الأربعاء
2022/05/25
آخر تحديث
الأربعاء 25 مايو 2022

رِجل القنطور.. خفايا الرحلة المستحيلة إلى أقرب النجوم من الشمس

15 فبراير 2022 الساعة 18 و19 دقيقة
رِجل القنطور.. خفايا الرحلة المستحيلة إلى أقرب النجوم من (...)
طباعة

بدا الأمر غير ممكنا في البداية، أن نقطع يوما ضوئيا للخروج من المجموعة الشمسية، تلك المسافة التي تقدر بنحو 287 مليار كيلومتر أي ما يعادل 192 وحدة فلكية، والوحدة الفلكية الواحدة هي متوسط المسافة التي تفصل بين الشمس والأرض.

ومهما فحصنا وأمعنا النظر وتناولنا تلك المسافة بأيّ وحدة طول فيزيائية، فإنّها بلا أدنى شك خارجة عن المألوف البشري، وقطعها أقرب إلى ضرب من الخيال.

لكن الأمر تغيّر تماما في عام 2013، حينما أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن خروج أوّل جسم صنعه الإنسان إلى خارج المجموعة الشمسية، والدخول بشكلٍ رسمي إلى عالم ما بين النجوم (Interstellar).

لقد كانت مركبتا الفضاء فوياجر1 و2″ (Voyager1-2) هما صاحبتي ذلك الإنجاز البشري الفريد، بعد أن استغرقت رحلتهما أكثر من 30 عاما لتحقيق هذا الأمر، بمتوسط سرعة بلغت 16 كيلومتر في الثانية.

إنّها رحلة طويلة للغاية تهدف إلى بسط قدرات الإنسان في الفضاء واستكشاف المزيد من خبايا الكون خارج الغلاف الشمسي. وفي ظل هذا السعي الحثيث، اتضح لنا أنّ الخيارات الموجودة حولنا محدودة للغاية، إن كنا نبحث عن عوالم أخرى تحتضن الحياة عليها بعيدا عن نطاق المجموعة الشمسية.

لذا كان من الطبيعي النظر إلى مجموعات نجمية أخرى حولنا، وقد بدا أنّ الأقرب إلينا هو نجم "رِجل القنطور" أو "رجل قنطورس" (Rigel Centauri) الذي يبعد عن الشمس مسافة 4.3 سنوات ضوئية.

رِجل القنطور.. ثلاثي نجمي في أقرب العوالم إلى الشمس

إنّ اللحظة التي ننتقل بها إلى خارج المجموعة الشمسية، تستوجب علينا تغيير مرادفاتنا تفاديا لإجهاد العقل البشري، فبدلا من استخدام وحدات الطول المتعارف عليها مثل المتر والكيلومتر، سيكون استخدام السنة الضوئية ملائما أكثر، والسنة الضوئية هي وحدة طول لقياس المسافات الشاسعة في الكون، وهي المسافة التي يقطعها الضوء في السنة الواحدة، وتعادل 9.5 تريليون كيلومتر.

وعند التطرق إلى معايير المسافات بين النجوم، فمسافة 4 سنوات ضوئية لا ينبغي أن تشغل حيّزا كبيرا من دهشتنا. إنّ أقرب نظام نجمي إلينا هو نظام نجم رِجل القنطور، وهو على خلاف ما يوجد في النظام الشمسي، فبدلا من وجود نجمة واحدة، فإن هناك 3 نجوم يشكلون هذا النظام النجمي.

يتألف النظام النجمي من نجمين رئيسيين بحجم كتلة الشمس، "رجل قنطورس أ" و"رجل قنطورس ب"، وقزم أحمر يُدعى "بروكسيما قنطورس" (Proxima Centaury) يحوم حولهما عند مسافة 0.24 سنة ضوئية.

لم يقع رصد أيّ من الكواكب حول النجمين الأساسيين حتى الآن، إلا أنّه قد كُشف عن كوكب تبلغ كتلته 1.27 ككتلة الأرض في عام 2016، ويدور حول النجم القزم "بروكيسما"، وأطلق عليه العلماء اسم "بروكسيما قنطورس ب" تيّمنا بتسمية أول الكواكب النجمية المكتشفة حول النجم الذي يحمل الرمز "أ".1

"بروكسيما قنطورس ب".. كوكب في نطاق الحياة حول القزم الأحمر

يقع الكوكب المكتشف حديثا على مقربة من النجم القزم بمسافة تقدّر بـ0.05 وحدة فلكية، أي أنّها 5% فقط من المسافة التي تفصل بين الأرض والشمس، ومع ذلك يُرى أنّه يقع في منطقة ملائمة لنشوء الحياة واحتضانها، أو هو بالأحرى -كما يقول الفلكيون- يقع في "نطاق الحياة" (Habitable Zone).

ويُعنى بهذا المصطلح ذلك الحيّز الكوني الذي يكون فيه الكوكب على مسافة تتيح له أخذ الطاقة والحرارة المناسبتين من النجم الذي يتبعه، فعلى سبيل المثال، لو تحدثنا عن نظامنا الشمسي، فإنّ الأرض والمريخ هما فقط من ينطبق عليهما هذه الظروف الملائمة، فلا يكون الكوكب بعيدا عن النجم فيتجمّد، ولا قريبا فيسخن.

ويعتمد اتساع هذا النطاق وامتداده على شدّة أشعة الشمس الصادرة وأيضا على نوعها، فلا ينبغي أن يغلب طيفها الأشعة فوق البنفسجية أو السينية، لأنّها تدمّر الجهاز الحيوي ولا تلائمه.2

وقد ظن علماء الفلك زمنا طويلا أنّ النجوم القزمة الحمراء غير مستقرة وغير آمنة للكواكب حولها بفعل الاضطرابات النجمية والتوهجات المستمرة، لكن دراسة حديثة في عام 2021 أعطت بصيصا من الأمل بقيادة الفيزيائية "إيكاترينا إيلين" من "معهد ليبنيز للفيزياء الفلكية" في بوتسدام، فقد توصلت إلى أنّ مثل هذه التوهجات النجمية الفائقة (Superflares) من الممكن حدوثها فقط عند قطبي النجم.3

وإنّه لمن المعلوم بأنّ الكواكب تدور في نفس مستوى خط استواء النجم، أي بعيدا كلّ البعد عن مستوى القطبين. وبحكم المسافة القريبة التي تفصل بين كوكب "بروكسيما قنطورس ب" ونجمه، فإنّه يتم دورة كاملة كلّ 11.2 يوما أرضيا.

"توليمان".. قمر صناعي يتتبع الكواكب الصالحة للإنسان

في السابع عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 2021، أطلق مجموعة من علماء الفلك قمرا اصطناعيا بتمويلٍ خاص اسمه "توليمان" (TOLIMAN)، نسبة إلى الاسم العربي "الظُّلمان" (جمع ظليم، وهو ذكر النعام)، وهو اسم بديل يُطلق على النجم "ألفا قنطورس"، مستهدفين بذلك استكشاف وتتبع جميع الكواكب الخارجية بعيدا عن المجموعة الشمسية، وعلى نحو الخصوص التركيز على مجموعة "رجل قنطورس" النجمية، وقد كشف عن قرابة 50 كوكبا حتى اللحظة في أماكن عدة، لكن لم يتمكن أي قمر اصطناعي من التقاط صورة مباشرة مرئية لأي كوكب مكتشف، فكل ما اكتُشف بواسطة البيانات الإشعاعية التي تتأثر بحركة الكواكب حول النجوم.

لكن ماذا بعد؟ إن افتراض وجود كوكب صالح للحياة في أقرب الأنظمة النجمية لنا يفتح بابا من التساؤلات، هل سيقف الإنسان مكتوف اليدين بعد هذه الرحلة العلمية الطويلة؟ أم أنّ الأمر يستحق خطوة كبيرة إضافية، وربّما وثبة عالية؟

إنّ 4 سنوات ضوئية وفق أقصى التقنيات التي وصلها الإنسان اليوم ستأخذ من عمر البشرية 6300 سنة، وهي فترة زمنية أطول من تلك التي تفصل بيننا وبين الأسرة الفرعونية الأولى، أي حتى قبل بناء الأهرام. وهذا ما يستبعد خيار السفر جسديا بالنسبة للإنسان، لكن ماذا لو زيدت سرعة ونجاعة المركبات الفضائية مستقبلا، فهل هناك أيّ فرصة لمثل هذه الرحلة؟

مسبار "باركر".. أعظم أرقام السرعة في تاريخ الصناعة البشرية

عبر تغريدة لصفحة ناسا على منصة تويتر في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2021، عبّرت وكالة الفضاء الأمريكية عن سعادتها بتحطيم مسبار "باركر" الشمسي لرقم قياسي في السرعة في تاريخ الصناعة البشرية، إذ بلغت سرعته نحو 532 ألف كيلومتر في الساعة، أي 147 كيلومتر في الثانية، بعدما استعان المسبار بحقل جاذبية الشمس لزيادة سرعة اندفاعه، وعلى الرغم من تلك السرعة القصوى، فإن هذا الرقم لا يمثل إلا 0.05% من سرعة الضوء.4

وتقع على عاتق المهندسين مهمة صناعة محركات للصواريخ ذات نجاعة أكبر، والأمر لا يبدو بتلك السهولة مطلقا. فلطالما تحررت السفينة الفضائية من جاذبية الأرض، فماذا يمنعها من الانطلاق بسرعة أعلى وإن كانت 1% من سرعة الضوء.

نظريا وحسابيا، الأمر ممكن للغاية لكنه مكلف ويتطلب كثيرا من الطاقة الحركية بالتحديد وهي الطاقة التي يمتلكها أي جسم متحرك. ولزيادة السرعة يكون على الطاقة الحركية أن تزيد، وهنا تكمن المعضلة.

وفقا لقانون الطاقة الحركية، فإن مضاعفة سرعة أي جسم أو مركبة فضائية، تستوجب زيادة الطاقة المستهلكة أربعة أضعاف، ولمضاعفة سرعة الجسم 3 أضعاف، لا بد من زيادة الطاقة المستهلكة إلى 9 أضعاف وهكذا.

محركات الكيمياء.. عوائق السرعة في الطريق إلى الفضاء

إنّ المركبات الفضائية محدودة السعة، وتشغل الطاقة أو الوقود 90% من حيّزها وكتلتها في كثير من الأحيان، وذلك بسبب محدودية كفاءة محركات الصواريخ.

طيلة العقود التي عرف بها الإنسان الفضاء وتواصل معه بمركباته وصواريخه، كان يعتمد على محركات الصواريخ ذات التفاعل الكيميائي، ومع اعترافه بفضلها الواسع على التاريخ البشري في رحلة استكشاف الفضاء، تبقى نجاعتها منحصرة ضمن نطاق محدود وحيّز لا يمكن للإنسان اجتيازه بسهولة.

فمحركات الصواريخ التي تعتمد على عمليات التفاعل الكيميائي، سواء بواسطة الوقود الصلب أو السائل، تشترك إلى حدٍ كبير مع عمليات الانفجار (الاحتراق) التي تحدث في محركات السيّارات والنفّاثات في فلسفة عملها، بالتأكيد متجاوزين بذلك كثيرا من العوامل الأخرى مثل التصميم الهندسي ودورة الانفجار، وتخزين الوقود ونوعه وغير ذلك.

"الشراع الشمسي".. تقنية تلامس عُشر سرعة الضوء

تعد المحركات التي تعتمد على التفاعل الكهربائي والنووي بدائل مرتقبة على المدى البعيد، نظرا لما ستوفره من أمرين هامين تفتقر إليهما المحركات ذات التفاعل الكيميائي: فعالية التفاعل ذاتها، إذ إن تفاعل الاندماج النووي هو الذي تعتمده الشمس وبقية النجوم في إنتاج الكم الهائل من الطاقة، بالإضافة إلى أن كتلة المحرّك ستكون منخفضة.

وهناك تطور آخر في هذا السياق هو استخدام "الشراع الشمسي" (Solar Sails) الذي يحاكي عمل الأشرعة في القوارب الشراعية، لكن الفرق الوحيد أنه في الفضاء سيكون إبحارا شُعاعيا.

إن الشراع الشمسي يعمل بقانون نيوتن الثالث للحركة، معتمدًا على الفوتونات القادمة من الشمس الساقطة على ألواح خاصة فتعكسها، فتتجه المركبة في الاتجاه الآخر، وفي عام 2008، تمكن القمر الاصطناعي "نانوسيل-دي" (NanoSail-D) من تحقيق نجاح مبهر باعتماده هذا النموذج من الحركة. ويرى المهندسون أنّ تطوير الشراع الشمسي كفيل بأن يمنح سرعة قد تصل إلى 10% من سرعة الضوء.5

صاروخ الفوتون.. خيال رياضي يكسر قوانين "نيوتن"

لم يكن "ألبرت أينشتاين" لطيفا حينما أشار بكل حزم إلى أنّ ثمة حدا للسرعة في العالم، وهو سرعة الضوء، ولا ينبغي لأي شيء أن يسبقه، ثمّ وضع قانونه الشهير في ورقته البحثية للنسبية الخاصة في عام 1905. وتشير المعادلة بوضوح إلى أنّ الكتلة تتناسب طرديا مع الطاقة، ولتحقيق سرعة تصل إلى سرعة الضوء، فسيتطلب الأمر طاقة لا نهائية، وكتلة مثيلة كذلك، وهذا ما لا يمكن تحقيقه.

إنّ صاروخا كهذا لن يتيح فقط فرصة لروّاد الفضاء السفر إلى كوكب المريخ في غضون 3 دقائق عند أقرب نقطة التقاء بين الكوكبين، بل سيفتح بابا عظيما على مصراعيه لغزو الفضاء على نطاق قريب من المجموعة الشمسية. إنّ تقليص المدة الزمنية من 6000 سنة إلى 4.2 سنوات من شأنه أن يعيد التفكير لأذهان المجتمع العلمي، لإعادة النظر في زيارة رجل القنطور.

أشرعة الليزر.. قوة الإشعاع التي تخترق السماء

هناك نموذج آخر مقترح للوصول إلى نجم رجل القنطور الأقرب، وهو أشرعة الليزر فائقة السرعة، بعرض 4 أمتار لكل منها وسمك مايكرونات قليلة، وهي مصنعة من مادة متماسكة تتحمل شعاع الليزر عالي الطاقة الذي سيدفعها بسرعة 20% من سرعة الضوء. حيث سيحمل كل شراع منها كاميرا دقيقة موصولة بشريحة غاية في الضآلة مثبتة في وسط كل شراع، وستفتح هذه الأشرعة في الفضاء قبل أن تنطلق إليها مئات خطوط أشعة الليزر القادمة من مصادر مخصصة لهذا النظام فتقذف بها في الفضاء بمبدأ قوة الإشعاع، ولتبقى منطلقة حتى تبلغ وجهتها نجم رجل قنطورس، وهناك ستقوم بخفض سرعتها باستخدام الرياح النجمية القادمة من رجل قنطورس.

ويتوقع العلماء أن تستغرق رحلة الأشرعة هذه عشرين سنة فقط، لتصور لنا بعد ذلك صورا للنجم وكوكبه، ثم ترسلها للأرض بسرعة الضوء فتصلنا خلال أربع سنوات ونيف.

المصادر:

[1] محررو الموقع (2016). سانتوري بروكسيما ب. تم الاسترداد من: https://exoplanets.nasa.gov/exoplanet-catalog/7167/proxima-centauri-b/

[2] ليسور، جاك (2010) النطاق الصالح للحياة. تم الاسترداد من: https://www.britannica.com/science/habitable-zone

[3] أندرسون، باول (2021). قد تكون الكواكب التابعة للقزم الأحمر في مأمن من التوهجات الفائقة. تم الاسترداد من: https://earthsky.org/space/red-dwarf-stars-superflares-red-dwarf-planets-habitability/#:~:text=Red%20dwarfs%20are%20very%20volatile,dwarfs%20would%20be%20rendered%20uninhabitable.

[4] هويل، إليزابيث (2021). حطم مسبار باركر الشمسي فائق السرعة التابع لناسا الرقم القياسي في السرعة بالقرب من الشمس. تم الاسترداد من: https://www.space.com/parker-solar-probe-sun-speed-record-november-2021