الثلاثاء
2020/12/1
آخر تحديث
الثلاثاء 1 كانون الأول (ديسمبر) 2020

الذهب في موريتانيا كنز يسمّم سكان مدينة الزويرات

12 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 الساعة 10 و56 دقيقة
الذهب في موريتانيا كنز يسمّم سكان مدينة الزويرات
طباعة

تجدد، خلال الأسابيع القليلة الماضية، في موريتانيا الجدل حول الأضرار التي يلحقها التنقيب التقليدي أو السطحي عن الذهب بالوسط البيئي، جراء استعمال المصانع والمنقبين مواد كيميائية في استخراج المعدن النفيس.

وعلى الرغم مما يدره هذا النشاط الأهلي من عائدات معتبرة تنعش خزينة الدولة، ومساهمته في امتصاص البطالة، حيث يوفر آلاف مناصب الشغل، فضلا عن الرواج التجاري الذي يخلقه في شمال البلاد، وخصوصا في محافظة تيرس زمور ومدينتها المنجمية الزويرات، فقد أثار استخدام المشتغلين به مواد كيميائية سامة -مثل “السيانيد” والزئبق- لمعالجة الحجارة المشبعة بالذهب، استياء سكان المنطقة الذين عبروا عن رفضهم القاطع لاستخدام هذه المواد، بسبب ما ينتج عنها من أضرار بيئية ومن عواقب وخيمة على صحة المواطنين.

ومنذ أن سمحت السلطات الموريتانيةُ بالتنقيب التقليدي عن الذهب، سنة 2016، وفتحت مناطق محدودة أمامه، شهد هذا النشاط إقبالا منقطع النظير من طرف فئات عريضة من الموريتانيين، وبدرجة أقل الأجانب، ولو في غياب أي إطار قانوني أو مؤسسي واضح ينظمه.

وما إن فتحت السلطات سنة 2018 مجال منح رخص جديدة للتنقيب عن الذهب السطحي، وخاصة في منطقة “اگليب اندور” في محافظة تيرس، حتى تدفق أزيد من سبعة آلاف شخص لطلب الحصول على هذه الرخص، وسمحت السلطات أيضا للعربات بالدخول إلى المنطقة.

كما أعلنت السلطات الموريتانية، مؤخرا، عن فتح 11 منطقة جديدة أمام المنقبين عن الذهب السطحي، تمتد على مساحة 104 آلاف كلم مربع، كانت مصنفة كمناطق عسكرية مغلقة، وذلك استجابة لمطلب قديم تقدّم به المنقبون، وفي ظل الإقبال المعتبر على هذا النشاط.

وفي الآونة الأخيرة أدّى السماح بإنشاء مصانع متنقلة تستخدم مادة “السيانيد” الكيميائية في معالجة نفايات المطاحن التقليدية للذهب، ولجوء المنقبين بطرق تقليدية إلى استعمال مادة الزئبق للغرض ذاته، إلى تجدد الجدل حول هذا الموضوع، وإلى خروج السكان في مظاهرات احتجاجية، تعبيرا عن رفضهم القاطع لتشييد هذه المصانع، وممارسة نشاط التنقيب على مقربة من مناطق إقامتهم، بالنظر إلى ما يلحقه ذلك من أضرار بالبيئة (المياه، المواشي، المراعي، تلوث الهواء..)، فضلا عما قد تتسبب فيه من أمراض خطيرة ومزمنة.

ووفقا لسكان محافظة تيرس زمور، فإن استعمال مادة “السيانيد” الملوثة للبيئة والمسببة لأمراض مستعصية، والقاتلة للحيوانات والحارقة للبشرة، لا يمثل الكارثة الوحيدة التي تهدد بيئتهم وصحتهم، بل هناك أيضا الزئبق الذي “ينتشر بفوضوية” بين المنقبين التقليديين عن الذهب، فضلا عن الخطر الذي يمثله مرض “السيليكوز”، الذي سبق أن أودى بحياة الكثير من أبناء المحافظة.

واستنادا إلى نشطاء حراك “بيئتي في خطر” بالمحافظة، فإن الترخيص لهذه المصانع جاء “مخالفا للقانون، وقبل إعداد دراسة للأثر البيئي يشارك فيها السكان”.

وقد دخل على خط هذا الجدل رئيس البرلمان، الشيخ ولد بايه، خاصة بعد أن وصلت المفاوضات بين السلطات والسكان إلى الباب المسدود، حينما صرح بأن “محافظة تيرس زمور في غنى تام عن تلويث ما تبقى من أراضيها بمواد التعدين السامة”، وأن مراعيها تستحق العناية والحفاظ عليها مراعاة للمصلحة العامة، معربا عن اعتقاده بأن “المنطق يقتضي حصر التلوث في مكان واحد، ولو تطلب الأمر نقل الحجارة نحو المنطقة الملوثة أصلا، تفاديا لانتشار البلاء، وحصرا لتمدده”.

من جهته، طالب المجلس الجهوي في تيرس زمور بوقف كل أنشطة معالجة التربة المشبعة بالذهب، حتى تقدم دراسة للأثر البيئي معدة من قبل مكاتب دراسات خاصة ومعتمدة من وزارة البيئة.

وليست هذه هي المرة الأولى التي يحتدّ فيها الجدل حول استعمال مواد كيميائية في مجال التنقيب عن الذهب، أهليا كان أو شبه صناعي أو حتى صناعيّا، فقد سبق أن شهدت سنة 2017 أزمة حادة بين سكان بعض مناطق محافظة نواذيبو، وشركة “تازيازت” العاملة في مجال استغلال الذهب.

ومرد ذلك هو “ارتفاع مستوى التلوث البيئي” ونسبة “السيانيد” التي “نخرت جوف المنطقة بأكملها مشكلة أنهارا تغطي نسبة 18 في المئة من مساحتها الإجمالية، الأمر الذي تسبب في قتل البشر والشجر”، و”جعل من استغلال الأراضي، التي تزخر بالذهب، لأغراض تنموية ضربا من المستحيل”، على حد تعبير السكان المحليين.

ولإخراج هذا النشاط من حالة الفوضى التي يعيشها، أنشأت الحكومة منذ أشهر قليلة شركة “معادن موريتانيا”، وأوكلت لها مهمة ضبط القطاع وإيجاد إطار قانوني ومؤسسي يضمن الرفع من مردوديته والحد من انعكاساته السلبية على البيئة وصحة الإنسان.

وعلى أمل وضع حد لهذا الجدل، أكد الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، مؤخرا، في مدينة الزويرات بمحافظة تيرس زمور، أنه “لن يكون هنالك أي تسامح أو تساهل مع أي شيء يمكنه أن يضر بصحة المواطن أو الماء أو مراعي الحيوان”، وطمأن المواطنين بأنه “لن تتم التضحية بصحتهم أو سلامتهم من أجل أي نشاط مهما كان”.

وفي خضم هذا الجدل جاء إعلان الحكومة الموريتانية، أواخر أكتوبر الماضي، عن إحداث شرطة بيئية ليشكل بارقة أمل “لمواجهة تفاقم الانتهاكات المضرة بالبيئة”، حيث ينتظر من هذا المرفق العمومي أن يمثل “أداة فعالة لتنفيذ سياسة الحكومة في مجال المحافظة على الموارد الطبيعية والبيئة والتنوع البيولوجي”.