الخميس
2021/08/5
آخر تحديث
الخميس 5 آب (أغسطس) 2021

حرب ماكرون التعبيرية وتداعيات كورونا الاقتصادية / علي شندب

1 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 الساعة 10 و45 دقيقة
حرب ماكرون التعبيرية وتداعيات كورونا الاقتصادية / علي (...)
علي شندب
طباعة

ربما لم يتقصد الرئيس الفرنسي مانويل ماكرون، أن تمتد محاور مواجهاته مع الرئيس التركي رجب طيب اردوغان المندلعة على محاور النفوذ والطاقة والثروات في ليبيا وشمال افريقيا وشرقي المتوسط، الى جبهات جديدة يتدخل ويتداخل فيها عدة دول عربية وإسلامية.
فقانون ماكرون "الانعزال الشعوري" المطروح منذ بداية العام الجاري والهادف لمنع قيام مجتمع مواز في فرنسا، ليس سبب تنامي الغضب من قانون الرئيس الفرنسي في العالم العربي والإسلامي. لكنها تصريحات ماكرون المركزة والتي لم تكن زلة لسان تلك التي أجّجت غضب العالم الإسلامي، الذي لم يستطع بلع الإهانة التي استشعرها جرّاء دفاع ماكرون عن الرسوم المسيئة للنبي محمد وتعهده بحمايتها من مبدأ الحفاظ على حرية التعبير اللامحدودة في فرنسا، بالرغم من أنه سبق لمجلس حقوق الإنسان التابع للاتحاد الأوروبي وأصدر قرارا اعتبر فيه أن الإساءة للنبي محمد لا تدخل ضمن حرية التعبير، بل هي إساءة للأديان والمعتقدات.
اذن غضبة المسلمين، ليست بسبب رفض مزاعم ماكرون عن محاولات الإسلام السياسي او الراديكالي انشاء مجتمع مواز في فرنسا، بل بسبب الإساءة المرعيّة والمحميّة للرسول من طرف الحكومة الفرنسية. فأخونة المجتمع التي يتوسلها الاخوان بوصفهم رحم حركات الاسلام السياسي، الذي يعملون عليه كلما اقتدروا وأينما اقتدروا، لكنهم في الغالب لا يحظون باحتضان المجتمعات لهم بشهادة الوقائع في عدة بلدان عربية.
وبدا واضحا أن المشكلة لا تكمن في حرية التعبير. فالوقائع بيّنت أن حرية التعبير اللامحدودة في فرنسا، هي حرية استنسابية تسمح وتمنع. تسمح بالإساءة للمقدسات الدينية بشكل عام. وتمنع مثل هذه الإساءة عن رموز الدولة الفرنسية.
فصحيفة شارلي إيبدو إياها، سبق ونشرت مقالا ساخرا عن شارل ديغول بعد وفاته، فأغلقت الحكومة الفرنسية الصحيفة في اليوم ذاته. والصحيفة نفسها سبق وأقالت أحد رساميها الذي رسم ابن الرئيس السابق ساركوزي. كما سبق لصحيفة شارلي ايبدو أن أقالت رساما سخر من عقيلة الرئيس ماكرون شخصيا. وإن هذه الوقائع وغيرها تدل على استنسابية مفرطة في معزوفة حرية التعبير التي يحلو لماكرون إنشادها في سياق دفاعه عن استفزاز مشاعر المسلمين.
ويبدو أن الأمور اختلطت على الرئيس الفرنسي، والتبست عليه المفاهيم عمدا أو عفوا. فسيد الاليزيه الوافد الى عالم السياسة من عوالم المصارف وبيوت المال والاقتصاد. لم يستطع التوفيق بين الوفاء لحواضنه الأساسية، وبين ممارساته السياسية والدستورية كرئيس لكل الفرنسيين، ما تسبب بإحداثه بلبلة خطيرة وكبيرة جرّاء الخلط الذي مارسه بين الإسلام، وحركات الإسلام السياسي والجهادي، بخلاف التمييز الواضح الذي بيّنه مثلا رئيس وزراء كندا جاستن ترودو، الذي بدا موقفه متسقا مع المقاربة السعودية خاصة.
فقد عبّر ترودو في سياق إدانته جريمة نيس الفرنسية وغيرها، عن رفضه لمقولة "الإرهاب الإسلامي"، مؤكدا "أن هذه أعمال إجرامية شنيعة وظالمة بكل الأحوال، وإهانة لقيمنا كافة، فمن ينفّذ هذه الهجمات مجرمون وإرهابيون وقتلة بدم بارد، لا يمثلون الإسلام".
المواقف المنتقدة للخطاب الماكروني والمعزّزة بانطلاق حملة مقاطعة للمنتجات الفرنسية في عدة دول عربية وإسلامية بغض النظر عن حجم إضرارها بالاقتصاد الفرنسي، عوامل دفعت ماكرون لاستخدام سلّم الإسلام السياسي الذي صعّد عبره، للنزول عن الشجرة. فاختار التخادم مع الاخوان لمخاطبة المسلمين عبر الجزيرة القطرية لينحو باتجاه التهدئة دون أن يتلو فعل التراجع والاعتذار، وليحمّل الاعلام تحريف كلامه، واخراجه عن سياقه وتحويله الى أكاذيب.
كلام ماكرون عكس أزمة عميقة في الخطاب الفرنسي الذي يحتاج لمراجعة عميقة وجادة تجدّد شباب "قيم الجمهورية"، وتنزع عنها صفة "العجوز" التي أطلقها دونالد رامسفيلد على أوروبا غامزا من قناة فرنسا الشيراكية.
فخطاب ماكرون لم يتسم بالحكمة والحصافة، بل جعل فرنسا تذكر بجنوب افريقيا زمن التمييز العنصري. كما يتبيّن أن الالتباس الذي يعانيه ماكرون متأثر بازدواجية الخطاب التي يعتمدها للداخل والخارج على فيسبوك وتويتر.
وبحسب خبير في تحليل معلومات وسائل التواصل الاجتماعي، يتابع حساب ماكرون على فيسبوك نحو 3 ملايين شخص غالبيتهم من غير الفرنسيين، في حين أن عدد متابعي حسابه على تويتر يضم نحو 6 ملايين غالبيتهم من الفرنسيين، وإن المتفحّص لحسابي الرجل، يلحظ بوضوح تباين الخطاب بين الحسابين.
واذا ما جمعنا ازدواجية الخطاب الماكروني، مع الأكاذيب والالتباسات التي تكتنفه، يتبين أن مشكلات ماكرون المفتعلة إسلامويا، تهدف الى تمويه أزمة حقيقية تعانيها فرنسا. فما هي هذه الازمة؟
انها الأزمة الاقتصادية العميقة التي سبق وجحّظتها مظاهرات أصحاب السترات الصفراء. فالاقتصاد الفرنسي مصاب بهشاشة كبيرة لأن معظم أصحاب الشركات المتوسطة والصغيرة لا يملكون الملاءة المالية الكافية، ولأن سقف الضريبة في فرنسا يصل الى 74% من دخل الشركة او الفرد.
أما غزوة كورونا فقد فاقمت من هشاشة الاقتصاد الفرنسي، وبقيت مساعدات الحكومة الفرنسية أشبه بالدعاية الإعلامية، سيما وأنها استقطعت 50% ضريبة على مساعدة الألف وخمسمئة يورو التي قررتها، ما يعني استحالة سداد مصاريف الشركات. كما إن وعود حكومة ماكرون بسداد ايجار محلات المؤسسات الصغرى كان سرابا كاذبا.
ثم إن تفاقم جائحة كورونا دفعت الحكومة الفرنسية الى إقرار الاغلاق العام في كل فرنسا، وهو الاغلاق الذي تركز على المحلات الصغيرة، أما المحلات والأسواق الكبيرة فقد تحولت نقمة كورونا عليها الى نعمة حيث أنها سجلت أكبر نسبة مبيعات في تاريخها، لأن المحلات الصغيرة مقفلة، والناس يشترون ليخزنوا في بيوتهم خوفا من استطالة أمد الاغلاق الذي سيسهم في زيادة ثراء أصحاب المحلات الكبيرة، وزيادة فقر المحلات الصغيرة.
وكان الحل السحري المرحلي، بافتعال ماكرون المشكلة مع الإسلام والمسلمين، بشكل لا يميز بينهم وبين المتطرفين العنيفين، بهدف إشغال الرأي العام الفرنسي بقضية أخرى ومختلفة عن قضيته الحقيقية، وهي الاختناق الاقتصادي والمالي.
فالحروب كما تقول الوقائع التاريخية القديمة والحديثة، غالبا ما تكون لأسباب اقتصادية يتم تغليفها بأسباب دينية او سياسية، والصراع التركي الفرنسي الأوروبي المستجد لم يشذ عن هذه الوقائع، فلم يعد سرا القول بأنه صراع لأسباب اقتصادية متعلقة بالثروات الطاقوية والمنجمية من ليبيا الى شرقي المتوسط.
ويأتي الاستخدام والاستغلال السيء للدين من قبل الحركات الدينية المتطرفة وبعض الدول المتصارعة على السواء، بهدف إعطاء الحروب الاقتصادية أبعادها الدينية المقدسة للإسهام في شدّ العصب وبث العصبيات لحشد الوقود البشرية اللازمة انقاذا لاقتصادات متهالكة ودفاعا عن قيم متقادمة.