الاثنين
2026/04/6
آخر تحديث
الاثنين 6 أبريل 2026

إلى الإخوة الجزائريين: "ألا إنما الإخوانُ عند الشدائد"

منذ 54 دقيقة
إلى الإخوة الجزائريين:
طباعة

«تلك شِنشنةٌ أعرفها من أخزم»، وذلك موقفٌ ألفناه من الإخوة الجزائريين.
طالعتُ عبر الأخبار توجه الوزير الأول المختار ولد إجّاي إلى الجزائر الشقيقة في إطار اجتماع اللجنة العليا المشتركة (الموريتانية - الجزائرية)، وبهذه المناسبة أودُّ التذكير ببعض وشائج الأخوة المتجذرة بين البلدين والشعبين؛ فعندما كان جيش التحرير الجزائري يبحث عن السلاح، ويتحرك عناصره بأسماء مستعارة -كمثل "عبد العزيز بوتفليقة"- وجدوا من الموريتانيين كل الدعم والتعاطف والاحتضان.
وعندما ألقى الرئيس الراحل المختار ولد داداه خطابه الشهير في الأمم المتحدة، بُعيد قبول عضوية موريتانيا بجهد جهيد من فرنسا، طالب باستقلال الجزائر وكان من أوائل الزعماء الأفارقة الذين طالبوا به من هذا المنبر وكانت صفعة قوية لفرنسا بل موقفا انتحاريا . لقد أغضب ذلك الموقف الجنرال "ديغول" أيَّما غضب، واعتبره جحوداً ونكراناً للجميل. ويُروى أنه في طريق عودة المختار إلى باريس، رفض ديغول استقباله في بادئ الأمر، وعندما استقبله أخيراً كان غاضباً مكفهراً، وحاول التقليل من شأن موريتانيا ورئيسها، فدار بينهما حوار تاريخي؛ حيث قال ديغول للمختار: "ألم تكن وحيداً حين دعمناك ضد مطالب المغرب؟"، فردَّ عليه المختار بكل شموخ: "وألم تكن أنت وحيداً في بريطانيا حين احتل الألمان بلدكم؟". عندها غيّر ديغول مجرى الحديث، ومنذ ذلك الحين تشجع الرؤساء الأفارقة في المطالبة باستقلال الجزائر تأثراً بجرأة المختار.
إن النخوة الجزائرية "جِبلةٌ" متأصلة، وزيادة على ذلك، كانت الجزائر سنداً عزيزاً لموريتانيا في معارك التعريب وقرارات السيادة؛ فقد دعمتنا في تأميم "ميفرما" عبر تكوين الأطر والدعم المالي، وكذلك في صك العملة الوطنية (الأوقية) حين كانت موريتانيا تمر بظروف مالية خانقة وتتبنى قرارا سياديا قويا . كما أسست معنا شركة للتكرير دعمتها شركة "نفتاك" الجزائرية، فضلاً عن كون الجزائر شريكاً استراتيجياً أمنياً ودبلوماسياً لا يتزعزع.

إن التعاون في مجال الطاقة بين نواكشوط والجزائر ليس مجرد سدٍّ لثغرة ظرفية، بل هو وضعٌ لحجر الأساس لسيادة طاقية مشتركة. فالجزائر، بما تملكه من خبرة عريقة عبر شركة ’سوناطراك’ وإمكانات هائلة في تكرير وتوزيع المشتقات النفطية، هي الشريك الطبيعي والوحيد القادر على تأمين شريان الحياة للاقتصاد الموريتاني. فخبرة الجزائر عبر ’سوناطراك’ وقدرتها الإنتاجية، تمثل الضمانة الوحيدة لاستقرار أمننا الطاقي. إن تزويد موريتانيا بالمازوت والغاز بالسعر الأخوي والآليات التفضيلية، سيعني مباشرة استقرار حياة كل أسرة موريتانية وتأمين حركة الإنتاج. إن ربط الأسواق الموريتانية بالإنتاج الجزائري، وتفعيل الاتفاقيات الخاصة بتزويد السوق المحلية بالغاز والمازوت، سيمثل طوق نجاةٍ يحمي المواطن الموريتاني من تقلبات الأسعار العالمية، ويفتح في الوقت ذاته آفاقاً لتبادل الخبرات في مجال الاستكشاف والإنتاج، خاصة وأن موريتانيا تقف اليوم على أعتاب تحول طاقي كبير وبحاجة للخبرة الجزائرية والتكوين ."
أن وضعنا شبيه بتلك الأوضاع التي تقف معنا فيها الحزائر وقفة الشقيق ففي الوقت الذي يتجه فيه الوزير الأول الموريتاني المختار إلى الجزائر في إطار اللجنة العليا المشتركة، في هذا الظرف الحساس والدقيق ، لا يذهب فقط كوزير أول ليناقش أعمال دورة تعاون اعتيادية بل يطلب أحد تلك المواقف الجزائرية المعهودة؛ فنحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى "سند وشقيق" قبل أن نكون أمام "اتفاقات مصالح".
موريتانيا اليوم، في ظل أزمة عالمية تتجاوز قدراتها وطاقة صبرها إذا ما استمرّت الأزمة ، تحتاج بشكل ملحٍّ إلى تأمين إمدادات المحروقات (من مازوت وغاز)، وهذا الملف بيد إخوتنا الجزائريين الذين خبرناهم في السراء والضراء.

وكم ستكون فرحة الشعب الموريتاني عارمة -وهو الذي لا يملك مخزوناً من المازوت يكفي لأكثر من شهرين، ويعاني من الارتفاع الجنوني لسعر الغاز المنزلي- حين يصله خبر بأن الجزائر "القلعة" لن تضيّع جارتها وستؤمن لها حاجتها من هذه المواد الحيوية في ساعة العسرة . إن جزائر الأمس هي جزائر اليوم؛ نفس الرجال ونفس الطباع، وموريتانيا كذلك لا تزال على العهد، تؤمن بأن العلاقة مع الجزائر الشقيقة هي علاقة استراتيجية وأخوية، وهي أعمق وأسمى من أي حسابات أخرى.

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار