الثلاثاء
2022/07/5
آخر تحديث
الثلاثاء 5 يوليو 2022

الجزائر ــ موريتانيا.. تَثْوِير "عبقريَّة المكان" / خالد عمر بن ققه

30 دجمبر 2021 الساعة 13 و41 دقيقة
الجزائر ــ موريتانيا.. تَثْوِير
خالد عمر بن ققه
طباعة

مُبشِّرة وواعدة، تلك الاتّفاقيات ومذكرات التعاون ومدّ جسور للشراكة بين الجزائر وموريتانيا، وفي لقاء الرئيسين، الجزائري عبد المجيد تبون، والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، إعلان صريح بالتعاطي من حقائق الجغرافيا من خلال علاقات بيْنِيّة، قد تنتهي بالدولتين إلى تثوير" عبقرية المكان"، إذا اسْتندت في خلفيتها النظرية إلى ما ذهب إليه المفكر المصري الراحل" جمال حمدان" في كتابه المرجعي" شخصيّة مصر"، مع الفارق، بين المكانيين، على مستوى التضاريس والتاريخ والثقافة، وقبلها وبعدها الإنسان ـ في المَكَانَيْن ـ من خلال منجزاته، ودوره الحضاري، وقابليته للتطور، ومدى انتمائه للمكان، ودمج هذا الأخير بالهوية ببُعْديْها الديني والدنيوي

زيارة الرئيس الموريتاني إلى الجزائر، لمدة ثلاثة أيام، جاءت معمقة لعلاقات الجوار أكثر منها تعبيرا عن علاقة جماعيّة مغاربيّة، يرى كثير من السياسيين في الدول المغاربية: أنه لا داعي الحديث عنها اليوم، والاكتفاء بالاستقطاب على المستوى الثنائي، في انتظار تحسن الظروف في سياقها القوْمي.

لذلك لاغَرْوَ حين تبدو كلمة" الشقيق"، التي تمَّ تداولها بين الرئيسين، وعلى مستوى الإعلام نوعاً من التعبير عن تقارب ـ مصحوب بفرحٍ وزهْوٍ ـ يَشِي بتحقق بعض الوعود أو جُلّها، دون أن تُخِلَّ الكلمة ـ الشقيق ـ بالصيغة المتعارف عليها ضمن خطاب رسمي ينتهي إلى التعويل عليها عربيّاً عند الرضا المشترك أو التوافق المصلحي أو التقارب الوهمي، وترحل بعيدا، بل ويُنفي اًصحابها إعلاميّاً حين يقع الخلاف ـ صغيرا كان أم كبيراً ـ بين دولتين أو أكثر في وطننا العربي الملئ بالتناقضات لدرجة الغرق.

مهما يكن، وبغض عن الظروف المحيطة بالدول المغاربية، خاصة الانهيارات المتتالية على مستوى جبهاتها الاجتماعية، والخلافات القائمة بينها على أكثر من صعيد، وتربص قوى عدوة وصديقة بها، وسفاهة بعض القرارات والمواقف السياسية، فإن مستقبل العلاقات بين موريتانيا والجزائر، بعد زيارة الرئيس الغزواني، سيكون أفضل من حاضرهما، ومن ماضيهما أيضا، ويرجع ذلك إلى كون علاقتهما الثنائية ستُعلي من شأن تحسين حياة المواطنين، صحيح أنه لم يتم الإعلان عن ذلك صراحة، ولكن تستشف من لغة خطاب الرئيسين تبون والغزواني، ونراها ـ ضمنيّا ـ في حجم ونوع الاتفاقات المبرمة.

لقد تركزت العلاقة الثنائية بين الجزائر وموريتانيا، خلال زيارة الغزواني، على المنافع الاقتصادية، وهذا مدخل لتحسين حياة الشعبين، خاصة سكان المناطق الحدودية، وسيتم ذلك عبر مسارين على النحو الآتي:

المسار الأول: تحويل الصحراء الشاسعة والممتدة بينهما عبر طرق طويلة ومعبدة، إلى مناطق عامرة، وهذا من خلال تثوير ما فيها من خيرات، وخاصة المعادن.

المسار الثاني: جعْل الحدود المشتركة بينهما، مناطق عبور آمنة، ضمن سياسة" الأمان من خوف"، أو الاحتياط من انتشاره الرعب مستقبلا من خلال مخاطر تَلْتَقي فيها مظالم وطنية مع مصالح اقتصادية كبرى، تتولى الدفاع عنها جماعات إرهابية تَسْتَقْوَي بقوى دولية، وتبرر وجودها، أحيانا، مظالم متراكمة، يتم فيها الاعتداء بقصد أو من دونه ـ على الثوابت.

ومن الواضح أن الجزائر وموريتانيا ستذهبان معاً ـ خاصّة على المستوى الاقتصادي ـ إلى الأسواق الأفريقيّة، وهذا يعني أنهما لن تكتفيان بتَثْوير" عبقريّة المكان" المشتركة بينهما، وإنما ستكونان ضمن ذلك السباق الدولي الزاحف اليوم نحو قارة أفريقيا، وفي ذلك اصرار على الاستثمار في الجغرافيا، يُنْتظرُ في حال تحققه تغيير في نمط العلاقات السائدة بين الدول الأفريقية.

يبقى أن المشاريع المشتركة المطروحة بين الجزائر وموريتانيا، سيُنْظَر إليها من خلال المنافع والمصالح المشتركة، بغض النظر إن كانت القسمة بينهما" ضيزى"، لأن حسابات السياسية ليست هي نفسها حسابات الاقتصاد.

وفي العلاقات البينية بين الدولتين، تَحضُر أيضا القوة العسكرية، والتاريخ المشترك، وعلاقات البشر في حلِّهم وترحالهم.

لقد كانت الدولة الجزائرية منذ استقلالها حليفاً استراتيجيّاً لموريتانيا، مثلما كانت هذه الأخيرة داعما فاعلا للجزائر في مرحلة الثورة وما بعدها، ووقعت بينهما خلافات على مستوى التكتيك، وأحيانا على مستوى المبادئ، وأحيانا أخرى على خلفية تقييم كل منهما لعلاقة الأخرى بدول المغرب العربي الأخرى، وبالعلاقة مع الغير، وخاصة بإسرائيل، لكنها لم تصل إلى درجة العداوة المطلقة، واليوم تسعى الدولتان إلى علاقة تثوّر المكان، مع الاحتفاظ بسجلات التاريخ مطويّةً.. فهل ستظل كذلك؟