الأحد
2024/06/16
آخر تحديث
السبت 15 يونيو 2024

شنقيط الموريتانية.. مدينة تحتضن 8 قرون من التراث الإسلامي

9 يونيو 2023 الساعة 09 و33 دقيقة
شنقيط الموريتانية.. مدينة تحتضن 8 قرون من التراث الإسلامي
طباعة

مدينة تاريخية موريتانية عُرفت البلاد باسمها في العالم الإسلامي طوال قرون، وكان لها دور ديني وثقافي واقتصادي بارز على الطرق التجارية القديمة.

تحتفظ اليوم بكنوز ثقافية عبر مكتباتها التي تضم مخطوطات نادرة، وتواجه تحديات المناخ القاسية، وتعثر الخطط التنموية لموريتانيا.

التسمية والتاريخ
يظل أصل تسمية شنقيط غير محسوم مع تفسيرات مختلفة، أبرزها أن أصلها "عيون الخيل" بإحدى اللغات المحلية المنقرضة، أو أنها اشتُقت من اسم جبل في المنطقة.

ويرى رأي ثالث أن الاسم مشتق من كلمة "شَقِيط" العربية، التي تعني الفخّار في القواميس بشكل عام، أو جِرار الخزف التي تحفظ فيها المياه، رغم أن تأثير اللغة العربية الفصحى في تلك الفترة المبكرة على تسميات الأماكن أمر غير مرجح.

ويُنطق الاسم في اللهجة المحلية "شِنجِيطي" (بجيم مصرية) لكنه اشتهر مع الوقت، لا سيما مع تقاليد الكتابة وذيوع الاسم خارج البلاد بلفظه الحالي "شنقيط".

وتربط التقاليد الشفوية -التي يعتريها تضارب كبير- نشأة المدينة بالقرن الثامن الميلادي/الثاني الهجري، وذلك بتأسيس مستوطنة "أبير" عام 777م/160هـ قرب المكان الذي يضم مدينة شنقيط الحالية.

و"أبير" وفق هذه المرويات هي "شنقيط الأولى"، وفق ما ينقل أحمد مولود الهلال عن مخطوط كتاب "تاريخ ابن حبت"، أحد علماء المدينة.

وتربط هذه المرويات المدينة في هذا الطور بجوانب، أهمها نشأة دولة المرابطين في صحراء الملثمين.

وسواء كانت المدينة وريثة مدينة أقدم انتقل إليها مركز الثقل العمراني والبشري منها أم لا، فإن أغلب المصادر تعيد تأسيس شنقيط الحالية إلى نحو 8 قرون، أي في حدود منتصف القرن الـ13 الميلادي 1262م/666هـ، حيث كانت من المراكز التجارية المهمة على طرق القوافل، التي كانت تعبر الصحراء بين غرب وشمال أفريقيا.

ومن أولى الإشارات إلى المدينة؛ ما ذكره مؤرخ "تمبكتو" عبد الرحمن السعدي (المتوفى 1656م) في كتابه "تاريخ السودان"، وذلك في معرض تعريفه بقاضي "تمبكتو" "محمد نض" الشنقيطي الأصل، الذي كان ذا نفوذ كبير في المدينة تحت حكم زعيم الطوارق "آكل".

وقد كان الزعيم الطوارقي "آكل" يحكم تمبكتو في حدود 1433م، ما يعني أن المدينة كانت موجودة في النصف الأول من القرن الـ15 الميلادي، وفقا لما ينقل أحمد مولود الهلال عن عبد الودود ولد الشيخ.

وفي أوائل القرن الـ16، أشار المؤلف والمترجم الألماني المقيم في البرتغال "فالنتيم فرنانديز" إلى شنقيط، واعتبرها ثالث أهم مدينة مأهولة في البلاد في ذلك الوقت.

وشهدت شنقيط فترات ازدهار منذ القرن الـ13، لكن ازدهارها الأبرز كان ابتداء من القرن الـ18 الميلادي.

وحجزت المدينة مكانها باعتبارها مركزا علميا وروحيا، وشكلت منطلقا للحجيج نحو الديار المقدسة، وهو ما أكسبها شهرة في الأصقاع، ليطلق اسمها على البلاد، ولا سيما في بلدان المشرق الإسلامي.

وأسهمت في هذا التطور عوامل متداخلة، أبرزها ركب الحجيج الذي كان ينطلق منها قاصدا الديار المقدسة، وقدوم علماء من البلاد إلى المشرق للحج ومذاكرة العلماء واقتناء المكتبات، واستقر المقام ببعض هؤلاء في أقطار المشرق، مثل مصر والحجاز والعراق والسودان.

ومع هذا التحول، لم تعد شنقيط تعني المدينة الصحراوية المحصورة بين رمال وجبال ولاية آدرار الموريتانية، بل منحت اسمها لمجال بشري وترابي واسع، شَهِد انصهار قبائل صنهاجة وبني حسان ضمن مكونات أخرى، إضافة إلى بروز مؤسسات اجتماعية.

ثم انبثق تدريجيا نمط "شخصية صحراوي شنقيط المنخرط في حضارة صحراوية شكّلها الإسلام"، وفق تعبير المؤرخ الموريتاني الراحل محمد ولد مولود الشنّافي.

الموقع الجغرافي
تقع المدينة في الركن الشمالي الغربي من الصحراء الأفريقية الكبرى، في ولاية آدرار، على بعد نحو 90 كيلومترا شرق مدينة أطار، مركز المنطقة الإداري.

تحفها من الشمال والغرب جبال آدرار، وتنفتح شرقا على فضاء الصحراء مترامي الأطراف، على بعد زهاء 660 كيلومترا من خط الحدود مع مالي.

وتتربع شنقيط على هضبة آدرار في الوسط إلى الشمال الغربي من موريتانيا، على بعد أكثر من 400 كيلومتر إلى الشرق من المحيط الأطلسي، وعلى ارتفاع يقارب 500 متر فوق مستوى سطح البحر.

المناخ وموارد المياه
ترتفع درجات الحرارة في مدينة شنقيط خلال النهار، وتنخفض بشكل حاد في الليل، وقد تصل إلى 49 درجة مئوية خلال فترات الحر، بينما تصل درجات الحرارة الدنيا إلى 10 درجات، ويبلغ المتوسط السنوي لدرجة الحرارة القصوى 35.7 والدنيا 24.7.

ويتميز المناخ بالجفاف الذي يتضح من ندرة الأمطار طوال العام، بمعدل تساقطات مطرية لا يتعدى 8.5 مليمترات سنويا، ما أسهم بشكل كبير في التصحر وزحف الرمال.

وتتوفر للمدينة مصادر مياه جوفية عذبة، لكن منسوبها مهدد بفعل تناقصه المستمر، مع تزايد الاستغلال وندرة تعويض المخزون لشح الأمطار.

الاقتصاد
اعتمد اقتصاد المدينة تاريخيا إلى حد كبير على التجارة عبر الصحراء الكبرى، التي منحتها موقع قطب تجاري، وأسهمت في ازدهارها لقرون، بفضل بضائع مختلفة أبرزها الذهب والملح.

ومثّلت شنقيط محطة مهمة على طريق القوافل، الذي عرف بـ"الطريق اللمتوني" للتجارة عبر الصحراء في غرب أفريقيا، وكان يربط بلدان أفريقيا بحواضر المغرب، مرورا بمدن الصحراء الرئيسية.

وتعد شنقيط حلقة الوصل بين المراكز البشرية على امتداد طرق القوافل، ومنحت المناجم آنذاك أهمية اقتصادية للمدينة الصحراوية، إذ كانت لها أهمية مركزية في التبادلات التجارية، إضافة إلى البضائع التي كانت تمر عبر المدينة، مثل التمور والجلود والثياب والإبل.

ومع الزخم الذي اكتسبته التجارة الأطلسية مع مرور الزمن، تضاءلت تجارة القوافل عبر المدن التاريخية في الصحراء، بسبب ندرة في الموارد وهجرة السكان، ومعاناتها من صعوبات اقتصادية.

وتبعا لذلك شهد وضع المدينة تراجعا، مع انتفاء الحاجة تدريجيا إلى نقل البضائع على ظهور الجمال، لظهور وازدهار النقل البحري والتجارة عبر المحيط الأطلسي.

وتحول الحضور الأوروبي على السواحل الأطلسية إلى استعمار، استطاع لاحقا السيطرة على عدة بلدان، وغيّر كثيرا في أنماط التجارة العالمية، وأحدث تطورا في وسائل الإنتاج والنقل.

ورغم هذه التحديات، واصلت المدينة الصمود في وجه العواصف والرمال، ويحاول سكانها تحسين أوضاعهم مع الحفاظ على أنشطة منها زراعة الواحات، إضافة إلى "السياحة الثقافية" التي تجذبها مكتباتها العامرة بالمخطوطات، ومواقعها ذات القيمة التاريخية، والتي يقبل عليها باحثون ومهتمون بالتاريخ.

وتحرك هذه العوامل عجلة اقتصاد الخدمات في المدينة بشكل طفيف.

السكان
شهدت مدينة شنقيط اضطرابا في أعداد السكان، بسبب التحولات الاقتصادية والمناخية التي مرت بها.

ومع وجود سكان حاضرين في المدينة، فإن جزءا من السكان كان يمازج بين أنماط الاستقرار في المدينة، والترحال حولها وفق ظروف الحياة البدوية.

وتأثر وجود السكان بموجات جفاف قاسية، كان أحدثها ما عانت منه في سبعينيات القرن الـ20، والذي أدى إلى انخفاض عدد سكانها بشكل كبير، حتى لم يبق فيها في بعض الفترات سوى نحو 400 ساكن.

ويبلغ عدد سكانها حوالي 6800 نسمة، وفقا لبيانات المكتب الوطني للإحصاء في موريتانيا عام 2013.

معالم وآثار مدينة شنقيط
تضم مدينة شنقيط العديد من الأماكن ذات الأهمية للزوار والسياح، وخاصة المهتمين بالتراث الثقافي والتاريخي.

ويمثل المسجد القديم في المدينة معلما معماريا من القرن الـ13، يجسد نمط العمارة الإسلامية الصحراوية، ونموذجا لتراث المدينة الإسلامي المزدهر وإشعاعها الروحي.

واكتسبت منارة المسجد الحجرية المربعة رمزية وطنية، وأصبحت صورها ومجسماتها تجسد التعبير المعاصر عن الهوية الموريتانية في بعدها الإسلامي والتاريخي.

وتصنف اليونسكو شنقيط موقعا للتراث العالمي، إلى جانب مدن موريتانية أخرى مثل ودان وتيشيت وولاتة، وذلك باعتبار هذه المدن شاهدا فريدا على الثقافة البدوية، والتجارة في بيئة صحراوية منذ العصور الوسطى، حيث كانت مراكز مزدهرة ذات حياة دينية وثقافية غنية، واستطاعت الحفاظ على نمطها المعماري الاستثنائي منذ 7 قرون.

وتضم مدينة شنقيط العديد من المكتبات، التي ساهمت بشكل كبير في حماية مخطوطات لأعمال بعض أوائل العلماء المسلمين، وهي في الأغلب مكتبات أهلية، تتوارث العائلات عبر الأجيال الحفاظ عليها، وصيانة محتواها النفيس.

وتجذب هذه المكتبات الباحثين والأكاديميين المهتمين بدراسة التراث الثقافي للإسلام في غرب أفريقيا.

ويضم فهرس المعهد الموريتاني للبحث العلمي 3968 مخطوطا في 20 مكتبة في المدينة، من أبرزها مكتبة أهل أحمد شريف (تضم 1302 مخطوط)، ومكتبة أهل حبت (1172 مخطوطا)، ومكتبة أهل أحمد محمود ومكتبة أهل حامن، إضافة إلى مكتبة مسجد شنقيط.

المصدر : الجزيرة + مواقع إلكترونية