الأربعاء
2024/07/24
آخر تحديث
الأربعاء 24 يوليو 2024

عن الهِجرة

27 يونيو 2023 الساعة 16 و44 دقيقة
عن الهِجرة
طباعة

أدخل مباشرة في صلب الموضوع بدون مقدمات.
صحيح أن ظروف الحياة في بلادنا صعبة مثل غيرها من البلدان النامية بسبب البطالة والفراغ وارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة. وصحيح أن حلم الهجرة يراود أعدادا متزايدة من شبابنا. هاجر المئات حتى الآن، والآلاف ينتظرون. هذا كله صحيح، ولكن هل "الهجرة" هي الحل؟ وهل تفتح الهجرة أبواب السعادة؟ موضوع مطروح للنقاش على جدار هذه الصفحة مع الأصدقاء والمتابعين الأعزاء. أفتتحه بمداخلة أقرب إلى الفلسفة منها إلى السياسة، و ربما يكون للأمر علاقة بالتأثير الوجداني لمشاهد الوقوف بصعيد عرفات الطاهر.
أرى أن الهجرة قد تكون هي الحل بالنسبة لفرد أو مجموعة من الأفراد نجحوا في التعامل مع ظروف الغربة، لكنها لا يمكن بحال من الأحوال أن تكون هي الحل الجماعي الذي ينهض بالأمة أو يضعها على طريق التقدم والتطور. ولذلك، لا أرى الحل فيها ولا أراه في عدمها أيضا… الحل هو الإنسان.
علمتني الحياة أن السعادة تكون بداخل الإنسان أو لا تكون. محلها القلب ومصدرها الإيمان "أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ". السعادة لا تأتي من البيئة الخارجية والأحداث والسياسات المحيطة بنا رغم ما لها من تأثير مهم لا ينكره عاقل؛ إنما تنشأ في النفس. وأكبر عقبة تحول دونها هي وسوَسَة الشيطان الذي هو مصدر كل النكبات والهفوات. "الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاءِ". يطرد الأمل و يزرع القلق والخوف واليأس والاحباط. وسوسة الشيطان هي التي تجعلك تفقد الأمل وتشعر بالفشل والخيبة، ويخيل إليك أن غدك مظلم ومصيرك قاتم حتى ولو جرت الرياح بما تشتهي سفنك، وأحرى إذا كنت تمر في الحال بظروف صعبة فإنه يضخم المشاكل، و يسد المخارج و يجعل من الحبة قبة.
تذكّر، أخي القارئ، كم مرّة جابهتَ زوبعة من زوابع الحياة، ثم فكرت فيها بعد هدوئها و لاحظت دهشا أنها لم تكن "أكبر من گدها". و كم مرة ظهرت لك الهزائم والمطبات ضئيلة كلما رويت وفكرت فيها بعد تجاوزها. كذلك الحال في كل ما يلقاه الانسان من مصاعب وعوائق تفقده أحيانًا كل شيء حتى الشعور بالأمل والحياة أثناء وقوعها، ويخيل إليه أنه انتهى وأن حياته قد فقدت قيمتها؛ ثم تمر بضعة أيام فتذهب شدتها و ينمحى شكلها ويلفها النسيان.
يعني أن مصدر الآلام والمتاعب موجود فينا. نحن الذين نخلق سعادتنا لأن السعادة والشقاوة ليسا إلاّ ثمرة إحساسنا، وإحساسنا ليس إلاّ جزءا من شخصيتنا الداخلية.
صحيح أن الظروف الخارجية تؤثر فينا تأثيرا بالغا. وصحيح أنها ليست خاضعة لمحض إرادتنا؛ ولكنها أيضا لا تتحكم في تكوين شخصيتنا وطريقتنا في الحياة والتفكير التي تخضع لنا. فإذا كان من المحال علينا أن نغير المؤثرات الخارجية فلنغير المؤثرات الداخلية. وإذا لم يتح لنا أن نخضع الاشياء والناس المحيطة بنا لإرادتنا، فلنحاول إخضاع رغباتنا الشخصية وتهذيبها وتنظيمها، وإبعاد الشهوات المؤذِية التي هي مصدر القلق والتوتر في حياتنا، مثل شهوات الطمع والثروة والترف والكِبر، إلخ.
إذا كانت الأحوال في بلادنا تسعة، وإذا كانت الأخبار والأفلام والمسلسلات وشبكات التواصل الاجتماعي تحمل إلينا شهادات قاطعة على أن السعادة مضمونة في ما وراء "الحائط"، فإن العقل السليم يقول لنا بأن السعادة لا يعطيها الجدار والدولار والعِقار والذهب والفضة، إلخ… بل إن مصدرها هو رأينا نحن ونظرتنا للجدار والدولار والعقار والذهب والفضة،،، هذه الأشياء وغيرها مما يخطر على بالك تظل حولنا ثابتة لا تتغير جواهرها، لكننا نحن هم الذين نتعب أنفسنا و نعذبها حين نطمع فيها، ولو أن لها لسانا لقالت لنا: ابحثوا عن السعادة في دواخلكم يا قوم. وتذكروا قوله سبحانه تعالى: "وَٱللَّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا ۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٌ".
هذا وقد أدركنا السلف يقول: "إن الغِنى عن الشيء لا به". و أدركناه يقول بأن السعادة يجب اعتبارها هدفا يصل إليه الإنسان مع طول الوقت أي أنها نقطة "وصول".
أما اليوم، فإنك تجدُ من يريدونها الآن، الآن، ويعتبرونها نقطة "بداية".
* إنه عصر السرعة؛ وتلك معضلة أخرى.
عيدا سعيدا و كل عام وانتم بخير في دفء الوطن العزيز بين الأهل والأحبة.

من صفحة الوزير السابق محمد فال ولد بلال