عندما تلطم حربٌ بعيدة اقتصادَنا… تدق ساعة تحمّل المسؤوليات
سلسلة تأملات
(نتشرف بنشر توضيحات على تساؤلات الرأي العام بشأن الأرباح الاستثنائية لشركات الذهب وشركات الاتصالات عندما تدوي الحروب) .
أضحى مشروعا اليوم - بل ضروريا - فتح نقاشٍ عمومي رصين ، حول مسألة فرض ضرائب على الأرباح الاستثنائية التي تحققها بعض الشركات في ظل سياق دولي ، يتسم بقدر كبير من الاضطراب وزعزعة الاقتصاد . هنا تدخل على الخط ،
الضريبة على الأرباح الاستثنائية ، وتصبح أداة استراتيجية في السياسات الاقتصادية .
إن ارتفاع أسعار الطاقة ، وتصاعد التوترات الجيوسياسية ، وتقلبات أسواق المواد الأولية - وهي في مجملها صدمات خارجية - قد تنعم أحيانا على بعض القطاعات الاقتصادية بأرباح استثنائية . غير أن هذه الأرباح لا تكون دائما نتيجة تحسن في الإنتاجية ، أو ابتكار خاص تهتدي عليه الشركات المعنية ، بل قد تكون في كثير من الأحيان ، نتيجة مباشرة لظروف دولية طارئة ، وخارجة عن إرادة الفاعلين الاقتصاديين . وفي مثل هذه الحالات ، يصبح مشروعا أن تنظر الدول في إمكانية تفعيل ما يعرف في الأدبيات، الاقتصادية بـ "الضريبة على الأرباح الاستثنائية" ، أو ما يُصطلح عليه بالإنجليزية بـ Windfall Tax.
طبعا ، لا يهدف هذا الإجراء إلى معاقبة النشاط الاقتصادي أو تثبيط الاستثمار ، وإنما إلى إقرار مساهمة إضافية مؤقتة ومحددة ، تُفرض عندما تستفيد بعض الشركات من مكاسب استثنائية ، ناجمة عن ظرف دولي غير اعتيادي .
وقد لوحظت في عدة مناطق من العالم هذه السنوات الأخيرة ، اعتماد هذا النوع من الآليات في عدد من الاقتصادات المتقدمة .
فقد فرضت المملكة المتحدة سنة 2022 ضريبة استثنائية على أرباح شركات النفط والغاز .
كما أوصى الاتحاد الأوروبي بإقرار مساهمة مؤقتة على الأرباح غير العادية ، في قطاع الطاقة .
واعتمدت كل من إيطاليا وإسبانيا إجراءات مشابهة .
وقد جاءت هذه التدابير في سياق أزمة طاقة عالمية ، أدت إلى ارتفاع كبير في الأسعار بالنسبة للأسر وللشركات على حد سواء .
يقوم هذا التوجه على مبدأ بسيط مفاده ، أنه عندما يتحمل المجتمع بأسره تبعات الأزمات - من تضخم وارتفاع في أسعار الطاقة وتباطؤ في النشاط الاقتصادي - فإن من العدل أن تسهم القطاعات التي تحقق أرباحا استثنائية نتيجة لهذه الظروف ، في الجهد الجماعي .
حدثت تجارب مماثلة في القارة الإفريقية . وعلى خلاف ما قد يُعتقد ، فإن النقاش حول فرض ضرائب على الريوع الاستثنائية ، ليس غائبا عن عدد من الاقتصادات الإفريقية ، لا سيما في القطاعات الاستخراجية . ففي البلدان الغنية بالموارد الطبيعية ، تُصمَّم الأطر الضريبية أحيانا بما يسمح للدولة بالاستفادة من جزء من الريع المنجمي أو النفطي ، عندما تتجاوز الأسعار الدولية مستويات معينة مثل ما قامت به
٠ زامبيا : التي طبقت آليات ضريبية مرتبطة بالأسعار الدولية على النحاس ،
٠ وغانا : التي عدلت النظام الضريبي في قطاع التعدين ، بما يسمح بزيادة مساهمة القطاع الذهبي ، عندما ترتفع أسعار الذهب عالميا ،
٠ بوتسوانا : برهنت على نجاح الدولة في إدارة عوائد استغلال الألماس بصورة فعالة ؛ بما أسهم في دعم مسار التنمية الوطنية .
ويبقى سؤال مشروع : لماذا لا نستفيد نحن أيضا من هذه التجارب التي تكشف عن حقيقة أساسية : أن السياسة الضريبية في الاقتصادات الاستخراجية يمكن أن تشكل أداة استراتيجية في إدارة الموارد الطبيعية ، وفي تحقيق قدر أكبر من العدالة في توزيع القيمة المتأتية منها.
ومن ثم ، فإن النقاش الرزين والمسؤول حول هذه المسألة ، يندرج في إطار التفكير في أفضل السبل لتعزيز صمود اقتصادنا الوطني في مواجهة الصدمات الخارجية .
... يتبع ...
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس 2Ires
ومبادرة تبريTEBRI موريتانيا 2029
10 مارس 2026




