الأحد
2026/03/8
آخر تحديث
الأحد 8 مارس 2026

بعد سقوط مبررات القواعد الأجنبية: لماذا لم يتحول الإنفاق العربي الهائل إلى قوة ردعية مستقلة؟

منذ 7 ساعة
بعد سقوط مبررات القواعد الأجنبية: لماذا لم يتحول الإنفاق (…)
طباعة

منذ عقود، تنفق الدول العربية مئات المليارات على التسلح، وتبرم صفقات ضخمة مع كبرى شركات السلاح العالمية، وتستضيف قواعد عسكرية أجنبية يُفترض أنها جزء من منظومة “الحماية الاستراتيجية”. ومع ذلك، يظل السؤال يتكرر بإلحاح: لماذا لم يتحول هذا الإنفاق الهائل إلى قوة ردع مستقلة؟
تشير بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط بلغ نحو 243 مليار دولار عام 2024، بزيادة تقارب 15٪ عن العام السابق.
كما تُعد المنطقة واحدة من أكبر مستوردي السلاح في العالم، إذ استحوذت على نحو 27٪ من واردات السلاح العالمية بين عامي 2020 و2024.
وتتصدر المملكة العربية السعودية قائمة الدول الأكثر إنفاقًا في المنطقة، بميزانية دفاعية بلغت نحو 80 مليار دولار في 2024، ما يجعلها السابعة عالميًا في الإنفاق العسكري.
لكن المفارقة الكبرى أن هذه المنطقة، التي تمتلك فوائض مالية ضخمة بفضل عائدات الطاقة، ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد السلاح والتكنولوجيا العسكرية بدل إنتاجها محليًا.
وتستضيف قواعد عسكرية أجنبية، أبرزها قاعدة العديد الجوية في قطر، التي تُعد من أكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم. وقد شُيّدت بتكلفة قاربت ثمانية مليارات دولار على نفقة قطر، مع استمرار مساهمتها في تكاليف تشغيلها وصيانتها.
وتندرج هذه القواعد ضمن منظومة التحالفات الأمنية التي تقودها الولايات المتحدة في المنطقة. غير أن التجارب المتكررة أظهرت أن وجود القواعد الأجنبية لا يعني اخفاقا كبيرا في توفير مظلة حماية كاملة، بل قد يتحول أحيانًا إلى عامل اعتماد استراتيجي دائم.
في المقابل، تمكنت دول أخرى في المنطقة وخارجها من بناء صناعات عسكرية محلية، رغم ظروف أصعب بكثير.
فقد طورت إيران، رغم عقوبات مستمرة منذ قرابة خمسة عقود، منظومة واسعة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة وأنظمة الدفاع الجوي، مع اعتماد كبير على التصنيع المحلي.
كما أصبحت تركيا خلال العقد الأخير أحد أبرز الصاعدين في الصناعات الدفاعية؛ إذ ارتفعت صادراتها العسكرية من أقل من مليار دولار في بداية الألفية إلى أكثر من 5 مليارات دولار سنويًا في السنوات الأخيرة، بفضل برامج الطائرات المسيّرة والمدرعات والسفن الحربية.
أما إسرائيل فقد بنت منذ عقود قاعدة صناعية عسكرية متقدمة؛ حيث بلغت ميزانيتها الدفاعية نحو 46.5 مليار دولار في عام 2024، أي ما يعادل 8.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أعلى النسب في العالم. كما تُعد شركاتها الدفاعية من بين أكبر مصدّري التكنولوجيا العسكرية المتقدمة عالميًا.
 لماذا نحن الاستثناء؟
في كثير من الدول العربية، اتجهت الاستراتيجية الدفاعية إلى شراء السلاح الجاهز بدل الاستثمار في البنى الأساسية للتطور، مثل البحث العلمي العسكري، ونقل التكنولوجيا، وبناء منظومة صناعات دفاعية متكاملة.
وهذا ما يمكن تسميته بنموذج “الأمن المستورد”؛ أي الاعتماد على الاتفاقيات الخارجية بدل بناء قوة ردع ذاتية.
إن الاعتماد المفرط على التحالفات العسكرية الأجنبية يخلق نوعًا من القيود غير المباشرة على القرار السيادي، لأن الأمن الوطني يصبح مرتبطًا بقرارات قوى خارجية .
إن التحولات الجيوسياسية المتسارعة في العالم تفرض على الدول إعادة التفكير في مفهوم الأمن القومي. فالقوة في النظام الدولي لم تعد تُقاس فقط بحجم الإنفاق العسكري، بل بمدى القدرة على إنتاج التكنولوجيا العسكرية والتحكم فيها.
ومن دون قاعدة صناعية وعلمية محلية، سيظل الإنفاق العسكري العربي — مهما بلغ حجمه — استهلاكًا للسلاح أكثر منه بناءً للقوة.
 السؤال الحاسم
يبقى السؤال الحاسم:
هل ستستخلص الدول العربية الدروس من الحرب الدائرة مع إيران؟
لقد جاءت هذه الحرب، وكأنها رسالة واضحة للعرب بأن الوقت قد حان لمراجعة منظومة الأمن القائمة، والتفكير في انهاء الاعتماد على الاتفاقيات الدفاعية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ذلك “الصديق العدو” الجاثم على الطموح العربي للاستقلالية الأمنية .
فلا مفرّ من الشروع في بناء استراتيجية أمنية مستقلة تكون جزءًا من برامج الطموح وخطط الإقلاع الاقتصادي. وإلا فإن جميع مشاريع النمو والتطور ستظل ازدهارًا مؤقتًا بلا حماية حقيقية ولا أمن مستدام.
وأعتقد أن السعودية اليوم من خلال وزنها المادي ودورها في المشهد العربي ومن خلال طموح ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يمكنها استثمار اللحظة إنه يقف اليوم أمام فرصة تاريخية لمزيد من التألق وقيادة الموقف العربي. فقد نجح إلى حدّ كبير في ترتيب البيت السعودي من خلال برامج التحول والإقلاع الاقتصادي عبر خطة 2030 واتخذ قرارات حاسمة وجريئة أعادت رسم ملامح الدولة الحديثة.
فقد وحد جده المؤسس عبد العزيز آل سعود قبائل نجد والحجاز تحت راية واحدة، وأنهى النفوذ العثماني في تلك البلاد، وكذلك تبنى عمه الملك فيصل بن عبد العزيز آل سعود موقفا شجاعا بالتهديد بوقف إمدادات النفط خلال الصراع العربي–الإسرائيلي، في موقفٍ شكّل آنذاك لحظة فارقة في تاريخ القوة العربية.
واليوم يبدو أن الفرصة مواتية أمامه ليس فقط للاستمرار في لترتيب البيت الداخلي فلم يعد ذلك هو رهانه الأكبر قياسا بالحاجة لزعيم عربي بل أيضًا للمساهمة في ترتيب البيت الإقليمي، الذي يبدو في حاجة إلى كاريزما قيادية . فكثير من دول المنطقة تبدو مستعدة ومتفهمة، بل ومتعطشة لخطوة من هذا النوع، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتزايد الحاجة إلى مقاربة عربية أكثر استقلالية في مجال الأمن والدفاع.
إنه النداء الأخير لنا لنكون أو لا نكون .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار