السبت
2022/05/28
آخر تحديث
الجمعة 27 مايو 2022

محمد محمود ولد بكار يكتب: وفاة أحمد ولد محمد صالح رحيل تراث حقبة المختار

16 يناير 2022 الساعة 21 و00 دقيقة
محمد محمود ولد بكار يكتب: وفاة أحمد ولد محمد صالح رحيل تراث (...)
محمد محمود ولد بكار
طباعة

علمت، بعد عودتي من بادية بعيدة، حيث يتفضل الله على عبده بالانقطاع عن صخب الحياة الذي تأتي به الهواتف، خاصة تلك المربوطة بالإنترنت، دون تنكر لفوائدها في بعض الأوقات، بوفاة الوالد أحمد ولد محمد صالح الذي تعرفت عليه بواسطة الوالد والأخ العزيز الدّي ولد إبراهيم ولد بكار أطال الله عمره، فقد كانت العلاقة بينهما وطيدة منذ عهد التكوين في فرنسا، إضافة إلى أنهما يتقاسمان بعض القيم التي كانت أساسية في حياة الرعيل الأول، وهي إضافة إلى الصدق والأنفة، التشبث بالصداقة، فقد كلف تشبث الدّي بعلاقته ببوياگي مركزه في الدولة، وتشبث أحمد ولد محمد صالح بعلاقته بالدّي حتى وهو في أقصى المعارضة ويتزعم الحراك من أجل إسقاط ولد داداه خاصة من خلال استقطاب أغلبية شيوخ القبائل ضده واستدعائهم لانواكشوط لنفس الغرض، ومع ذلك ظل عنوان الدّي الثابت في انواكشوط منزل صديقه أحمد ولد محمد صالح رحمه الله، ولا يعرف أحد -بما في ذلك الدّي- الثمن الذي يدفع أحمد مقابل ذلك !.
بعد لأيٍ، حصلت منه على مقابلة استثنائية سنة 1999 نُشرت في جريدة العلم التي كنت أديرها مع كوكبة من الصحفيين اللامعين، وكانت أول حديث عام له بعد الانقلاب، تضمنت الكثير من المفاجئات، وظهر من خلالها أنه لم يحافظ على المركز الأول في نظام المختار هبة أو صدفة أو ضمن التوازنات، بل لأنه كان المهندس الحقيقي لخروج المختار من عدد من المآزق، والمخطط لكثير من القرارات المرتبطة ببقاء المختار في السلطة.

فخلال سنة 1960 كان حبس جماعة النهضة التي نظمت مؤتمر كيهيدي سنة 1959 كردة فعل على مؤتمر آلاگ سنة 1958، وكانت سلافة معارضة المختار ولد داداه في الداخل التي تحظى بدعم جماهيري داخل المدينة الوليدة التي لم يتجاوز عدد سكانها الألف شخص تقريبا، يشكل مأزقا كبيرا في حين تحاول معارضة الخارج بدعم صريح وقوي من المغرب نسف الدولة وعرقلة الكيان بجميع الوسائل، وكان المرحوم أحمد "كوماندَ سَرْكَل تگانت " (والي تگانت) حينها في زيارة لمدينة تيشيت، وخلال ذلك مرّ بالمجموعة المذكورة في سجنها والتي تضم كلا من هيبة ول همدي، بوياگي ولد عابدين ، وأحمد بابه ولد أحمد مسكه، رحمهم الله ويحيى ولد منكوس حفظه الله ، ودخل معهم في نقاش صريح، موضحا أنه ليس مفوضا من طرف السلطة، وأنها مجرد مبادرة شخصية منه، وسيحمل كل ما يتوصل إليه معهم إلى الرئيس المختار رحمه الله، وكان ذلك من نتائج الطاولة المستديرة التي وحدت الجبهة الداخلية خلف المختار.

الموقف الثاني، وهو في الحقيقة أزمة سياسية وشرعية كبيرة للمختار عند دعمه ترشيح الشيخ سعدبوه كان لرئاسة البرلمان ضد سليمان ولد الشيخ سيديا الذي كان على خلاف جوهري مع المختار، بل كان في صف المختار ولد يحيى انجاي وكانا كلاهما من أنصار النظام البرلماني على نمط الجمهورية الفرنسية الرابعة، وقد ظل هذا هو السبب أو العذر المباشر لتصفيتهما السياسية من طرف المختار ، وكانت جهود النواب صريحة متجلية في تصويت 4 أو 5 من النواب لمرشح الرئيس وهي انتكاسة كبيرة لشرعية رئيس بحجم القائد الذي لم يأت على انتخابه بأغلبية ساحقة أكثر من سنتين ونيف، وقد كان من الواضح أن شرعية المختار اهتزت عندما تم التصويت مرة أخرى في الجمعية ضد مقترح استقلالية الجمعية الوطنية المالية الذي صادق عليه المكتب التنفيذي للحزب ورفضه البرلمان ب 11 صوتا مقابل 6 و3 امتنعوا عن التصويت ، وهكذا دخل المختار أزمة شرعية لا ينفعه معها سوى الاستقالة أو التخلص من المحور الكبير الذي انسجم ضده ، فقد كان نواة لمعارضة داخلية قوية وقادرة على تصفيته ، وكان اجتماع الحزب فاتح اكتوبر 1963 القشة التي قصمت ظهر البعير، فبعد انسحاب المختار من الاجتماع أثناء هرج ومرج اتضح فيه أن المختار فقد السيطرة والشرعية كانوا ينوون استبداله في نفس المؤتمر في اليوم الثالث من المؤتمر، وكانت جهود أحمد وتخطيطه هما من أنقذ الوضعية حسب المعارضة حينها التي قالت إن أحمد هو من أشار إليه بالانسحاب من ذلك الاجتماع الذي بدأت الأصوات فيه تعلو على صوت الرئيس، وبعد ذلك من أشار إليه بمخطط مؤتمر كيهيدي للشباب يناير 1964 وتحويله إلى مؤتمر استثنائي للحزب تم خلاله "بضربة معلم" التخلص من رؤوس الحربة في مناهضة سلطته وغيّر موازين اللعبة وكرس سلطة المختار السياسية المطلقة، حيث قلص من قوة بعض الشخصيات، وفصل الكثير من الوظائف عن بعضها، وفرض توقيع الاستقالة البيضاء قبل القبول بالترشح لمقعد نائب مما اضطر أكبر خصومه لرفضها والاستقالة من الحزب من أمثال المختار ولد يحي انجاي وسليمان ولد الشيخ سيدي ولا حقا الدّي ولد ابراهيم وبوياگي ولد عابدين وحمود ولد أحمدُو وشيخن ولد محمد لقطف من وظائفهم المختلفة وغيرهم …ومنذ ذلك الحين تكرست سلطة المختار وسيطرته على الدولة والحزب .
أما الموقف الثالث فيتعلق بتقييم إضراب ازويرات حيث كان أحمد قد غادر الداخلية إلى الحزب حيث يعتبر أن الدولة حينها وقعت أمام الدفاع عن نفسها أو الفوضى والاضمحلال إذ لم يكن في ازويرات سوى عدد قليل من عناصر الأمن فإما أن يتركوا المدينة وشركة اسنيم للمضربين وإما أن يواجهوهم بالرصاص الحي ووصف القرار الذي اتخذه النظام حينها بأنه الخيار الوحيد الذي ترك المضربين للدولة وأن المصلحة العليا لاستمرار الوطن وهيبة الدولة تقتضي أن لا تترك الدولة تسقط في يد المضربين وكان ذلك تقييما للموقف حينها .

كان في مقابلته رحمه الله يجسد رجل الدولة الذي يعمل بمقتضيات القناعة بأهمية الدولة وقوة القرار الوطني، وكانت أجوبته صريحة ودقيقة وصارمة ومن دون تردد، وكانت الأمور واضحة في ذهنه، كما لو أنها وقعت لتوها، وكان غير نادم ولا متشكك في أهمية قراراته حتى بعد هذه المسافة الزمنية الطويلة، فقد ظل يرى أنه كان على صواب وأنه كان يتصرف وفق مصلحة الوطن .
لقد فجر في مقابلته تلك قنبلة سياسية كبيرة قلبت معلومات كثيرة تتعلق بنضال الكادحين حينما قال إنهما أي هو والمختار كانا على قناعة تامة بتأميم ميفرما وأنهما اتخذا ذلك القرار 1972 ولم يكن تنازلا لأي ضغط سياسي لكن هذا النوع من القرارات تلزمه شرعية وطنية دون أن يواجهه أحد حينها من جماعة الكادحين .
كانت المقابلة بحضرة الدَي ولد إبراهيم الذي أثار قضية جريدة بوياگي التي تمت مصادرة أجهزتها حيث قال له أنتم لم تكونوا ديمقراطيين فقد أرسلتم الشرطة لسرقة أجهزة جريدة بوياگي ،فقال له أحمد "تعرف أن بوياگي لم يستطع تمويل جريدته فقام "أُسوق إعلين أحن " فضحكنا فسألتهما عن القصة فقال لي الدّي إن بوياگي بعد إقالته من الحكومة صار زعيم معارضة المختار وأسس جريدة وكانت ذائعة الصيت وبدلا من تحريمها علنا أمروا الشرطة أثناء الليل بسرقة أدوات الطباعة، ولم يعترفوا بالعملية ، فرد عليه أحمد "الحقيقة تلك التي سبق وأن جاوبتكم بها أنت وبوياگي في أحد الأيام وفي مقيل معي هنا ، حيث قال لي بوياگي عندما نأخذ نحن الحكم فسوف ننتقم منكم فرددت عليه ،عندما تأخذون أنتم الحكم فسنكون نحن معارضتكم وسنؤسس صحيفة ونعجز ماديا عن طباعتها ونقول بأنكم أنتم سرقتم أجهزة جرائدنا مثل حالتكم أنتم الآن وينتهي الموضوع،فضحكنا ".
لم أستطع أن ارتاده بعد ذلك كثيرا بعدما اكتشفته في وقت متأخر للأسف ، وقد كان فعلا يفوق الهالة التي أحاطه بها الموريتانيون فترة شغله لمنصب وزير الداخلية والذراع الأيمن للمختار ولد داداه رحمة الله عليهما .
وبغيابه يكون أسدل الستار على ثاني أكبر شخصية من الرعيل الأول في نظام المختار أرجو له من الله العلي القدير المغفرة والرحمة ولذويه الصحة والعافية ،وأن يكون قد سطر لنا مذكرات تتضمن معلومات عن تلك المرحلة وتفسيرا لكثير من القرارات الكبرى خلالها.
محمد محمود ولد بكار