الخميس
2021/08/5
آخر تحديث
الخميس 5 آب (أغسطس) 2021

سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله كما عرفته / محمد محمود ولد بكار

24 تشرين الثاني (نوفمبر) 2020 الساعة 14 و01 دقيقة
سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله كما عرفته / محمد محمود ولد (...)
محمد محمود ولد بكار
طباعة

في زوال أحد أيام الإثنين، خلال شهر سبتمبر 2005، دلفت إلى قاعة انتظار مكتب رئيس الدولة. وكانت تلك المرة الأولى التي أدخل فيها على الرئيس حينها العقيد إعل ولد محمد فال تغمده الله برحمته، فوجدت داخل القاعة المغفور له بإذن الله سيدي ولد الشيخ عبد الله، فانحنيت لأسلم عليه، فأبى إلا أن يقف ملْء قامته لكي يسلم عليّ، وظل يربت بيده اليمنى على كتفي، وأجلسني بجانبه على نحو فاجأني وكأنه يعرفني أكثر من الواقع، وذكر لي أنه يتابعني من خلال الصحافة. وقال لي انه كان منسقا لمشروع زراعي تموله الكويت لدولة النيجر وقد تم التجديد له، وأن وزير الزراعة النيجري كان دائم الإتصال عليه، ومنذ أيام صار الرئيس النيجري يتصل عليه شخصيا ويحثه على القدوم بسرعة، وأنه عبر هذا اللقاء مع الرئيس إعل سوف يحدد هل سيذهب أم لا. وعند نهاية جملته الأخيرة استدعاه قائد حرس الرئيس عالي ولد علوات، وكأنه كان ينتظر أن ننهي حديثنا. دخل إلى مكتب الرئيس دون أن يجعلني أنتظر كثيرا ثم خرج مسرورا، وإذا بنفس الرجل يستدعيني للدخول حيث كان هو عند ظهره، وقال لي، عندما صرت بجانبه: أريدك أن تمر عليّ لأنني قد لا أسافر للنيجر. دخلت أنا بدوري على الرئيس إعل وطلب مني القدوم إليه في المنزل مساءً، وقد حصلت، منذ ذلك اليوم، على علاقة مع رجلين من معدن أخلاقي نفيس .
ذهبت إلى سيدي في منزله ليكشف لي عن عزمه على الترشح، قائلا: منذ مدة وأنا أستقبل بعض الأصدقاء وبعض السياسيين الذين يطلبون مني الترشح، لكنني كنت أريد التأكد من نية المجموعة التي دبرت الانقلاب، وبأن ليس لديهم مرشح. واليوم تأكدت من تلك المعلومات وبالتالي سوف أستجيب لطلب أصدقائي بالترشح. وذكر لي بعض الأسماء من جيله، وطلب مني دعمه فأجبت بالإيجاب على الفور مقابل "رجاء"، لكي لا أقول شروط، وقد لباه بحماس وكأنه جزء من تفكيره. ومنذ ذلك اليوم ارتبطت به وصرت أقابله متى شئت. كنت في حملة خاصة متصلة به شخصيا، وقد عايشته خلال تلك الفترة عن قرب واكتشفت فيه خصلتين: الأولى أنه لا يتأثر بالضغوط مهما كانت، وقد حدثني هو شخصيا في إحدى زيارتي له، في قرية لمدن بعد الإطاحة به، أنه عندما ذهبوا به إلى مقر قيادة الحرس الرئاسي ووضعوه في غرفة تتلقى هواء باردا من باب مُشرع على هواء طلق، وكان بالبيت طاولة عليها كتاب وبجانبها سرير، تناول الكتاب بين يديه وأخذ يقرأه وهو متكئ على قفاه، وكانت الغرفة هادئة إلا من ذلك التيار البارد وذلك الظل الوارف، فتسلل الكرى إلى جفنه ونام نوما عميقا، وكان بين الفينة والأخرى يتسلل إليه أحد الجنود بأمر من محمد ولد عبد العزيز ويلقاه مازال يغط في نومه العميق، الأمر الذي يثير استغراب عزيز الشديد من درجة راحة باله في حين أنه يواجه مشكلة كبيرة، ليقول لي في نهاية القصة أنه لا يقع أبدا تحت الضغط. وقد كنت عايشت بعض ذلك فكنت كلما جئته قلقا بشأن بعض أمور الحملة أو في لحظات صعبة وحرجة أجده وكأن ذلك الأمر الذي يقلقني ضرورى الحدوث بالنسبة له هو.. كما كان أثناء المجابهة الكبيرة مع الإنقلابيين يظهر وكأنه غير مكترث في حين أنه لا يتزحزح عن موقفه تحت أي ضغط. كان يقول لنا باستمرار ودون مجهود للإقناع، وكأن الأمر بديهي: أنا لست مثل الآخرين، لا يمكنني أن أشارك في قلب الحكم لأنني أقسمت على ذلك، وليس حبا في السلطة. وكنت أشعر حيال ذلك بالغصب، ومن فرط حماسي ذهبت إلى فرنسا قبل وفد الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية، وبمساعدة أخي العزيز وصديقي الشخصي المحامي اللامع جمال ولد محمد الطالب الذي رتب لي لقاء بمستشار الرئيس الفرنسي المكلف بالملف الموريتاني (رومينه سرمينه) فور مقدمي، ووجدته يفور من الغضب، وقال لي أن الرئيس الفرنسي مستاء من الإنقلاب الذي سيفسد المنطقة ويشكل تراجعا خطيرا في الأشواط الكبيرة التي قطعت في توكيد الديمقراطية في إفريقيا، وأنهم أبلغوا الإنقلابيين بذلك، مضيفا: لقد كان الجنرال غزواني هنا منذ يومين وأبلغناه موقفها القوي الرافض للإنقلاب، لكنه ذهب إلى قطر دون أن يدري أننا نحن وقطر لدينا تنسيق قوي. وقد شرحت له طيلة الساعة وأربعين دقيقة التي أمضيتها معه أن مسألة الفشل الأمني وخطر الإسلاميين مسؤولية الإنقلابيين، لأن ولد الشيخ عبد الله بعد نجاحه منحهم جميع الصلاحيات المرتبطة بالملف العسكري والأمني وهم من عينوا أنفسهم على قيادة الجيش متجاوزين 40 عقيدا أقدم منهم فعزلوهم، وعينوا فريقهم وخاصتهم، وأن الفشل فشلهم. وأوضحت له قضية المسجد في الرئاسة وقضية التجانيين وغيرها. وتحدثنا عن الخريطة الجوبولتكية وتأثرها من فشل موريتانيا خاصة ملفات الهجرة والمخدرات والحركات المتطرفة وغيرها في منطقة تساوي مساحة أوروبا خمس مرات تقريبا... ثم تبادلنا العناوين وحملني رسالة سرية بأنه سيقوم بزيارة لسيدي ولد الشيخ عبد الله وأنه يريد منه الحفاظ على موقفه. عدت إلى موريتانيا وأخبرت الرئيس بكل ما دار من حديث، ورد كعادته دون أي اندفاع من حماس تخاله وكأنه على علم مسبق بالمسألة، بأنه ثابت على موقفه وأنه ينتظر.

 بعد أسبوع تقريبا، جاء المستشار الفرنسي في طائرة خاصة وتوجه مباشرة إلى قرية لمدن، وبعد فترة وجيزة تغير الموقف الفرنسي إلى التخلي عنا وبدأنا نخسر الرهان الدولي. قمت بإعداد خارطة طريق ترضي جميع الأطراف للخروج من المأزق، وقدمتها له وناقشناها. قال لي: "إذا قبلها الطرف الآخر" في إشارة إلى أنه لا مشكلة لديه. مررت بالمبعوث الدولي، الديبلوماسي المحنك وصاحب الخبرة الكبيرة في الوساطة بين الأطراف المتنازعة أحمدُ ولد عبد اللّ، وعرضت عليه الخارطة. قال لي: أنا منذ مدة أعمل في هذا المجال، وهذا من أحسن ما مرّ بي كحل. غمرني ذلك بالطموح فتوجهت إلي ليبيا في محاولة للوصول للمغفور له بإذن الله القائد معمر القذافي. اتصلت بصديق لي من النظام يدعى إحسين إسويعدي فقال لي أنه خارج طرابلس. وقبل يوم من مغادرة القذافي إلى موريتانيا جاء اسويعدي إلى طرابلس فعرضت عليه الخطة فانتشى لها أيما انتشاء ورفع السماعة ليتحدث إلى مدير ديوان القذافي، وقال له بمزيد من الإطراء ان معه صديق موريتاني من النخبة البلد لديه مقترح للخروج من الأزمة الموريتانية واصح وصريح ويمكنه أن يساعدهم في حل الأزمة وهم ذاهبون لذلك، فهل بالإمكان أن نربط له اتصالا بالقائد؟ فأجابه للأسف أن القائد في الطريق للمطار .
كان مسارا طويلا، أظهر فيه المرحوم سيدي رزانة وثباتا وتحديدا لأهدافه بشكل متقطع النظير دون أي تأثر بالضغوط فلم نلاحظ دقيقة واحدة أي لين في الموقف رغم اللين في السلوك والأخلاق وقد عبر عن ذلك في خطاب إستقالته.

أما الأمر الثاني فهو الأخلاق العالية وحفاظه على نفس القاموس الأخلاقي في التعامل مع الآخرين على نحو لا يحول ولا يزول. يحافظ عليه أثناء الرخاء والشدة وأثناء الفرح والترح ، فقد تحدثنا مرات عديدة عن الإنقلاب وعن محمد ولد عبد العزيز ومحمد ولد الغزواني، فلم يتحدث عن الأول بأي كلمة جارحة ولا بسخرية ولا باستهزاء بينما كان يملك انطباعا خارقا عن حسن خلق الثاني. وخلال كل مشواري معه ، وللمرة الوحيدة التي سمعته بها يتحدث عن أحد لم يعجبه مسلكه في معرض الحديث عن شخص نعرفه كلانا- قال لي: "إفلان ذاك ماهُ بايْكَه". وقد كنت عندما أتصل به هاتفيا ويكون في قرية لمدن يقول لي "انتوم أهل نواكشوط فيكم لِغبه"، في إشارة إلى التنصت. كما يداعبني دائما بالقول، خاصة بعد سنة على الإنقلاب عندما أتصل به: "آن متوحشك هذا الزمن إمفرّغْ من لصحاب"، في إشارة إلى أنه لم يعد يتلقى اتصالا من أحد. وكنا نتبادل ضحكات في الموضوع يتطلب كبحها بعض الوقت لأنه كان مرحا ودودا لبيبا، وكنت أفهم لغته وكان معجبا بذلك، وكان ذلك مرد ضحكاتنا العميقة الممزوجة بالشعور بالسعادة والغبطة للتفاهم، وفهْم ما بين السطور. وكنا نتبادل خلال ذلك إشارات بالإستيعاب.

كانت مكالماتي ولقاءاتي معه فرصة حقيقة للتعلم. لقد كان رحمه الله تام العقل والإدراك، غاية في التعفف عن المال العام، فقد قال لي بعدما استدعاني في الجناح الذي يقيم فيه في فندق في سرقسطة في إسبانيا أثناء زيارته الخارجية الأخيرة قبل الإنقلاب عليه: "لعلك تستمع للحديث الذي يدور في نواكشوط عن منظمة هذه المرأة التي يحول بيننا معها هذا الباب"، في إشارة مؤدبة لزوجته ختو بنت البخاري التي كانت في غرفة نوم الجناح الذي نجلس في صالونه الوثير، حيث قام ولد عبد العزيز بتكوين لجنة برلمانية للتحقيق في مصادر تمويل منظمتها. قال مردفا: ليس بإمكانهم فعل شيء ولا متابعتها، لأنني كنت قد امتنعت في البداية عن الموافقة على إنشاء تلك المنظمة، لكن ختّو أقنعتني بأننا لا يمكننا أن نتخلى عن الناس الضعاف الذين دعمونا، وليس لدينا طريقة لمكافأتهم سوى الحصول لهم على تمويلات ودعم خيري، فقلبت إنشاء تلك المنظمة، لكن بشرط أن لا تستفيد بأوقية واحدة من خزينة الدولة. واليوم أؤكد لك أن هذه المنظمة لم يدخلها ربع أوقية من ميزانية الدولة، وبالتالي ليس بإمكانهم متابعتها. وكانت هذه المعلومات موضوعا لمقال نشرته صبيحة اليوم الموالي في جريدة العلم دون الإشارة للمصدر. تناولنا بعد ذلك مصير العلاقة والرجلين عزيز غزواني (...).
لقد كان الفقيد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله شيقا لطيفا، دقيقا في الرواية، لم أر شخصا في مثل أخلاقه. إن موته ثلمة حقيقية في الدين. أرجو له من الله العلي القدير المغفرة والرحمة ولأسرته الصبر والسلوان وإنا لله وإنا إليه راجعون، وأرجوا من كل المواطنون السماح له فقد تولى شؤونهم فترة قصيرة .