الأحد
2021/06/20
آخر تحديث
السبت 19 حزيران (يونيو) 2021

تزايد نسبة الجريمة بسبب الفشل الأمني أو الحكومي (الحلقة الثانية) / محمد محمود ولد بكار

9 حزيران (يونيو) 2021 الساعة 23 و26 دقيقة
تزايد نسبة الجريمة بسبب الفشل الأمني أو الحكومي (الحلقة (...)
محمد محمود ولد بكار
طباعة

4- دور القضاء وأعوانه ،والسجون ،والمخدرات في تزايد الجريمة:
يمثل ضعف فاعلية القضاء وعدم محاكمة المجرمين وطول الإجراءات، وضعف العقوبة حيث صرح قاض لزميله تعليلا لضعف أحكام القضاء بالقول في حق المجرمين بالقول " بأنه يذهب إلى الأسواق ولا يمكنه الحكم بقساوة على المجرمين لكي لايقتلوه"هذا في ضوء تزايد مؤشر الرشوة والمحسوبية في القطاع وتدني المستويات والخوف من التحويلات عن المراكز المهمة أو الحرمان منها مستقبلا،حيث يتم قبول الوساطة وتنفيذ "التعليمات " إضافة لسيطرة لوبيات المخدرات، وتوفرهم على الحماية.

5-المخدرات هي المادة التي تعتبر المسؤول المباشر عن الجريمة وقد ازداد تعاطيها على مستويات مختلفة لدرجة أنه لم يعد سرا ،دون أن ننسى أنها ليست بالمجان ،وهكذا ارتُكبت أغلب وأخطر الجرائم على أيدي أناس يقعون تحت تأثير المخدرات مباشرة ،لكنهم عند صحوتهم يعلمون علم اليقين بانه لن يتم إعدامهم على القتل ولاتشديد العقوبة عليهم (الأعمال الشاقة ) بل ستتوفر لهم حياة أفضل في السجون التي تشكل هي الأخرى مسرحا لتعاطي هذه المادة وللعيش بشكل أفضل في بعض الحالات من واقعهم خارج السجون ،فحسب أحد القضاة أيضا أنه سأل أحد المجرمين أثناء الإستجواب هل تريد أن تذهب إلى السجن قال له بالحسانية"ما إتخصر شِ ،مدة إشهر،بعدْ،الدّشْرَ ما حارك فيه شِ" أي أنه يريد أن يأخذ راحة لمدة شهر في السجن..إنه بالنسبة له لايمثل عقابا بل منتجعا.

6-سبل معالجة ظاهرة الإجرام التصاعدية في المجتمع

لقد مر بنا اتساع جذور هذه الظاهرة وضعف بنية معالجتها حيث وصلت لمرحلتها الحالية عبر مسلسل طويل من الإخفاقات لايمكن علاجها ولا القضاء عليه دفعة واحدة ، ولا محاربتها جوهريا خلال مدة قصيرة ولا عبر النشاط الأمني وحده فقد علمنا ضمن ما مر بنا أيضا أن المقاربة الأمنية لا تكفي وحدها للتصدي للجريمة بل لابد من سياسية عامة وقوية لمحاربة الفقر والبطالة وإصلاح القضاء وأعوانه وتجديد الأسلاك الأمنية بصفة دائمة ،وإحداث نقلة كبيرة في إعداد مناهج تربوية ذات مغزى وفحوى أخلاقي وقيمي مفعم بالوطنية،وتكريس المرحلة الإبتدائية لذلك، وسن تشريعات تعالج الإختلالات في النظام العام ، ووضع البرامج والسياسات الحكومية تستهدف التقليل من عدد الناس الذين يقفون على الهامش،سياسات تأخذ على عاتقها تغيير ظروف وشروط نمو الجريمة .
فالبنسبة للقانون يجب تفعيل أحكام القضاء حتى يكون رادعا أي العودة لأحكام الشريعة الإسلامية خاصة فيما يتعلق بالحرابة والقصاص وأحكام الإعدام لمواجهة جرائم القتل التي بلغت مستوى مهولا... كما يجب أن يكون التفكير متوازنا في مستقبل الجميع ، الكل يجب أن يظل متساويا في الحظوظ والفرص في نظر الدولة ، فبعد رفع سقف سن التقاعد يجب رفع سن الولوج للوظيفة العمومية وتغيير قانون السن المرتبط بالتعليم على جميع المستويات خاصة بالنسبة لرفع حاجز المشاركة في البكالوريا،ودخول الجامعة ودخول الأسلاك الأمنية .
فالوضعية الاجتماعية تتطلب مزيدا من البحث عن سبل التوازن خاصة إزاء نسب بطالة الشباب المرتفعة ،فلايكاد يخلو بلدنا من غرائب تبكي الحجر
، صدق أو لا تصدق ،فضمن غرابته الدائمة يظل بلدنا الدولة الوحيدة في العالم التي توفر وظائف للمتقاعدين في حين تواجه بطالة قياسية في صفوف الشباب، صحيح أن ذلك كان في عهد محمدولد عبد العزيز عبر شراكة مع صديقه الشيخ ولد بايّ رئيس البرلمان الحالي ،لا يعرف أحد هل تم فكها أم لا؟ فقد أنشآ شركة للحراسة استحوذت على جميع عقود الحراسة ووظفت جميع متقاعدي جميع الأسلاك،وتركت باب البطالة والجريمة مفتوحا للشباب دون أن تتمكن من حماية الأماكن التي تحرسها،إنها لكي لانذهب بعيدا عبارة عن عطية منحها لنفسه وذهب وتركها لشريكه ومازلت الدولة تتنازل لها عن مهامها خاصة حراسة الأماكن العمومية وتدفع لها مقابل ذلك رواتب تترك وراءها ربعا كبيرا للمالك، مع رضى الأجير يا للعجب ،أي أن الدولة تدفع ثمن خدمة رديئة مضاعفة،رواتب لأسلاكها التي يعد هذا من مهامها، ورواتب أكبر لتوظيف العجائز.
كما لا يمكن إقفال الظروف السيئة والوسائل الضعيفة الكامنة وراء تأدية أجهزة الأمن لمهامها ،والتي لا تمكّن بأي وجه من أي فاعلية الا في ظروف نفسية عالية وحوافز كبيرة إنهم بالطبع يعملون في ظروف أحسن من الماضي لكنها أقل جاهزية بأشواط شاسعة من مستوى الجريمةبكثير ، وأسوأ مقارنة بحجم المهمة بقدر أكبر ،وعلى نفس المنوال من فكر التحسينات يجب بذل جهود مضاعفة للردع خاصة أمام مشاركة عناصر الأمن في الجريمة أو التساهل مع مرتكبيها أو مع تعاطي المخدرات،يتطلب الأمر وضع تصور آخر يأخذ في الحسبان ظروفهم الإجتماعية والعائلية،إن من معاني الدولة أن تظل تفكر بشكل لا ينقطع في تحسين ظروف وأوضاع المواطنين وتحسين الخدمة العمومية(هيّ ماهِ ألاّ ومن يصنع المعروف َ باطْ أُتَوْفَ)فهي ليست كلمة دولة وينتهي الأمر ،بل هو مسؤوليات تاريخية .

7- المقاربة الاجتماعية:
بمحاولة العودة لسياسة تثبيت السكان في الداخل وتشجيع العودة إليها من خلال منح مزيد من التسهيلات والمزايا للمدن والقرى الداخلية من المفيد العودة للحضانات المدرسية التي تحمل أعباء كبيرة عن الأسر التي نستها الدولة من "البرامج التنموية "،وتوفير اللوازم المدرسية ولو مرة واحدة للسنة، وتحمّل تكلفة النقل بداية السنة، العودة لعهد الدولة الرحيمة .
صحيح أن الدولة لا يمكن أن توفر كل شيء،لكن بإمكانها أن توفر الشروط والظروف وتدعم بالتخطيط وتمنح بعض الوسائل وتدعم همم الناس للعمل وفي الصدد ،وهكذا تعتبر العودة لدعم مشاريع زراعية ورعوية خاصة فكرة التعاونيات النسوية في مجال الزراعة والتجارة،ودعم مشاريع اكتفاء ذاتي محلي بالنسبة لبعض المواد التي تتوفر تربتها، كما يعدإنشاء بطاقات تموين أسرية تمنح بعض التخفيضات على مواد بعينها، وتوزيع الأراضي للسكن وللأنشطة الاقتصادية وتوجيه بعض التمويلات والمشاريع والبرامج الاقتصادية والاجتماعية للداخل كلها وسيلة حقيقة لدمج أطراف المجتمع في العملية التنموية ،ودعم استراتيجية الحد من الفقر ومحاربة جوهرية للجريمة .

8-غزواني ومواجهة الظاهرة
ثمة مناقشة مستفيضة حول الدور الذي يقوم به الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني هل هو منسق ويصب في اتجاه واحد أو هل هو مجموعة مترامية من الأعمال الغير مترابطةوالتي لاتدفع بقوة في اتجاه واحد ؟ومع ذلك يبقى الجواب الرائد أن كل الخطوات والسياسات المعلنة تذهب في اتجاه دعم الأوضاع الإجتماعية، فعلى سبيل التأكيد تم آنشاء أكبر جهاز إجتماعي رحيم عرفه البلد وهو مندوبية تآزر حيث يتضح من إسمها أنها لاتحمل أي صبغة تعقيد بل تضج بالرحمة : ميزانية كبيرة معروضة لمساعدة الفقراء والمهمشين،على مدى خمس سنوات معدل 40 مليار للسنة ويكفي فقط وضوح الرؤية لكي يتم كسر أكثر الحواجز أمام الفئات الهشة للإتحاق بركب الحياة النشطة ،وكان بإمكان تآزر أن تنشئ بالتنسيق والتعاون مع شركة معادن موريتانيا ووزارة الصيد والزراعة والتنمية الحيوانية ،مؤسسات للإنتاج وشركات للشباب العاطل بما في ذلك حملة الشهادات المشردين والعمال اليدويين كل حسب مستواه وطموحه لتخلق عشرات آلاف فرص العمل.
وفي خطوة موالية أمر الرئيس بفتح المجال للتنقيب عن الذهب في منطقة الشكات موفرا بذلك 40 ألف فرصة عمل مباشرة قابلة للزيادة وإنشاء شركة لتسيير وتنظيم عمل ذلك القطاع ،وكانت هذه العملية وراء انتاج 40كلغ ذهب يوميا وحركة سيولة بمئات الملايين يوميا في منطقة فقيرة إلا من رواتب عمال إسنيم ،وامتدت آثار ذلك على البلد بكامله ،كما تبنت نفس الاستراتيجية فتح مجال الاكتتاب في عدة قطاعات دفعة واحدة وجعلت التشغيل من أولوياتها، وتبنت بنفس القدر من البحث عن فاعلية أحسن لمجهود الدولة ،دعم القطاعات الأساسية ب مبلغ 263مليار أوقية لزيادة فرص التشغيل والمردودية في حين تلقى ولد الغزواني جبلا من العقبات : خزينة ضامرة يوجد بها فقط 5 مليارات أوقية قديمة في الشهر الثامن من السنة ،وجائحة بخمسة رؤوس أوقفت النشاط العالمي ،ودون الإغراق في التفاصيل وفي الطابع الراهن للصورة تأخذ هذه الإجراءات دلالة خاصة في عهد كورونا وهذا يشكل فعلا شهادة إضافية بأن هناك عملية تجري ستفرض صورة مختلفة عن التوجه الحقيقي لغزواني ضمن نفس الاستراتيجية التي بدأت مع حركة الإنشاءات التي انطلقت مع بداية وضع الحجر الأساسي لتشييد الجسور الطرقية ،و الزيادة الكبيرة في سعر خامات الحديد حيث وصل سعر طن الحديد ل 200دولارا ، وارتفاع سعر الذهب الذي يرافق مسلسل المفاوضات الذي أصبح يعي مصالح البلد،أي أننا نتظر تدفق الموارد مع إزالة طابع الفشل حيث لم يكن الكثير من الناتج ومن الهبات يدخل في إطار التخطيط المركزي بل كان يمر عبر شبكات الفساد والسوق السوداء وكانت اسنيم محفظة خلفية للرئيس في عهد ولد عبد العزيز يوجهها لشراء القمح تارة وللدخول في مشاريع بعيدة من اختصاصها ومتوقفة أشهر بعد انطلاقتها،وهكذا لم تستفد الخزينة ولا إسنيم من هذه الوفرة وخرجت منها أضعف من جهة المديونية وتأمين المستقبل ،وهكذا يمكن القول إن زمن الاسناد إلى الإكراه والمواطأة من أجل الفساد الذي يغيب فيه كل سبيل استخدام الأموال في المصلحة العامة قد ولى ،وبنفس القدر انتهي من أجل المساندة،كما أن الناس صارت تشعر بالأمان وهي تمارس مهامها ، ولم يبق إلا أن تكون هنالك انجازات بمعنى النجاح أو يكون الفراق هذا الأسلوب هو القادر على تحريك القدرات،صحيح أن وضع التعيينات يجعل غزواني كمن يقف إلى جانب جبل في البحر حيث لايرى سوى الجزء الظاهر بينما لا يعرف حجم ولا طبيعة الجزء الواقع في وسط الماء وهكذا ينتظر الرأي العام أن يبحث ولد الغزواني فيما وراء الجزء الظاهر من النخبة الحالية التي تملأ العيون وتصم الآذان من أجل خلق دينامكية حقيقية لتوجهه المعلن،كما يفتقد المواطن بصفة ملموسة القوة التي تظهر بها الدولة أمام مسألة جوهرية بالنسبة للمواطنين مثل قضية الأسعار ،فلا يوجد هذا المنوال العبثي من الحرية المطلقة في زيادة الأسعار خارج بلدنا ليس في المغرب ولا في الجزائر ولا في أي دولة في العالم ،أن يحدد كل تاجر الثمن الذي يريد لبضاعته بحرية .
9-التصدي لخطاب الكراهية والحرية المفرطة
في كل بلدان العالم هناك أمور لا تدخل في حرية التعبير ،ففى الكثير من البلدان الغربية فرنسا بصفة خاصة لا يحق لأي مواطن أن يعلن موقفا خارج توجه الدولة بالنسبة لقضية محرقة اليهود أو قضية الأرمن أو معاداة السامية إن المتحدث بعكس ذلك يذهب مباشرة إلي السجن وهكذا تكون هناك حدود للحرية حسب تقدير السلطة ،وفي بلدنا يمتلئ العالم الافتراضي بجميع أشكال الدعوة للعنف وخطاب الكراهية في إطار حرية غير عقلانية للرأي ومضرة بالبلد ويمثل السكوت عليها تبني خيار معروف في إفريقيا وهو خيار الحرب الأهلية،لقد نشبت بسبب هذه النمط من الأفكار حيث كانت تجري له التعبئة في الإذاعات تحت شعار حرية التعبير ،فلابد ودون أي تردد سن قوانين وتشريعات واضحة تردع هذا النمط من الدعاية .
10-مقاربة التعليم
جاء في توجه غزواني إنشاء المدرسة الجمهورية وهي التجربة العالمية الناجحة بشأن التعايش وبث الروح الوطنية وخلق بوتقة لمشاعر الحب والتفاهم بين التلاميذ في سن مبكرة،والقضاء على ذهنية التفاوت الاجتماعي والطبقي،إنها الخطوة المهمة التي ينتظرها الكل بحفاوة عالية .
إن وقف الانفلات الأمني عمل أسطوري لكن حتى وهو بتلك الحالة لايمكن ذلك في ليلة واحدة، لأننا في الحقيقة أمام ظاهرة تراكمت خلال عقود من الزمن
إن محاربة الجريمة لم يكن مخططا لها مسبقا ولايمكن أن يأتي الحل بين عشية وضحاها ومع ذلك خلّفت زيارة الرئيس للأجهزة الأمنية حركة واسعة دكت الكثير من حصون الجريمة وسيكون الوضع مع العزيمة الجديدة للسلطات الأمنية كفيل بعودة الأمان بعض الوقت إذا تأكدنا أنها ليست أكثر من استراحة محارب مصاحبة لحالة يقظة قوات الأمن وأنها ليست بأي وجه حلا لمشكل يهدد كيان الدولة.

رابط الحلقة الأولى