متى سيحكم ولد الغزواني أو متى ستنجح موريتانيا؟(الحلقة الثانية)
يضعنا هذا المقال أمام إشكال مكرر في الزمن،قد يقود إلى نفس النتائج التي تسبب فيها الإضطراب في السلطة سنة 2007-2008 عبر فترة من عدم الثقة في الرئيس القائم كأول مصدر للقرار، أو بسبب عدم معرفة أين هو مصدر القرار الحقيقي بالنسبة للمسيرين وللسياسيين في إماءة إلى جهة ما خارج الكرسي تهيمن على القرار، وبالنسبة لسلطة تقوم على الولاء وعلى طبقة سياسية تشكل 70% منها شعبية دائمة للكرسي همها الوحيد وتنافسيتها حول إظهار الولاء والتقرب من الحاكم رأسا، ويمثل ذلك جزءًا كبيرا من الديناميكية السياسية في البلد، إضافة إلى أن عمل الجهاز التنفيذي من أسفله إلى أعلاه مربوط بالتوجهات والتعليمات والأوامر العليا،ولا يوجد من يكتفي بالصلاحيات والإجراءات المثبتة عنده في القانون ،الأمر الذي يربط الحياة العامة بكرسي الرئاسة وليس بالقانون ولا بالإجراءات التي استغنت الدولة عنها خلال العشرية الماضية.
صحيح أن السلطة والإرادة السياسية والأدوات الشرعية لاتخاذ القرار ستفقد جزءًا كبيرا من شرعيتها وجبروتها وبريقها إذا كان الرئيس لا يملك القوة أو الحضور اللازمين لأنهما ضروريان لأي حاكم ولأي قرار. أما إذا كان الرئيس متهما بأنه ليس هو الحاكم الفعلي فسيهدم ذلك الطموحات الاجتماعية القائمة على الثقة في المستقبل وفي الرئيس كشخص يملك زمام أمره، وارتبط الناس بتعهداته وخطاباته في اتجاه مختلف وفي إطار منافسة سياسية حول "البرامج" مما يخلق حالة إرباك شديدة نعيش اليوم مظاهرها بجلاء .
يحاول هذا المقال شرح كيف يمكن تفادي ذلك، بناء على وضعية البلد من خلال الصورة التي رسمها المقال الماضي، في محاولة لتحديد ملامح الإرباك الذي يربط خيط التفكير بفترة سيدي ولد الشيخ عبد الله بسبب تأخر معرفة من بيده السلطة، حينها كان ولد عبد العزيز في الخلف ويملك كل القوة العسكرية والسياسية وله بريق من حيث الإلتزام بالديمقراطية والتناوب. ومع أننا اليوم نعيش نفس حالة الإرباك إلا أن ولد عبد العزيز في الشارع ومتابع باختلاس أموال الشعب ويستعد البعض لملاحقته في كثير من بلدان العالم، ومع اختلاف كبير في ميزان القوى بين الرجلين: فلم يكن سيدي ولد الشيخ عبد الله يملك نفس شرعية الحكم، أي أنه جاء من خارج أدوات اللعبة، كما لم يملك أي تماس بالمؤسسة العسكرية التي ما يزال الحكم بيدها، بينما يملك ولد الغزواني شرعية النظام كاملة ويحمل طموح فئات وجهات سياسية واجتماعية واسعة، أما بالنسبة للجيش فتلك قصة أخرى لأنه مؤسس المقاربة الأمنية التي حافظت على ولد عبد العزيز -رغم شروره- عشر سنوات في السلطة دون أن يقض مضجعه أي توتر داخل المؤسسة العسكرية التي كان يخافها مِلْء عقله، كما يعيش ولد عبد العزيز حالة فرار من مواجهة النخبة والشباب في البلد بسبب ما اقترفت يداه من نهب لأموال شعب يكاد لا يجد قوته اليومي، مع تزايد المعلومات حول مستويات تدفق الأموال على البلد في فترته على نحو غير مسبوق أو في شكل طوفان كما ذكر الخبير الإقتصادي البارز محمد ولد محمد الحسن، ولا تعطي الدعاية الصاعدة من داخل الأغلبية لولد عبد العزيز أي قوة لمركزه لأن مصدرها مشبوه ومشمول في عمليات فساد سيئة، وهي تتحدث عن شرعية بالية ومتجاوزة بالضرورة، ومع كل ذلك ما تزال الثقة ناقصة في الرئيس الحالي ما لم يعط رسائل تحدد، من الناحية الواقعية، قوته كرئيس كامل الصلاحية لا يخضع لأي ضغط من ولد عبد العزيز ولا من المستفيدين من "نظامه"، رغم أن الناس يلتفتون إلى دور ولد عبد العزيز في دعم ولد الغزواني كمزية تقيده في الاستقلالية عنه وينسون دور الأخير في حماية الأول وحمله على ظهره عشر سنوات رغم خشونة مسلكه وسوء تصرفاته. لقد خلقت الوضعية الحالية من عدم الثقة في الانتقال النهائي للسلطة مشكلة في العودة بالنظرة إلى ولد الغزواني إلى الوراء، حيث تجعلنا ننتقل من نقاش كفاءاته وأهليته (كرئيس "منتخب" لمواجهة كتلة التحديات التي خلقها تسيير سابقه وقدرته على خلق الظروف والشروط والإرادة لعلاج الاختلالات بناء على التحديات) إلى سؤال عن حقيقة حدود امتلاكه لصلاحياته الدستورية، بل إلى سؤال أكثر إزعاجا: هل هو حاكم أو محكوم؟.. وهذه إحدى أكبر معضلات وضعنا اليوم، بالنسبة لنظام رئاسي وبالنسبة لدولة من دول العالم الثالث لم تشب المؤسسات فيها عن الطوق، وفي نظام اجتماعي أبوي، وفي مجتمع يمارس النفاق السياسي بشكل مشاع من أجل الرئيس، وهو ما يجعل مركز الرئيس مغالى فيه بشكل أكبر، بل أنه صار هو مصدر الحركية في البلد بالنسبة للمال والإدارة والسياسية، وهكذا تعوّد الكل عندنا أن الرئيس هو "الملهم والمنظر وصاحب الرؤية الثاقبة والتعليمات العليا". لقد خلص المقال الماضي في معالجة المقاربة الأمنية على مستوين :
– أنها ليست أمنية،
– أنها ليست بدرجة الأولوية التي يتم الترويج لها مقارنة بالوضعية السياسية والاقتصادية للبلد، أي أن الملف الأمني ليس هو كل التحدي الأساسي وإن كان على لائحة التحديات العميقة المطروحة على طاولة ولد الغزواني .
كما خلص إلى أن وزن ولد الغزواني داخل كرسي الرئاسة يجب أن يُعرف بسرعة لكي تتحرر الساحة الوطنية من الجمود الذي ران عليها، ولكي لا يتم تزايد الحراك السياسي في الاتحاه الخطأ بناء على معطيات خاطئة، وذلك بتوضيح أمور مهمة مرتبطة بولد الغزواني:
– إما أنه رئيس، ويدير حرب توازن القوى الداخلي وبصمت، على طريقته، وبالتالي لا يريد كشف أوراقه ولا التأثير على أسلوبه الشخصي في تسيير الأمور كما اعتاد، أي أسلوبه هو الذي يعد سر نجاحه في تخليص البلد من بين يدي عزيز، حسب خلصائه.
– إما أنه ليس رئيسا، ليس لأنه لا يريد ذلك، لكنه يخشى الصدام مع ولد عبد العزيز بسبب العقبات التي خلقها تغلغله في كل مفاصل الحياة، أي أنه لا بمكن أن يكون رئيسا دون أن يتعرض لمصالح ولد عبد العزيز ورهطه في الدولة، ولم يحسم بعد قراره بشأن ذلك رغم أن الوضع لا محالة فاجأه في الحقيقة من حيث السوء وطريقة النهب، حسب رأي آخر.
– وإما أنه ليس رئيسا ولا يريد أن يكون رئيسا بالأساس. وفي كل الحالات يبقى السؤال الأهم المطروح بالنسبة للجواب على هذه الإفتراضات هو : هل يُقدّر ولد الغزواني حق التقدير حجم الخطر الذي يتهدده ويتهدد البلد من ورائه حين يستمر في ممارسة هوايته التي من طبعه في الغموض، في حين يتوقف على ذلك مصير بلد بكامله خارجا عن خطورة هذه الإفتراضات.
لا يمكن لهذه الحقيقة إلا أن تتكشف بسرعة نتيجة لحالة البلد نفسها حيث أن ولد عبد العزيز غيّر من طبيعة ميكانيزمات اتخاذ القرار ومن آلية التسيير الإداري والصلاحيات الممنوحة للمسؤولين، وربط كل ذلك بشخصه، وبالتالي حطّم الاتجاه التراكمي للدولة والبرامج والخطط والإستراتيجيات وألغى الإجراءات والمساطر، وعلى ذلك الأساس تغيرت قوة القوانين مقابل قوة تعليماته وقوة الملكيات مقابل جشعه لحب التملك، وانعدمت روابط القطاعات وطريقة تسيير البلد وبدأ يتصرف بارتجالية في دولة مفككة من حيث الإدارة والرؤية، وكان الغرض من كل ذلك هو إعادة توزيع الملكيات وإعادة توزيع ثروات البلد عبر الطرق والمؤسسات التي تضمن هيمنته عليها، وكانت النتيجة أن صارت الدولة لا تخضع لأي ترابط، وأصبح كل قطاع يسير للاستجابة لرغبة وأوامر ولد عبد العزيز من دون أي نقاط مرجعية لا بالنسبة للإدارة ولا من حيث قواعد التسيير ولا الأولويات ولا الالتزام بالتعهدات في مجال الشفافية، الأمر الذي جعل المسؤولية مضاعفة على ولد الغزواني بالنسبة له وللبلد، فبالنسبة لمصلحته -كرئيس يملك برنامجا وله تعهدات زاخرة بالترقية الإجتماعية والتوظيف- يتعين عليه أن يشارك المواطنين في المعطيات المتعلقة بوضع البلد وبالآفاق وبآجال تعهداته وبرنامجه، وبالنسبة للبلد، فمن المهم أن يتم خلق رؤية واضحة حول الآلية الجديدة لاتخاذ القرار ولممارسة السلطة. إن ذلك سيقوده لتوضيح وضعية البلد خاصة إذا كانت ستؤخر بالتأكيد من تنفيذ برنامجه نتيجة لصعوبتها، كما عليه من جهة أخرى -إظهارا للاختلاف الذي حكم كثيرا من عمليات التصويت له في الإنتخابات الماضية- أن يبدأ بالشفافية، ولا يعني ذلك تسير المال والمصالح وحدهما، لكن أيضا تسيير المعلومات المتعلقة بالبلد وبالمواطنين.
إن المواطن بحاجة إلى أن يسمع من السلطة بشكل مباشر عن وضع البلد الذي انتشرت أخباره السيئة على نطاق واسع وخلق ضبابية إضافية لوضع قاتم أصلا سيطرت عليه التكهنات والآراء المتضاربة. سوف يكون من الصعب الخروج بنتيجة ساطعة في نقاش هذا الوضع في ضوء ازدواجية "الأمل والواقع"، أي البحث في القرائن وما وراء المعطيات والعلاقة بين الأحداث والعقل، أو التفكير والبحث في عقل غزواني الباطني انطلاقا من خلفياته الاجتماعية والتكوينية ومن خلال تعاطيه مع الأحداث، أو بالتالي نغوص في مسار علاقته بولد عبد العزيز ومعرفة أيهما كان يسير الآخر، أو أن نبحث في أحداث ومواضيع قائمة تتطلب مواقف واضحة وردات فعل تعطي رسائل واضحة وقوية يمكن معها تحديد التوجهات العامة للحكم ومستوى حضور وقوة وتفكير غزواني.
انتهت الحلقة الثانية




