الجمعة
2022/01/28
آخر تحديث
الخميس 27 يناير 2022

لا تبتئس ياسيادة الدكتور الوزير أنت هو المثقف /بقلم محمد محمود ولد بكار

19 نوفمبر 2021 الساعة 10 و13 دقيقة
لا تبتئس ياسيادة الدكتور الوزير أنت هو المثقف /بقلم محمد محمود (...)
طباعة

في كثير من الأحداث المماثلة "الاجتماعات القبلية بكل أنواعها حتى التي تلبس لبوس السياسية "ظلت الأمور طبيعية إلى اليوم الذي تحدَث فيه الدكتور الوزير محمد محمود ولد بيَ عن مزايا وعمق وجذور إحدى الإمارات في البلد من منظور تاريخي صرف، عشنا على حملة تنديد بالكفر البواح !
لا أريد الدخول في تفاصيل مثل تلك الاجتماعات المسجلة بالصوت والصورة وبمفدراتها المشحونة بالنعرات والأحاسيس البدائية ومخرجاتها التي تظهر أبشع صور القبلية كمفهوم سياسي بديل عن ، ومنافس للدولة ،والخطابات والقصائد العصماء التي تمجد وتخلد مثل تلك النعرات دون أن نلامس أو نجد مثل ما يحمل على الافتخار بتراث وطني يعانق التاريخ الإسلامي في أبهى صوره ويجد فيه المرئ موضعا مماثلا لكلام ولد بيّ ، ومع ذلك تمر تلك الاجتماعات دون يقظة من ضمير ولا صحوة من فكر، بل لم تواجه بأي نقد يجعل الحملة ضد الدكتور الوزير محمد محمود ولد بيّ الذي جاء معزيا ومواسيا في حدث يستحب أن تذكر فيه محاسن الموتى خاصة إذاكانت عميقة وضاربة في التاريخ وتتعلق بأمير يحمل شرعية مجتمع تزيد على 1000سنة من السيادة والريادة نمت وترعرت في أحضان إعلاء كلمة التوحيد وكلمة الحق واستمرت إلى آخر أمير من هذه السلسلة ،مبررا .
وشرحا لكلمة ولد بيّ المقتضبة التي سلطت الضوء على تاريخ حافل فقد كان أول من استعان بفقيه على هذه الأرض وأظهروا أمره وأنفذوا أمره عبد الله ابن ياسين قادة المرابطون الأخوين بحى وابوبكر ابني عامر .
وعند بداية تأسيس إمارة إدوعيش ذهب أعمر إبن محمد بن خونه إلى تشيت يبحث عن عالم شريف النسب ليستفيد من علمه وبركته في ترتيب إمارته من جديد المتصلة بأجداده المرابطون حيث وجد الطالب مختار ولد محم القلقمي وذهب معه وصاحبه في تأسيس الإمارة ،وفي عهد محمد ولد إمحمد شين تم إعتماد سيدي عبدو الله ولد الحاج ابراهيم المجتهد المذهب الوحيد في البلد أماما وفقيها مشرعا له .
وقد أظلت قوة هذه الإمارة ورسوخها قلب المجتمع الموريتاني ألم يقل العالم الصالح وحيد زمانه الشيخ محمد المامي في طلعته الموغلة في التوحيد :
ملك إمحمد شين أهارون الرشيد ألا حدّ هون
الطبعة الاي ذكرها الشيخ محمدالسالم بن عدود في رثائه للامير عثمان بن عبدالرحمان
نعى النعاة أميرنا عثمانا
الى ان يقول : وقيادة من أض الاندلسي الحبيبتي@ عمرهافلولا خلوف خلوفها ماكانا
وإمامنا المامي قارن ملكها@ مع ملك هارون الرشيد وزانا...لخ

ومن هذا يتضح أن البعد لهذا المجتمع كان بعدا دينيا جامعا وليس بعدا قبليا متمحضا ، وهو البعد الذي نبه إليه المؤرخ والمثقف الدكتور الوزير محمد محمود ولد بيّ حاثا أهل الإمارة للتمسك به وليس لاستخدامه في السياسية .
ثانيا أن هذه الإمارة لم يكتب لها أن ذهبت لتحارب دون وجه شرعي أو مسوغ موضوعي فلم تذهب لتنهب أو لتوسيع نفوذها ،فقد كانت كل حروبها مفهومة الأبعاد والأهداف في سياقات دينية أو تتعلق بالنخوة أو الشرف أو الرد عن الحمى وليس بأي دافع آخر أي لم تبني أمجادها على الجهالة ولا على النزعات الضيقة ،بل كان بُعد الأمة وبُعد التمسك بالدين هو المحرك الأساسي .
وهكذا كان بكار يعتبر النصارى قبيلة كفر ولا يحل لهم دخول أرض المسلمين في مفهوم شامل لفهم الحدود الوطنية لدولة المسلمين وقد عبر عن ذلك من خلال 3 مواقف. الموقف الأول حينما أعطى لزعماء المقاومة الزنجية في السنغال (المسلمة )حق اللجوء في موريتانيا ضد غزو الكفار لأرضهم ففي كتاب إمارة اترارزة تأليف بول مارتي 1919 يقول : "كان أعمر سالم أمير اترارزة على تفاهم مع السلطات الفرنسية بسان لويس ، فكرنا أن نحاول ، بمساعدته مناوشة البيظان المتحالفين مع متمردي البولار ، منحناه في عديد المرات مخصصات مالية لتحريكه ضد بكار ولد اسويد أحمد أمير إدوعيش الذي أعطى اللجوء ما بين 1889 ـ 1891 لعبدول بوبكر وألمامي ( من بوسيا ) وعالي بوري ، وبوربا ( من جولف ) الذين رحلوا إلى ضفة البيظان وعارضوا الغزو الفرنسي لمنطقة فوتا بكل ما أوتوا من قوة . إلا أن أعمر سالم لم يقدم لنا كبير شيء" انتهى الاستشهاد ، الذي يفيد نفوذ بكار الواسع في البلد ومناوءته للكفار وللاستعمار حتي خارج بلده . الموقف الثاني حينما بعث برسالتين منفصلتين : جاء ذكرهما في كتاب موريتانيا الغزو والإدارة الاستعمارية 1890 ـ 1945 وفي محاضر المجلس العام الدورة العادية لسنة 1891 على النحو التالي " وحدهم من كل البيظان المجاورين للمستعمرة ، كان إدوعيش أو على الأقل فخذ إد وعيش الخاضع للمسن بكار ولد إسويد أحمد قد حافظوا على الموقف المعادي الذي اتخذوه ضدنا في حياة عبدول بوبكر .ويتابع المصدر وحول رسالة وقحة بعث بها بكار إلى حاكم دائرة باكل أجبت بالشطب على الإكراميات المتمثلة في 500 قطعة من النيلة ، كان يدفعها حاكم السينغال الدنيا لهذا الزعيم بالقرار رقم 102 حيث يعلن أي القرار " إد وعيش أعداء لمستعمرة السودان .وكانت الرسالة التي تسببت في شطب الإكراميات وجهها بكار إلى النقيب دسماري 25 يوليو1891 جاء فيها " اتركوا الضفة اليمنى فهي ضفة المسلمين إن على الفرنسيين أن لا يبقوا فيها ساعة واحدة . والثانية إلى العقيد آرشينارد 5 يوليو 1894حاكم السودان يطلبهم فيها عدم التدخل في شأن أهل محمد لحبيب وتركهم وشأنهم ويكرر أنها أرض المسلمين ولا سلطة لهم عليها .وقد كانت رسائل بكار للنصارى تتميز بأنها باسم المسلمين أو أن الأرض أرض المسلمين وقد إعتبر النصارى هذه الرسالة تهديدا لهم . وهذا نص الرسالة " الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد فمن بكار بن إسويد أحمد أمير تكانت إلى صاحب النصارى في قرية كيهيدي موجبه بلغ النصارى مني أن المسلمين من مشارق الأرض إلى مغاربها أمرهم واحد ودينهم واحد كالجسم الواحد إن تألم بعضه تألم جميعه وأنهم وإن تباعدت أجسامهم فقلوبهم متقاربة وأيضا عندهم الإبل وهي تقرب البعيد وقد وردت عليهم كتب القبائل من كل ناحية في أمركم ووردت عليهم كتب مولاي السلطان المنصور عبد العزيز فالآن كفوا عن المسلمين ولا تعتدوا ببناء ولا غيره واتركوا آل محمد لحبيب ولا تدخلوا بينهم بشيء واعلموا أن أرض المسلمين ليست لأحد منهم يختص بها دون الآخر ولا يعطيها إلا سلطان العامة واتفاق المسلمين فبهذا كفوا عن المسلمين واتركوهم واتركوهم وعهدكم الذين بينكم وبينهم وإلا فقد تعرضتم لنقض العهد ونقض العهد لا يخفى ما فيه " كتبه عبد الله بن عبد الرحمن بتاريخ 20 شوال 1320 هـ 
كما ظلت ندهته ضد المستعمر تنتشر في جميع قبائل الزوايا والعلماء على عموم التراب الوطني كما تخبر بذلك رسالة صالح ولد عبد الوهاب الجوابية له التي جاء فيها (...هذا وإنه مني إلى بن اختي بكار الاعز في كل بلد وعند كل أحد ...الى ان يقول وقد شاع في الناس دفاعك عن الدين وأهله،.."
وشهادة النقيب الفرنسي من أن بكار استمال ضدهم جميع الزوايا ووجدوا رسائله قد انتشرت في كل مكان تحث على الجهاد . اما كلام النقيب گاستون دوفور صاحب كتاب العمليات العسكرية في موريتانيا فقيول (جعل الزعيم المسن بكار من نفسه قلب المقاومة وأخذ يبث رسله في كل بلد داعيا إلى الحرب المقدسة فجر إلى صفه أمير البراكنه أحمدو بن سيداعلي وزعيم اشراتيت المخطار بن احمد رغم أن كلا من هاذين قد ابدى موقفه الطيب اتجاهنا ورفع بعض الزوايا كقبيلة إجيجبه السلاح في وجهنا).

كان بكار يعتبر أن ريع الإتفاق مع النصارى لعامة المسلمين في منطقته ولم يستفد إبن له ولا بنت من تلك الإتاوات وكان يقسمها على المسلمين خاصة الزوايا الضعاف أنظر كتاب سيدي ولد الزين .

وفي شهادة افرير جان بقوله: " و هكذا مات آخر امراء المرابطين حاملا سلاحه بيده بعد أن حكم لمدة سبعين سنة لم يذق فيها طعم الهزيمة " ..
ويقول السفير عبد القادر ولد محمد في تعزية بعث بها لأهل إسويد أحمد "الحقيقة أنه من الصعب أو قد يكون من المستحيل فهم ما يعرف عند البعض بتاريخ الببظان الذي هو جزء من تاريخ موريتانيا دون الإطلاع على تاريخ امارة ادوعيش

هذا البعد هو الذي تمسك به عثمان ولد بكار الذي ترك الإمارة وذهب مع المجاهدين في منطقة تگانت وآدرار وإنشيري إلى 1910 م والذي قاد المعارك ضد الفرنسيين بينما تعامل الحسين وعبد الرحمن مع الأمر الواقع .
فبماذا خرج الدكتور الوزير محمد محمود ولد بيّ بوصفه مؤرخا ومثقفا قبل أن يكون وزيرا عن السياق التاريخي والعلمي لهذا المسار ،ثم أنه جاء برسالة من دوحة العلم ورسول من أبيه العالم المجدد الشيخ عبد الله ولد بيّ في مواساة أبناء عمومته وعليه وهو العارف بالتاريخ أن يذكرهم بصفحات من مجد تاريخهم وربطه بالحدث في سبيل حثهم على الوحدة والصبر على المصيبة والتمسك بنفس النمط والنهج في التفكير وفي التعامل مع الحدث وما سيعقبه من أحداث تتعلق بتنصيب الأمير الحديد .
اما الطلعه التي ذكرها الدكتور محمد محمود بن بيه "نجع رفعت مسلم مظلوم"
فهي نفسها الطلعه التي استدلت بها موريتان على حدودها واستقلاليتها عن المغرب فقد ألقاها سفير موريتانيا في الامم المتحدة محمد عبد الله بن الحسن كدليل لترابط ارض البيظان. وألقاها بالترازمن معه في الإذاعه الوطنيه الشاعر الكبيير الشيخ بن مكيٍّ ، وهي
نجع العناي والتشاط@سوحل امبروم الليه
كال ساحل عكلت الانباط@اكال شرگ المداحيه.
گلب اميجك واگليب الغين@كالهم نجع اخلاص الدين
واجوير اعكلت تورين @كالهم بين اهل النيه. ...الخ
وهي من وزن بوعمران للأمير محمد ولد إمحمد شين
أما كون محمد محمود وزيرا فذلك لا يمنع من كونه دكتورا وشخصية اجتماعية ومثقفا جاء بصفته الشخصية وليس ممثلا للحكومة ولا للرئيس ، وتحدث عن أحداث تاريخية مثبته وخلاصات عند الكثير من المؤرخين فقد قال محمد ولد مولود ولد داداه أنه لو تأخر الفرنسيون قليلا لأعاد بكار حكم المرابطون لهذه الأرض وقال أنه شاهد ذلك في كتب النصارى ، كما قالت ذلك الإستخابارات الفرنسية في تقييمها لقدرة الحشد وقوة العزيمة التي يتمتع بها بكار ذلك في الكثير من المناسبات وبالتالي يكون ولد بيّ لم يتحدث سوى عن خلاصات أدلى بها الكثيرون وذكّر هو بها في مناسبة و في محفل اجتماعين وكل ماقاله لا يخرج عن سياق الحدث .
لم يتحدث ولد بي عن مزايا القبلية ولم يطالب بالرجوع إليها ولا اعتمادها كأي وتنظيم ناجع بدل الدولة الحديثة ،بل تحدث عن تاريخ ، عن ماض مجيد مبرزا الجوانب والتجليات المضيئة له .
لقد قال الدكتور أن أطروحته كانت عن المرابطون وقد سبقه في ذلك المؤرخين بالمئات وعلينا أن لا نسى أن المرابطون وصلوا جنوب فرنسا وأدغال إفريقيا .
ثالثا أن مجتمع بلا تاريخ بلا مجد بلا وجدان وبلا بطولات وبلا تضحية وبلا مشاركة في التاريخ الإنساني، ولعل الدور الوحيد المخلد والمسجل لهذا الشعب في التاريخ الإسلامي هو دور المرابطون .
وفي الأخير أريد أن أنبه إلى أن القبيلة كبنية إجتماعية لا تتعارض مع الدولة الوطنية وليست ضدها لكنها تتعارض معها عندما تكون بنية سياسية وقد كان حديث الوزير عن البنية الاجتماعية وعن الجوانب التاريخانية بمجتمع تأسس على تحمل المسؤوليات الدينية والأخلاقية والاجتماعية ولم يتحدث عن الجانب الآخر والسلبي للقبلية
فشكرا لولد بيّ فقد جاءنا ليذكرنا بتاريخنا وأمجادنا على الأقل الجانب المضيء منه الذي يربطنا بالعالم .