مع القرآن لفهم الحياة (الحلقة الثالثة)
والعقل بعد أن يصل إلى الحكم بحقيقة وجود الله عن طريق الآثار التي خلقها الله سبحانه وتعالى يرى نفسه عاجزا عن فهم الحقائق المحيطة والمتصلة به، ويرى من الواجب أن يكون هناك اتصال واضح بينه وبين خالقه ليرشده ويهديه إلى الأمور التي يقف عاجزا أمامها ولا قدرة له على حلها. ولما كان العقل محدود (10) والمحدود لا يستطيع أن يتصل بغير المحدود شاء الله العظيم الخالق المدبر أن يتصل هو بنا.
ثم أتت رسل تخبر أنها أرسلت من الله، ببراهين تفوق عقل الإنسان، فأتى موسى وعيسى ثم محمدا صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون البرهان الذي يأتي به الرسل هو المعجزة البشرية التي تثبت حقيقته وتبين هويته، وتظهر رسالته وتؤكد بأنه رسول من عند الله.فالنص(الوحي) لم يكن مجرد نص تعبدي، بل مشروعًا لإعادة تنظيم علاقة الإنسان بنفسه وبخالقه وبالمجتمع من حوله.
فالعقل يدلّ على أصل الإيمان، لكنه لا يستقلّ بتفاصيل الهداية. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى الوحي بوصفه مبادرةً إلهيةً لتكميل ما يعجز العقل عن الإحاطة به.
بهذا المعنى، لا يُنظر إلى الوحي باعتباره بديلًا عن العقل، بل مكمّلًا له وموجِّهًا لمساره.
والقرآن الكريم(الوحي) إما أن يكون من عند العرب وإما أن يكون من عند محمد صلى الله عليه وسلم وإما أن يكون من عند غير العرب.
فأما انه كان من عند العرب فباطل لأنهم قاوموه وحاربوه ووصفوه بالسحر واتهموه بالكذب، وأما انه كان من عند غير العرب فباطل أيضا لان الإنسان الذي يعيش لغة فيعبر عن آلامه وفرحه بأسلوبها ونسجها لا يمكن أن يجاريه ويباريه الذي يريد أن يتعلمها وخاصة إذا تساويا بالمعلومات وبالقدرة على الفهم، وإما انه كان من عند محمد فباطل لان محمد إنسان والإنسان لا يمكن أن يصل إلى واحدة من هذه الشروط الثلاثة:
1_لا يمكن للإنسان أن يسبق عصره
2_ لا يمكن أن يتحدث عن شيء ما لم يسبق هذا الشيء إلى دماغه من واقعه الذي يعيشه.
3_لا يستطيع أي إنسان أن يتحدث عن عصرين مختلفين أو أن يتحدث بأسلوبين مختلفين.
وهذه الشروط الثلاثة أتت عن طريق محمد صلى الله عليه وسلم فاثبت معجزته ودمغت الباطل إلى يوم الدين وهي موجودة وميسورة لكل إنسان يريد أن يتفكر أو ألقى السمع وهو شهيد.
ولو اطلعت أيها الإنسان المفكر لأدركت الفارق الكبير(11) بين الحديث والقرآن الكريم وأيقنت أن القرآن الكريم هو من عند غير صاحب الحديث أي من عند غير محمد صلى الله عليه ولو اطلعت على الشعر والنثر الجاهلي وما كان يحيط (12) بمحمد بن عبد الله لأيقنت أن هذا القرآن لم يسبق إلى دماغ محمد صلى الله عليه وسلم شيء من الواقع الذي عاشه. فإذن يكون القرآن الكريم لم يتحدث به احد من قبل محمد صلى الله عليه وسلم.
فما هو القرآن ؟! وما الخصائص التي تبرهن على أنه من عند الله ؟!.
وبذلك يصبح السؤال عن ماهية القرآن سؤالًا عن مصدر الهداية في عالمٍ محدود الإدراك، ويغدو التفكر فيه مدخلًا لإعادة النظر في علاقة العقل بالوحي، لا باعتبارهما متناقضين، بل باعتبار الوحي مكمّلًا له وموجِّهًا لمساره، العقل يدلّ على الحاجة، والوحي يلبّيها؛ فليس بينهما صراع، بل تكامل وظيفي: العقل يبحث، والوحي يهدي، والإنسان يتحمّل مسؤولية الاختيار والتفكر....
يتواصل...
لمرابط ولد لخديم




