الثلاثاء
2026/01/13
آخر تحديث
الثلاثاء 13 يناير 2026

الاستجابة لفيروس كورونا تعكس الفِكر الجديد في أفريقيا / القاسم وان

23 يوليو 2020 الساعة 13 و20 دقيقة
الاستجابة لفيروس كورونا تعكس الفِكر الجديد في أفريقيا / (…)
القاسم وان
طباعة

مع إلقاء الضوء على السرعة التي تأقلم بها المجال الدبلوماسي الأفريقي مع الواقع الجديد لممارسة العمل، تبرز هذه النسخة من التأمات الدبلوماسية التي تصدرها أكاديمية الإمارات الدبلوماسية المشاورات الافتراضية العديدة بين صانعي القرار لرسم الطريق المشترك للمُضي قدماً.
وتتساءل أيضاً عن التطور الذي سيحدث في العمل عن بُعد في الفترة المقبلة، بعد أن لجأت إليه الأجهزة البيروقراطية الدولية الأفريقية بهدف مواصلة سير العمل. قلبت أزمة فيروس الكورونا كل النظم العالمية، وكاد العالم يتوقف تماماً. في أفريقيا، فإن السيناريو المخيف الذي يخشاه الكثيرون لم يحدث، حتى الآن، رغم أن عدد الحالات يبدو في الوقت الحاضر أنه يأخذ منحى تصاعدياً. وفي حين أن أعداد الإصابات لا تزال منخفضة مقارنةً بمناطق أخرى، إلا أن هناك إدراكاً بأن الدول الأفريقية ينبغي أن تظل على أهبة الاستعداد، في ضوء السرعة التي انتشر بها الفيروس في دول لديها نظم صحية أقوى.
الآثار الأشد فتكاً بالنسبة لأفريقيا من المرجح أن تكون النواحي الاجتماعية والاقتصادية. وهذا لا يثير الدهشة. فالاقتصادات الأفريقية يهيمن عليها في الغالب القطاع غير الرسمي، والذي تحمّل العبء الأكبر جراء الإغاق وغيرها من إجراءات تقييد الحركة التي فُرضت لمكافحة الوباء، مما يزج بملايين البشر في فقر أشد. وكذلك وقعت تأثيرات سلبية على العاملين في القطاع الرسمي.
وما يزيد الأمور سوءًا هو الركود الاقتصادي العالمي، والذي قلل الطلب على السلع الأفريقية التي تُشكّل معظم صادراتها؛ وأوقف الأنشطة المتعلقة بالسياحة والطيران؛ وخفَّض من التحويات المالية الواردة من العاملين في الخارج. وأحدث الوباء اضطراباً في سلاسل الإمداد، مما رفع بدوره أسعار المواد الغذائية وغيرها من المواد المستوردة. لقد كان لانهيار أسعار النفط تأثير متباين؛ فقد زادت الضغوط على الدول التي تعتمد على النفظ لمعظم عائداتها من النقد الأجنبي، دون فائدة ملموسة للدول المستوردة في ظِل التراجع الاقتصادي
العالمي.
وما علينا سوى الانتظار لمعرفة صورة أكثر وضوحاً عن تأثير الوباء على القارة. ومن المفيد في هذه الأثناء الحديث عن السرعة التي تأقلم بها المجال الدبلوماسي الأفريقي مع الواقع الجديد لممارسة العمل. ويتبين ذلك من المشاورات الافتراضية العديدة بين صانعي القرار لصياغة الطريق المشترك للمضي قدماً. فقد نظّم مكتب الجمعية العامة للاتحاد الأفريقي لرؤساء الدول الأعضاء وحكوماتها، والذي يتألف من خمس دول ويتولى دور التنسيق بين الدورات العادية، العديد من الاجتماعات الافتراضية منذ شهر مارس، ومنها بعض الاجتماعات مع مجموعات اقتصادية إقليمية. وعُقِدت فعاليات مماثلة في الكثير من التجمعات الإقليمية ودون الإقليمية.
ومثلما هو الحال في بقية دول العالم، فإن التحول إلى الدبلوماسية الافتراضية من المرجح أن يستمر بعد الوباء، مما يتطلب في الحالة الأفريقية ضخ استثمارات أكثر في البنية التحتية لدعم الاتصال السريع والموثوق وتجديد الاهتمام بالأمن الإلكتروني. ولم يتضح حتى الآن مدى التطور الذي سيحدث في العمل عن بعد في الفترة المقبلة، والذي لجأت إليه الأجهزة البيروقراطية الدولية الأفريقية بهدف مواصلة سير العمل.
تعكس المشاورات العديدة التي تم تنظيمها على مدار الشهور القليلة الماضية قناعةً راسخةً بأن العمل الجماعي هو أفضل السُبل للتصدي الفعّال للتحديات التي تواجهها أفريقيا. وفي إطار
إستراتيجية التصدي لوباء الكوفيد- 19 ، اتخذ الاتحاد الأفريقي خطوات لتعزيز قدرات المركز التابع له للوقاية من الأمراض بوسائل منها إتاحة المساهمات المالية )CDC( والسيطرة عليها
الطوعية من الدول الأعضاء؛ لتمكينه من قيادة الجهود الرامية لمكافحة الوباء على مستوى القارة. وبجانب المعلومات التي نشرها المركز الأفريقي للوقاية من الأمراض عن تطور الوباء
يومياً، فإنه درّب العاملين في القطاع الصحي من دول أفريقية مختلفة، وساهم في اللقاءات بين المتخصصين عبر المؤتمرات الإلكترونية الدورية، وأرسل خبراءً للمشاركة في التصدي للوباء، وأطلق الشراكة لتسريع اختبارات فيروس الكوفيد- 19 ، بهدف تحقيق زيادة ملموسة في الفحص وتتبع المخالطين والعاج.
ودعم أيضاً الجهود التي قادها رئيس الوزراء الأثيوبي ومؤسسة سلسلة دبلوماسية مكافحة الأوبئة تعكس الفِكر الجديد في أفريقيا يوليو 2020. حقوق النشر: أكاديمية الإمارات الدبلوماسية 2020 ببيان إخلاء المسؤولية: الآراء الواردة في هذه الوثيقة تُعبَّر عن رأي المؤلف فقط ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر أكاديمية الإمارات الدبلوماسية، جهة اتحادية مستقلة، وكذلك لا تعبر عن وجهة نظر
حكومة دولة الإمارات العربية المتحدة.
جاك ما، والتي تم خلالها توزيع ملايين الاختبارات التشخيصية
وغيرها من التجهيزات على الدول الأفريقية عبر شركة الطيران
الأثيوبية.
وتشمل الخطوات الأخرى التي نفذها الاتحاد الأفريقي حشد
الموارد للدول من خال صندوق مكافحة الفيروس حديث
النشأة والذي تم إنشاؤه في نهاية شهر مارس وساهمت فيه
الدول الأعضاء في مكتب جمعية الاتحاد الأفريقي بمفردها
في البداية بمبلغ 11 مليون دولار أمريكي. وفي حين أن هذا
المبلغ والموارد المالية التي تعهدت بها الدول الأفريقية لاحقًا
قد تكون ضئيلة مقارنة بالاحتياجات، إلا أنه تطور ملحوظ إذا
علمنا أن الاتحاد الأفريقي، حتى وقت قريب، كان يعتمد في
الغالب على التمويل الخارجي لتنفيذ عملياته. وأدى التركيز في
الإصاح المؤسسي المتواصل على التمويل الذاتي إلى بروز
فِكر جديد.
فضاً عن ذلك، تعاون الاتحاد الأفريقي مع القطاع الخاص
في القارة الأفريقية، وهي مبادرة نجحت تجربتها في محاربة
وباء الإيبولا في غرب أفريقيا منذ سنوات قليلة، وتمخض عن
ذلك إنشاء منتدى لقادة الأعمال الأفارقة. وفي هذا السياق،
أُنشئت مؤخرًا منصة للإمدادات الطبية في أفريقيا؛ للربط بين
الدول وبين شركات تصنيع الأدوية لتوفير الإمدادات الحيوية.
وهذه النقطة لها أهمية بالغة، في ظِل ندرة هذه الإمدادات
وأسعارها الآخذة في الارتفاع.
وأخيرًا، بذل الاتحاد الأفريقي مساعٍ لحشد الدعم الدولي،
حيث دعا إلى إلغاء الديون وتقديم حزمة إغاثة شاملة للدول
الأفريقية. وتم تعيين فريق من المبعوثين الخاصين لحشد
التأييد لهذه القضية نيابة عن القارة. ومن المهم بنفس القدر
أن أفريقيا دافعت دفاعاً قوياً عن دور منظمة الصحة العالمية
ودعوتها للتضامن العالمي، بما في ذلك ضمان إتاحة أي لقاح
لمحاربة الفيروس للجميع.
ولا يقتصر التعاطي الأفريقي مع الموقف على مجال التعاون
بين الحكومات، بل أن منظمات المجتمع المدني والمفكرين
وغيرهم من المواطنين المهتمين بهذه القضية شاركوا في
هذه الجهود بنشاط. وأبرز الجوانب هنا هو النقاشات الحيوية
التي تحدث في المنصات الإلكترونية وغيرها والخطابات
المفتوحة إلى القادة الأفارقة، والتي تظهر جميعها قوة
المشاعر الأفريقية المشتركة في القارة. الخلاصة الرئيسية من
هذه المبادرات هو ضرورة أن تنفذ أفريقيا إصلاحات جوهرية
لمعالجة نقاط الضعف التي كشفها الوباء وتستعيد سيادتها.
ويبدو مما سبق أن أفريقيا نجحت إلى حد بعيد في مجال
العمل الجماعي، وذلك على النقيض من التيارات القومية التي
نشاهدها في مناطق أخرى. ولهذا السبب، فإن الخطاب السائد
الذي يبرز الجهود الأحادية الجانب في مواجهة الأزمة، في حين
أنه دقيق في المجمل، فإنه بحاجة إلى المزيد من الدقة. وهذه
النقطة لها أهمية ليس في تقييم التجربة الأفريقية وحسب،
بل والتجربة الأوروبية أيضاً، والتي قامت فيها الدول الأوروبية
بتعزيز جهودها بعد الإخفاقات التي حدثت في البداية. ويُعتبّر
صندوق التعافي من فيروس كورونا مثالًا بارزًا؛ لأنه يقوم على
إصدار سندات من جانب المفوضية الأوروبية. وإذا نجحت هذه
الخطوة، فإنها ستكون قفزة عملاقة إلى الأمام.
تعكس المشاورات العديدة التي نظمها
الاتحاد الأفريقي على مدار الشهور القليلة
الماضية قناعةً راسخةً بأن العمل الجماعي
هو أفضل السُبل للتصدي الفعّال للتحديات
التي تواجهها أفريقيا.
وبينما تستحق الجهود الأفريقية الثناء والتقدير، فا يزال هناك
مجال لترسيخها وتوسيعها مع استغلال الجانب المتعلق بأنه
في وقت الأزمات فإن الأفكار التي كانت تبدو في الفترات
العادية غير واقعية يمكن أن تحظى بقبول واسع. وهناك
قضيتان منفصلتان تستحقان كل العناية والاهتمام: القضية
الأولى هي التصدي لأوجه الضعف الهيكلية التي أظهرتها
الأزمة بجاء بداية من الخدمات الصحية المتردية وغيرها من
الخدمات ومرورًا بأوجه الضعف الشديدة الناتجة عن اعتماد
اقتصادات القارة المفرط على الدعم الخارجي وعلى استيراد
معظم ما تستهكله؛ والقضية الثانية هي الاستفادة الأفضل
من الطاقات الهائلة التي أبرزتها الأزمة، ومنها الإبداع والبحث
عن حلول محلية.
ولا تعتمد الاستجابة هنا على إحياء الجهود لتقوية نظم
الحكم بكافة أشكالها ودعم البيئات المواتية لذلك وحسب،
وإنما تشمل أيضاً تسريع وتيرة التكامل، بما في ذلك تطوير
سلاسل قيمة إقليمية.
في الوقت الذي يواجه فيه النظام متعدد الأطراف واحدةً
من أصعب مراحله، فلن نغالي مهما قلنا عن أهمية وضرورة
تنشيط هذا النظام. وكما أوضح الوباء، فإن التحديات العالمية
لا بد من مواجهتها بجهود جماعية. الالتزام بالنظام متعدد
الأطراف بالنسبة لأفريقيا ليست مسألة مبدأ وحسب، ولكنه
أيضاً قضية قائمة على المصلحة الذاتية المستنيرة. فا يوجد
إلا المحافل متعددة الأطراف أمام القارة الأفريقية لتخفيف
حدة اختال التوازن الذي تتصف به موازين القوة الدولية
وضمان النظر بعين الاعتبار إلى الشواغل الأفريقية. ولهذا من
المهم للغاية أن تتبنى أفريقيا نهجاً إستراتيجياً أكثر وضوحاً حول
أفضل السبل لتحقيق الهدف الذي تضعه نصب عينيها منذ
زمن طويل وهو نظام متعدد الأطراف فعّال وشامل للجميع.
ومثلما هو الحال في أي أزمة، فإن الوضع الحالي بمثابة فرصة
أيضاً ينبغي أن تنتهزها القارة لتمضي قدماً في جدول الأعمال
الذي وضعته لنفسها. وفي حين أن أفريقيا أظهرت التزاماً
بالعمل الجماعي في مواجهة الوباء، فما علينا إلا أن ننتظر لنرى
ما إذا كان ذلك سيُترجم إلى تجديد العزم والتصميم لدى القارة
على المواجهة المباشرة لمشاكلها الهيكلية الكامنة، وتسريع
التكامل، وضخ دماء جديدة في النهج متعدد الأطراف. وينبغي
أن نراقب الوضع عن كثب في الفترة المقبلة لنتبين الاتجاه
الذي ستسير فيه الأحداث.