السبت
2022/01/29
آخر تحديث
الخميس 27 يناير 2022

في ذمة الله يا أستاذ الفكر والفلسفة والتأمل

14 يناير 2021 الساعة 21 و20 دقيقة
في ذمة الله يا أستاذ الفكر والفلسفة والتأمل
محمد محمود إسلم عبد الله
طباعة

في زمن الشخصيات الكرتونية ، والشاشات اللماعة ، والرياء الكاذب وحب الظهور والتملق ، والمراهقة السياسيه.

في زمن الزيف والضعف والوهن والخور العربي ، وقفت وحيدا وعشت طريدا غريبا حتى عن جسدك، وعن محيطك ، رغم تفانيك لتعطي معنى لكل شيء مهما كان في نظرنا بسيطا أو تافها أو لا يستحق.

تتأمل كتاب الدنيا المفتوح ، وتتلمس آثار من مضوا من أنبياء وحكماء وفلاسفة وقادة عظام؛ السومريون والبابليون والآشوريون والفرس والصينيون والفراعنة والإغريق والهنود الحمر وممالك إفريقيا القديمة ، وأمما بين ، ودون ذلك أيها الحكيم.

تتغنى بأمجاد العرب تتباهى بماضيهم العظيم ، وتتحسر على واقعهم المرير بألم جميل ، وحكمة وعقل ونضج ، تعرف الداء وتصف الدواء لكن من يصغي؟ ، ومن يهتم؟

إنها لعنة لامبالاتنا

وها أنت ترحل بعيدا بجسدك ويبقى فكرك وذكراك ، وتحليلاتك ، واستشرافاتك للمستقبل وسيسهر الخلق جراها ويختصم .

أغلب لحظات العمر عشتها متأملا ، أحيانا يخيل إلي أني يمكن أن أسحب منك اعترافات ما أو أسرارا ، فأسألك في لحظات الإستغراق التأملي ، تنتبه بابتسامة تتعالى على انتهازيتي وتدرك كنهها ، تجيب بلطف عفوي ثم تعود لتأملاتك.

لم أكن صديقك المقرب ، وفارق العمر -الذي لاتقيم أنت له وزنا- بيننا كبير ، ولم أكن تلميذك الأكثر ذكاء ومجالسة ولكني قرأت منك أكثر مما قرأ الآخرون.

وكم تمنيت لو تأسس مركز دراسات تحت إشرافك ، فكرة راودتني وصارحت بها كثيرين لكن من أنا حتى أجد من يصغي لأمنياتي المجنونه؟

محمد يحظيه الغارق في إنسانيته بعيدا وعروبته حد التماهي تائه في حب هذه الأرض وماضيها ، وكان الأحرص على حاضرها ومستقبلها ، وتحمل في سبيل ذلك الكثير.

كتاباته لاتخلو من قلق مشروع وأمل وحسرة وتفاؤل حذر وتشاؤم أحيانا على مستقبل موريتانيا ، وغارق في حب ثقافتها وتنوعها وتاريخها حد النخاع.

يحكي عن المرابطين والشيخ المجاهد ماء العينين والشيخ سيديا ، وإمارة الأماجد أولاد إمبارك وسحر تيدنيت أهل إباشه ، و (إديمين) إنه يغرف من معين وافر ، ومعرفة بكل الحيثيات والتفاصيل ، ليشكل من كل ذلك سحرا لايمله المتلقون.

تُرى من أين يأتي بكل ذلك؟

وكيف امتلك كل هذه المميزات ، ومن أين أتى؟

لم أسمع منه ولا عنه كلمة سوء بحق أحد ، يبتسم للثناء على الآخرين ، ويطرق برأسه خجلا ربما ممن يقعون في أعراض الغير ، لايغضب ، وإن غضب بوقار فمكابحه أقوى من أن تدعك تلاحظ ذلك .

يجلس بهدوء ويقف برزانة كالتمثال دون أدنى حركة ترى هل تلقى تكوينا عسكريا ، أو تربية كالتي يتلقاها أبناء ملوك الدول في أمم اليوم التي ذهبت بعيدا على طريق التقدم، أم أن لديه إلماما بفنون الكونغفو؟.

أم مجرد فن التأمل الذي يجيده أكثر من المتصوفة؟

أكاد أجزم بأنه آت من رحم تربية أكثر صرامة من تكوين أتباع بوذا على التنوير، آت من التأمل الفكري والفلسفي العميق ، من الصمت ، من النبل ، من احترام الآخر ، والبحث دوما عن المشترك.

رحمك الله ياأستاذنا الكبير

رحلت ورحلت معك دماثة الأخلاق واللطف ، والوقار ، وفنون الإختلاف الراقي التي تجيدها بكل رزانة وأدب.

في ذمة الله يأيها الحكيم

في ذمة الله يأيها الفيلسوف

في ذمة الله يأيها الإنسان.

بقلم محمد محمود إسلم عبد الله