قطر والإمارات العربية المتحدة من أبرز المستثمرين في المجال الزراعي خاصة في مصر والسودان، أما الصين فهي أيضا عملاق إنشاء الأنهار المائية الاصطناعية وخاصة مشاريع تحلية مياه البحار وتحويلها إلى أنهار سقوية وممكن الإستفادة من برامجها في المجال الزراعي لمواجهة أزمة الجفاف المتواصلة.

إن الرهان المستقبلي للحكومة الموريتانية يرتكز على إيجاد حلول جذرية للخروج من هذه الأزمة الخانقة بحيث تتطلب دراسة شاملة وكاملة من أجل استغلال المساعدات المالية التي تقدر بما يقارب 10 مليون دولار للتنمية الزراعية وكذلك الاستفادة من برامج البنك الدولي في مجال التنمية الفلاحية وتطوير إنتاج اللحوم والحليب وحتى تحويلها إلى صادرات، إذا حققت فيها فائضا إنتاجيا.

القدس