الأحد
2022/08/7
آخر تحديث
الأحد 7 أغشت 2022

محمد محمود ولد بكار يكتب في تأبين المرحوم عبد الرحمن ولد علِّ

23 سبتمبر 2021 الساعة 19 و51 دقيقة
محمد محمود ولد بكار يكتب في تأبين المرحوم عبد الرحمن ولد (...)
طباعة

رحم الله عبد الرحمن ولد علِّ ما أعظم كياسته،عرفته أول ماعرفته على خلفية تشابك بيننا في جريدة القلم والبنك المركزي بعد تحقيق نشرناه فترة محمدّو ولد ميشل محافظا ،على نحو اعتبره البنك تحاملا عليه وأننا ربما أُدخلنا في صراع أجنحة النظام داخل البنك نفسه .
كانت النسخة الفرنسية الذائعة الصيت وهي تحتضن جوهرتها الأسبوعية "رائعة حبيب ولد محفوظ رحمه الله "موريتانيد" والتي في الحقيقة هي من تحمل جريدة القلم إلى سوامق الشهرة وإلى مكتب الرئيس ومكاتب السفراء ،والتي يتبناها كل الصحفيين الموريتاني على أنها المنتوج الصحفي الوحيد المتفق على نجاحه داخل المهنة وكأنه مفخرتهم بما تحمله من ابداع وطلاوة وشاعرية ،كانت أي النسخة الفرنسية ملتزمة بمعارضة النظام الصارمة وبالتالي بخط المقاطعة، وكانت النسخة العربية بإدارتي تتبنى مقاربة مختلفة مفادها أن علينا أن نقوم بعملنا بمهنية ونحافظ على علاقات ودية بالمسؤولين الكبار والموظفين السامين في الدولة دون أن يشوب خطنا التحريري أي تحريف ، كان المرحوم حبيب ولد محفوظ يعي ذلك تماما ويُجوِّزه ،ومع ذلك أيضا كانت القلم العربية أكثر مصادرة من النسخة الفرنسية وكانت من أساسات بوادر رأي عام عربي ،وقد شب اليوم عن الطرق وقلب آية الستينيات وحتى التسعينيات ،بشأن سيطرة النخبة الفرنسية على الرأي العام وفرض التوجهات على الدولة بلامنازع ، وتسببت أي النسخة العربية التي تضم جوهرة من الشباب الطافح نحو المبادئ، والشغوف بالحرية، والساخط على الحكم العسكري -ومن خلال متابعتي لنشاطهم اليوم لا زلت أفتخر بالكثير منهم وقد وضع بعضهم قدماه على عتبة "الشيخوخة " - فقد تسببت أي النسخة العربية بتحقيقاتهم في الحظر الأخير للقلم لمدة ثلاثة شهور ، وكان ذلك سبب تركنا لها خوفا من جرها للتحريم،وأنشأنا جريدة العلم التي تم تحريمها بعد 9أشهر فقط على صدورها الأول .
استدعاني المحافظ للحديث حول الموضوع ،لم أكن قد تعرفت عليه عن قرب ووجدته عكس أي تصور ضمن التصورات التي كنا نلصقها جزافا بالموظفين السامين فترة معاوية "مفسدين، أجلاف، متغطرسين ولا يجب لأي صحفي مستقل أن يُشاهد في مكاتبهم " كان ودودا وخلوقا ولم يرم إلى أي أثر في النفس حيال الموضوع بقدر إهتمامه بالمصداقية والموضوعية ،واعتبراه أي "التحقيق "ضمن الهوامش المصانة لحرية الصحافة وحرية التعبير في البلد، لكنه أخذ على القلم كبرى الجرائد من حيث المصداقية والإنتشار في البلد ،و" الوصف له " أنها لم تأخذ الرأي الآخر الذي قد يعطي تفسيرا أو تفكيكا لبعض عناصر الموضوع الغائبة في التحقيق والتي يمكنها أن تقلب "حقائق "التحقيق إلى حقيقة مخالفة لإستنتاجنا، وكان ردي وعلى نحو أقل مهنية وأكثر اعتبارا في الحسبان للجوانب الأخلاقية بأننا نهرب من أن المسؤولين عادة في مثل هذه الحالات ،عند عرض أي موضوع عليهم قبل نشره لإبداء وجهة نظرهم فيه قد يعتبره بعضهم ابتزاز او أنه في إطار السعي للصداقة معهم ، أو يحاولون التدخل في طريقة ووقت نشره ، ولأننا نخاف من الشوائب ونهرب بمصداقيتنا فإننا نقوم بعملنا أولا ثم نفتح للطرف المتضرر صفحاتنا تحت طائلة حق الرد ،وهذا هو سبب تلبيتنا لدعوته .
تناولنا الحديث حول الكثير من القضايا وكان ذلك هو بداية لقائي بالمرحوم عبد الرحمن ولد علّ حينما كان المدير الإداري للبنك المركزي ، كانت أول مشكلة واجهتها هي حل لغز طريقة تفاهمه مع معاونيه في البنك،كانت وظيفته مركزية من حيث التسيير الداخلي للبنك وبالتالي كانت الطريق إليه من طرف رؤساء المصالح التابعين لإدارته الواسعة وأصحاب المعاملات الخارجية من عقود وتسديد فواتير، والزوار وغيرهم ، سالكة ،ومع ذلك ظل العمل منظم وصارم ،مع منع الاكتظاظ في المكتب ،بل من الصعب تواجد شخصين في مكتبه في نفس الوقت باستثناء دخول الموظفين لغرض تسيير المعاملات ،لكن الغريب أنك حينما تكون جالسا بمقابله ويدركك حديثه مع أحد الموظفين فإنك لن تتمكن من فهم مادار بينهما لأن الحديث عبارة عن استفسار وتوجيه بلغة الإشارة ثم نظرة من فوق إطار النظرات يكون لها أثرها البالغ في الموظف وكأنها تنبهه أو تصوبه أو توجهه نحو خطإ ما، في حين يكون مازال مصوبا وجهه نحو الأسفل ،ويتبع ذلك بكلمات تخرج من بين شفيته نصف المطبقتين بحيث يصعب عليك إدراك الكلمات ومع ذلك تشاهد الموظف وهو يمد يده للوثيقة وكأنه فهم كل شيء ويريد إصلاحها أو العمل بمقتضى مادار بينهما ،ولأني كنت أتردد عليه بعض المرات أنتبه لمثل هذه الأمور وأحاول باندهاش بعض المرات فهم ما يدور وكنت دائما أخرج صفر اليدين إلا بأمور متفرقة لايمكنك أن تخرج منها سوى بكلمات متفرقة لا تصلح لأن تصنع منها جملة مفيدة ،ذكرني ذلك بالتعبير الخارق لولد إبريد الليل رحمه الله في معرض إحدى تجلياته السياسية الرفيعة القديمة بالقول أن المشهد السياسي مثل لوح بلله المطر تجد حرف هنا وجزء من كلمة هناك ، لكن ليس بامكانك الخروج بأي جملة صحيحة من المشهد .ولا أدري لو كانت أدركته الحياة حاليا ما كان عساه أن يقول !
عند ما طرحت عليه السؤال عن سبب المغالاة في التستر على هذه القضايا بهذه الطريقة قال أن هذا عمل البنك يجب أن لايخرج من بين هذه الجدران ،وهذا أمير صديق لايمكن طرده ،وقد تضمن بقية جوابه لي مزحة كسرت روتين الجدية التي كان لتوّه غارق فيها إلى أذنيه،وكأنه يغمز فيّ لا استحضر كل شيء لكن وهذا ما أتذكره بالضبط ، جعلنا تعليقه ذلك نُطلق سوية ضحكة استغرق كبحها بعض الوقت وحتى وهو يطلق تلك الضحكة التي تملأ رئته بالانشراح تراه وكأنها يسرقها على العمال ويريد إنهائها بسرعة قبل دخول أحدهم ،وهي تدفعه للخلف على أريكة مكتبه . سألته مرة عندما ثار فضولي حالة من تلك الحالات أخذت وقتا أطول ،فانتهى بنا المطاف إلى أن سرد لي كيف كان دخوله في البنك المركزي ومشواره المهني الطويل فيه ، وكيف كانت تدور الأمور داخل البنك ومن ما أتخيل في الخصوص أو أحاول أن أتذكر ضمن نفس الحديث ما مفاده أنه قال لي "بأنه دخل البنك المركزي سنة إنشائه أو السنة التي تليها وكانوا قلة حينها وأنه واصل مشواره الدراسي من داخل البنك ،وكان ذلك صعب جدا لأن البنك مدرسة عالية للانضباط، فأنت تشارك في صناعة تاريخ ومجد البلد وتخاف عليه من الفشل والسقوط وتحافظ على أسراره من الأجانب وكأنك تحمل أمانة كبيرة ولست مثل باقي الموظفين ،كان العمل في البنك المركزي شرف كبير لأنه كان مكانا للأطر وخيرة الخرجين،وكان ذلك يشده ويحتضنه للمثابرة وكان هذا هو مناخ العمل في البنك المركزي ،التأخر غير مقبول والخطأ غير معقول والخروج عن الإجراءات حرام والتقيد بالنصوص وبالجدية والسرية واجب ،هذه هي مدرسة البنك المركزي وهذا ما يجب أن تظل الامور تسير عليه ،ويردف في حين أن الكثير من الأمور تغير وصار الحفاظ على ذلك يتطلب مثل هذه المعارك التي تشاهدها ولا تفهمها ،كان دائما حديثنا ينتهي أو تتخلله تلك الضحكات فقد كان مرحا ودودا " .
لقد ترعرع في هذه المدرسة وقطع جميع الأشواط ومراحله الوظيفية في كنف محافظين صارمين نزهاء وأقوياء ،ومديرين أكفاء ،وسط إحترام دقيق وجنوني للإجراءات والمساطر والنظم ،وكان البنك مثل ثكنة من حيث التراتبية والانضباط،فلا يسمح بأي تجاوز ولا تغيير في الشكل ولا تخطي فاصلة .وقد كان رحمه الله يفرض فعلا أبهة غير عادية على الإجراءات وكان يجعلهم يضطرون لإعادة العمل ،لأنه كان يحفظ جميع الرفوف وجميع الإجراءات ويتمسك بدقائقها ، ومع ذلك كان محترما محبوبا وسط عمال البنك ،لقد غمطوه حقه في بعض المحطات لكنه صبر .قال لي مرة أنه في وسط مساره المهني طلبوا منه أن يدير تصفية بنك IBD وأن البنك كان يعاني من حجم ديون كبيرة ويطرح مشكلة كبيرة حينها للدولة وأن أول قرار أخذه بأن تخلى عن سيارة المدير العام والعلاوات الأخرى بحجة أن البنك فالسة وخرج كما دخل ،وقد ظل طيلة تلك المدة يستعمل النقل العمومي يأتي في الحافلات ويرجع فيها ،وأن ذلك كان مقنعا لأصحاب الدين أنفسهم وأنه استطاع أن يخرج بنجاح من تلك المحنة .
لقد كان في الحقيقة عجين من المثابرة والتصالح مع النفس أي الاستقامة والطموح.. وقد كان آخر لقاء مباشرة بيننا بعد اتصاله عليّ وأنا منشغل في التحضير لإعلان ترشح سيدي محمد ولد بوبكر للرئاسيات الماضية بأن طلبني للقاء ،فأجبت للفور وقد التقينا شرق عمارة موري سانتر وقال لي أعتقد أن الزمن لن يغير من عاداتنا "الثقة والسرية أومأت برأسي ويتملكني الإعجاب الدائم به وبأسلوبه ، وأنا ابتسم قبل أن تنقلب إلى ضحكة مشتركة باردافه تعليقا سريعا على فترة عزيز "أنا أعرف عمق ما يرمي إليه، وهو يفهم ذلك،و لذلك تراه يضحك كثيرا عند ردات فعلي علما منه أني قد استلمت كامل الرسالة وبكل مراميها -وقال لي بالحرف أنه وكل من له عليه تأثير سيكون معنا دون أن ينتظر أي مقابل لذلك ، وقال ذلك وقد يحرك علبة السرعة وكأن الرسالة وصلت . ...كان أخًا كريما وصديقا حميما ،بموته اكون فقدت شخصا أحبه كثيرا ،يحب عمله ووطنه ،تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جناته وإنا لله وإنّا إليه راجعون .