الخميس
2026/03/19
آخر تحديث
الخميس 19 مارس 2026

القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان الوحي (الحلقة السابعة)

منذ 3 دقيقة
القرآن وسؤال المعنى: من أزمة الإلحاد المعاصر إلى برهان (…)
طباعة

التحدي الوجودي الحاسم… الموت والروح بين عجز العلم وبيان القرآن؛
التحدي الأول: الموت… الحقيقة التي لا تُقاوَم
لا يزال الإنسان، رغم ما بلغه من تقدّم علمي وطبي، عاجزًا أمام حقيقة واحدة لا يستطيع تجاوزها: الموت. فهو يموت اليوم كما تموت أضعف الكائنات، لا يملك دفعه ولا تأخيره، مهما بلغت قدراته.
وقد عبّر القرآن عن هذه الحقيقة بصيغة حاسمة تتجاوز حدود الزمن:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾[سورة الملك؛ الآية:2].
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ۖ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجمعة:8]﴾
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾[الزمر:30].
إن هذا الخطاب ليس مجرد تذكير بالموت، بل هو إعلان كوني قطعي يتوجه إلى جميع البشر في كل زمان ومكان. وهنا يبرز السؤال العقلي:
هل يمكن لإنسان – مهما بلغ علمه – أن يصدر حكمًا مطلقًا على جميع الأجيال إلى قيام الساعة بأنهم سيموتون؟
الجواب: لا.
لأن الإنسان محدود المعرفة، محكوم باحتمالات المستقبل، ولا يملك الإحاطة بما سيؤول إليه العلم أو الحياة. أما هذا الجزم المطلق، فهو لا يصدر إلا عن خالق الحياة والموت، الذي يملك الحقيقة كاملة.
بل إن المفارقة العجيبة أن العلماء – رغم اكتشافاتهم الهائلة وسعيهم لغزو الفضاء – ما زالوا يخضعون لنفس المصير؛ يموتون كما يموت غيرهم، دون أن يملكوا تفسيرًا نهائيًا لمعنى الحياة أو سرّ انتهائها.

التحدي الثاني: الروح… سرّ مغلق أمام العلم
إذا كان الموت نهايةً حتمية، فإن الروح تمثل اللغز الأكبر في حياة الإنسان. وقد جاء الخطاب القرآني حاسمًا في هذا الباب:
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ ۖ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [سورة الإسراء الآية 85⁶]
هذه الآية تحمل في طيّاتها تحديًا معرفيًا ممتدًا عبر العصور؛ إذ تقرر أن علم الإنسان – مهما تطوّر – سيظل قاصرًا عن إدراك حقيقة الروح.
فالإنسان بطبيعته لا يجزم بالمستقبل، بل يترك الباب مفتوحًا للاكتشافات المحتملة. أما أن يُقال للبشر جميعًا:
لن تدركوا حقيقة الروح، فهذا حكم يتجاوز حدود الجرأة البشرية، ولا يمكن أن يصدر إلا عن العليم المطلق.
وقد شهد الواقع العلمي الحديث بما يوافق هذا المعنى؛ إذ عجزت الأبحاث – رغم تقدمها – عن تفسير ماهية الروح أو إنتاج الحياة من المادة الصمّاء. بل إن بعض المؤتمرات العلمية انتهت إلى الإقرار بأن الحياة والروح لا يمكن اختزالهما في تفاعلات كيميائية بحتة.
الحياة بين المادة والسرّ الإلهي
من منظور علم الأجنة، تبدو الحياة في مظاهرها المادية واضحة:
حيوان منوي، بويضة، تلاقح، انقسام خلوي، تكوّن جنين… سلسلة دقيقة من العمليات البيولوجية المدهشة.
لكن السؤال الجوهري يبقى قائمًا:
من أين جاءت الحياة في أصلها؟ ومن الذي منح هذه الخلية القدرة على النمو والتكاثر؟
فالخلايا تنقسم، والأنسجة تتشكل، والأعضاء تتكون بدقة مذهلة، لكن كل ذلك يظل مرتبطًا بسرّ أعمق: سرّ الروح، الذي إذا غاب انتهت الحياة فورًا، دون أن يستطيع أي علم إعادته.
وهنا يلتقي العلم مع القرآن في نقطة لافتة؛ إذ يصف القرآن مراحل التكوين الجنيني بدقة:
﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} [الحج:5].
لكن هذا الوصف – رغم دقته – لا يدّعي تفسير سرّ الحياة، بل يوجّه الإنسان إلى التأمل في قدرة الخالق الذي يدبّر هذه المراحل.
إن التأمل في حقيقتين أساسيتين: الموت والروح، يقود إلى نتيجة عقلية واضحة:
الموت حقيقة قاهرة لا يستطيع الإنسان التحكم فيها.
الروح سرّ يعجز العلم عن إدراك كنهه.
والقرآن قدّم بشأنهما أحكامًا قطعية تتجاوز حدود المعرفة البشرية.
ومن ثمّ، فإن التفسير الأكثر انسجامًا مع هذه المعطيات هو أن هذا الخطاب ليس كلام بشر، بل هو كلام صادر عن خالق الحياة والموت، العليم بسرّ الروح. وبذلك، فإن هذا التحدي الوجودي لا يقف عند حدود التأمل الفلسفي، بل يندرج ضمن مسار السلسلة بوصفه حلقة مفصلية تنتقل بالقارئ من فهم خصائص الخطاب القرآني إلى استنتاج طبيعته؛ حيث يصبح المعنى نفسه شاهدًا على أن هذا الكلام لا يمكن أن يكون نتاج عقل بشري محدود، بل هو بيان صادر عن خالق الإنسان، العليم بحقيقته، المحيط ببدايته ونهايته، وبالسرّ الكامن فيه....
يتواصل...
ملاحظة: اجعل لنفسك مشروع دعوة: فالدعوة اليوم مسؤولية الجميع، ولكل شخص دوره حسب موقعه وقدرته.

لمرابط ولد لخديم