الثلاثاء
2022/05/24
آخر تحديث
الثلاثاء 24 مايو 2022

نبوءة بريجنسكي بشأن أوكرانيا

16 فبراير 2022 الساعة 12 و06 دقيقة
نبوءة بريجنسكي بشأن أوكرانيا
محمد المِنشاوي
طباعة

في أوائل عام 1994، وبعد 4 سنوات من انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي، وصف مستشار الأمن القومي الأميركي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي أوكرانيا القوية والمستقرة بأنها ثقل موازن حاسم لروسيا، وينبغي أن تكون محور اهتمام وتركيز الإستراتيجية الأميركية بعد انتهاء الحرب الباردة، وإذا سيطرت روسيا على أوكرانيا فيمكن لها أن تعيد بناء إمبراطوريتها من جديد.

واليوم يدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن أوكرانيا بمثابة سكين في يد الغرب والولايات المتحدة لاحتواء دولة روسيا وطموحاتها الكبرى.

وبما أن أوكرانيا ليست عضوا في حلف الناتو، فإن واشنطن ودول الحلف ليست ملزمة بالدفاع عنها. وعلى هذا النحو، فإن المدى الذي قد تذهب إليه الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون لحماية أوكرانيا غير مؤكد في طبيعته، بعيدا عن التعهد بفرض عقوبات غير مسبوقة، وإمداد كييف ببعض العتاد العسكري.

ولد بريجنسكي في عام 1928، وفي عام 1981 حيث كان في الـ53 من عمره أنهى عمله مسؤولا حكوميا، وانتهت حياته في مايو/أيار 2017.

وجمعني قبل سنوات لقاء به، وهو لم يعد مسؤولا أميركيا سابقا رفيعا فقط، بل صار مفكرا إستراتيجيا من طراز فريد، إذ كان يعمل مستشارا في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية بواشنطن، وأستاذا للسياسة الخارجية الأميركية في جامعة جون هوبكنز المرموقة، وهو حاصل على شهادة الدكتوراه من جامعة هارفارد عام 1953.

وخلال سنوات عمله مسؤولا أميركيا مهما، امتلأ سجل بريجنسكي بالعديد من الإنجازات وتعرض للقليل من الإخفاقات. أشرف بنفسه على تفاصيل مفاوضات معاهدة تخفيض الأسلحة النووية مع الاتحاد السوفياتي المعروفة باسم "سولت 2″، وقام بجهود غير عادية لتطبيع العلاقات الصينية الأميركية، إلا أن أهم بصماته بقيت في مجال سياسات الشرق الأوسط.

كان بريجنسكي أحد أهم مهندسي تحالف واشنطن مع المجاهدين الأفغان من أجل دفع الاتحاد السوفياتي للانسحاب من أفغانستان. كما خطط لتوصيل أسلحة مصرية وسعودية وباكستانية، إضافة لمقاتلين عرب، إلى داخل أفغانستان من أجل هزيمة الجيش السوفياتي وإذلاله، وله صورة شهيرة مع قادة المجاهدين الذين وصفهم بأنهم مقاتلون من أجل الحرية من فوق دبابة سوفياتية. لذا لم تكن مفاجأة أن ينال قسطا كبيرا من اللوم عندما وقعت هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 في الولايات المتحدة بأيدي جماعات ساهم برجينسكي شخصيا في رعايتها وتمويلها وتسليحها يوما ما.

وحذر برجينسكي بعد انتهاء الحرب الباردة من إذلال روسيا، ومن هنا لم يكن من المستغرب أن يقول له دبلوماسي روسي يعمل في سفارة بلاده بواشنطن ذات يوم إن "المعضلة الحقيقية في علاقتنا بالولايات المتحدة محورها اعتقادهم أن الحرب الباردة انتهت بانتصارهم وهزيمتنا، ولذا يتبنون سلوك المنتصر ويتوقعون منا سلوك المنهزم". وأضاف الدبلوماسي "نحن نرى أن الحرب الباردة انتهت دون إطلاق نار، ودون منتصر ولا منهزم"، وهذا هو جوهر الخلافات بين موسكو وواشنطن في العديد من القضايا العالمية، وعلى رأسها مصير أوكرانيا، الدولة المجاورة لروسيا والتي لا يعرف أغلب الأميركيين موقعها على الخريطة.

وتشتكي روسيا من تطور العلاقات العسكرية بين حلف الناتو وأوكرانيا، في وقت حذر فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الناتو من أن نشر أسلحة أو جنود في أوكرانيا يعنى تجاوز "الخط الأحمر" بالنسبة لبلاده، معتبرا أن أي تفكير في ضم أوكرانيا للحلف سيؤدي لرد قوي وغير مسبوق.

وقد تأسس حلف شمال الأطلسي (الناتو) عام 1949 من 12 دولة، ثم انضمت إليه 4 دول، وأصبح العدد 16 دولة عند انتهاء حقبة الحرب الباردة في بداية تسعينيات القرن الماضي. واحترمت الولايات المتحدة والدول الغربية التعهدات السابقة بعدم ضم أي دول من الأعضاء السابقين في حلف وارسو أو من الجمهوريات السوفياتية السابقة للحلف، إلا أن ذلك تغيّر مع مرور الوقت. وانضم عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة إلى الحلف، حتى بلغ عدد الدول الأعضاء فيه 30 دولة، ولتصل الحدود الرسمية للحلف إلى الحدود الروسية المتاخمة لإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا.

ومن الشائع في واشنطن إلقاء اللوم على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية. وعلى الرغم من أن الخبراء والمعلقين يؤمنون بأن بوتين لا يستحق أي تعاطف بسبب سياساته، سواء الداخلية أو الخارجية، فإن أزمة أوكرانيا لا ترجع إلى مواقف بوتين فقط.

من ناحية أخرى، تتنافى إجراءات توسيع الناتو مع التعهدات التي حصل الاتحاد السوفياتي عليها من واشنطن وبقية العواصم الغربية في مباحثات توحيد ألمانيا عام 1990. وخلال لقاء جمع وزير الخارجية الأميركي آنذاك جيمس بيكر بالزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف حول مستقبل الأمن الأوروبي، أطلق بيكر جملة شهيرة "لا بوصة واحدة شرقا"، في تأكيد صريح لعدم نية واشنطن توسيع حلف الناتو شرقا.

من هنا يشير البروفيسور ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، إلى أن هذه الأزمة كان من الممكن تجنبها بأكملها لو لم تستسلم الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون للغطرسة والتمني والمثالية الليبرالية، واعتمدوا بدلا من ذلك على الرؤى الأساسية للواقعية. والواقع أن روسيا ربما لم تكن لتستولي على شبه جزيرة القرم، وأن أوكرانيا سوف تكون أكثر أمانا اليوم، لو اتبعت واشنطن سياسات مغايرة في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

وأشار والت إلى أنه لو كان صناع السياسة الأميركيون قد فكروا في تاريخ بلادهم وحساسياتها الجغرافية، لكانوا فهموا كيف بدا توسيع حلف شمال الأطلسي لنظرائهم الروس.

مع وصول جو بايدن للحكم، أصبح أحد محاور السياسة الخارجية تجاه روسيا يتمثل إقامة علاقة أكثر استقرارا ويمكن التنبؤ بها مع روسيا. وبعد أكثر من عام في الحكم، وبعد اللقاء وجها لوجه في جنيف صيف العام الماضي، وإجراء العديد من المكالمات الهاتفية بينهما، نجح رئيس روسيا فلاديمير بوتين في إفشال مساعي واشنطن في إحداث تحول درامي في العلاقات مع روسيا، واستعادة القدرة على التنبؤ والاستقرار للعلاقات بينها وبين روسيا.

وبدلا من تهدئة العلاقات مع روسيا من أجل التفرع لمواجهة التحديات الصينية المتصاعدة، لا تعرف واشنطن كيف ستتصرف موسكو، ولا كيف يمكن مجابهتها على الساحة الأوكرانية.

محمد المِنشاوي
كاتب ومحلل سياسي مقيم بواشنطن ومتخصص في الشؤون الأميركية