الجمعة
2026/03/13
آخر تحديث
الجمعة 13 مارس 2026

تصدير المواشي بكثافة: طريق قد يقود موريتانيا إلى انتحار اقتصادي

منذ 1 ساعة
تصدير المواشي بكثافة: طريق قد يقود موريتانيا إلى انتحار (…)
طباعة

رسالة مفتوحة إلى فخامة رئيس الجمهورية

الموضوع: تصدير المواشي بكثافة: طريق قد يقود موريتانيا إلى انتحار اقتصادي
فخامة الرئيس

اسمحوا لي - مع كامل الاحترام الواجب لمقامكم الرفيع - أن ألفت انتباهكم إلى مسألة أعتبرها ذات طابع استراتيجي بالنسبة للمستقبل الاقتصادي لبلادنا . وبوصفي مواطنا شديد التعلق بموريتانيا وبالحفاظ على مواردها الأساسية ، أود أن أشارككم قلقا أراه جديرا بتفكير وطني شامل .

لا يتعلق الأمر بنقد ؛ بل بتنبيه بنّاء ، سببه الحرص على حماية أحد أهم مقومات القوة الاقتصادية لبلادنا : انها ثروتنا الحيوانية والدور المركزي الذي يلعبه قطاع تربية الماشية في التوازن الاقتصادي والاجتماعي لموريتانيا .

لذا اسمح لنفسي من هذا المنطلق -وبروح المسؤولية والمساهمة في النقاش العام - أسمح لنفسي بأن أضع بين يديكم التأملات التالية :

أصبحت موريتانيا مهددة بفقدان أثمن مكوناتها الاقتصادية.

يساورني القلق -منذ زمن طويل - من تطور قد يهدد أحد الأعمدة الصامتة لاقتصادنا الوطني . وقد كنت آمل صادقا ، ألا يحدث ذلك أبدا . غير أن المؤشرات الأولى لبداية مقلقة ، بدأت اليوم تظهر بوضوح في الأفق.

عن ماذا أتحدث ؟

بصورة مبسطة ، يتعلق الأمر بالفقدان التدريجي لموريتانيا لأهم ميزة اقتصادية لديها ، وهي ثروتها الحيوانية ؛ أي حجم قطيعها الكبير والمكانة المركزية لتربية الماشية في اقتصادها .

فقد شكّلت تربية الماشية على مدى أجيال ، ثروة وطنية استراتيجية .

فعلا ، يمتلك بلدنا قطيعا مهما جدا ، مقارنة بعدد السكان ؛ وغالبا ما يفوق ما لدى بعض جيرانها في عدة أصناف من الحيوانات الأليفة .
يرتكز هذا الامتياز على عاملين أساسيين :

1. عدد سكان البلد المنخفض نسبيا ، اذ
يبلغ حوالي 5,4 ملايين نسمة ، بينما تتمتع كل الدول المجاورة بأضعاف هذا العدد :
٠ السنغال لديه حوالي 18 إلى 18,5 مليون نسمة ،
٠ مالي : حوالي 22 إلى 23 مليون نسمة ،
٠ المغرب : حوالي 37,5 مليون نسمة ،
٠ الجزائر : حوالي 46 إلى 47 مليون نسمة .

ويعني عددنا المنخفض من السكان ، أن الاستهلاك الداخلي للحوم يبقى محدوداً ؛ مما يسمح للقطيع بالتجدد ، والحفاظ على وفرة نسبية .

2 . إنه قطاع ظل نسبيا ، بعيدا عن الاختلالات . فعلى
خلاف قطاعات اقتصادية أخرى ، ظل قطاع تربية المواشي بعيدا عن مظاهر الفساد وسوء التسيير الإداري التي غالبا ما تُضعف مؤسسات الدولة . وهو نشاط ظل في معظمه من اختصاص سكان البوادي والرعاة .

أين يكمن الخطر ؟

يكمن في التصدير للمواشي ، الذي يلوح بتوجه اقتصادي جديد . ويتمثل في تطوير التصدير المكثف للثورة الحيوانية نحو الدول المجاورة ، لتلبية طلب أسواق تضم عشرات ، بل مئات الملايين من المستهلكين .

قد يبدو هذا الخيار للوهلة الأولى مفيدا ، إذ يعد بجلب عملات صعبة ، وعائدات سريعة . لكن في الواقع ، قد يؤدي على المدى الطويل إلى نتائج مدمرة .

فإذا اضطرت موريتانيا إلى تزويد أسواق أكبر بكثير من سوقها الداخلية بشكل دائم ، فقد يؤدي ذلك تدريجيا إلى استنزاف القطيع الوطني ؛ وهو ما يعني فقدان هذه الميزة الاستراتيجية .

ميزة بيئية
واقتصادية فريدة

تُعد موريتانيا اليوم، بلدا يتميز بكثافة حيوانية مرتفعة مقارنة بعدد السكان ، خاصة في الأنواع المتكيفة مع البيئات الصحراوية والساحلية ، مثل : الضأن والماعز والإبل . أما بالنسبة للأبقار ، فتبقى موريتانيا أيضا في موقع متقدم على مستوى المنطقة ، رغم أن مالي تمتلك قطيعا أكبر . ويمثل هذا الرصيد الحيواني ثروة متجددة ، شريطة أن تتم إدارته بحكمة وحذر .

عوامل قد تزيد
الوضع سوءا

هناك عدة عوامل قد تُسرّع هذا المسار :
٠ إغراء العملات الأجنبية ، الذي يدفع نحو التصدير السريع للمواشي ،
٠ الجفاف ، الذي يضعف المراعي أصلا ،
٠ هجرة اليد العاملة من البوادي ، مما يقلص من قدرات التربية التقليدية .

وقد يؤدي اجتماع
هذه العوامل إلى انخفاض سريع في مجمل القطيع الحيواني الوطني .

استراتيجية خطرة
للتنمية

يعتمد بناء استراتيجية تنموية أساسا على تصدير المواشي الحية . وذلك ينطوي على مخاطر عدة . فعلى المدى الطويل ، قد يؤدي إلى :
٠ إفقار المربين ،
٠ تقليص وفرة اللحوم في الأسواق المحلية ،
٠ ارتفاع أسعار مواد التغذية .
٠ زيادة اعتماد البلاد على استيراد تلك المواد .

وبعبارة أخرى ، فإن التنمية القائمة على التصدير المكثف للمواشي ، قد تتحول إلى انتحار اقتصادي حقيقي .

الخلاصة

إن الثروة الحيوانية في موريتانيا ، تمثل رصيدا استراتيجيا وطنيا . فهي ليست مجرد مصدر دخل لآلاف الأسر فحسب ، بل أيضا عنصر أساسي في الأمن الغذائي للبلاد . ولهذا يصبح من الضروري التفكير في اعتماد سياسة متوازنة تقوم على :
٠ حماية القطيع الوطني ،
٠ تجنب الاستغلال المفرط له ،
٠ تطوير عملية التحويل المحلي (اللحوم ، الجلود ، منتجات الألبان ) ،
٠ خلق قيمة مضافة داخل البلاد .

... لأن فقدان هذا الامتياز ، يعني فقدان إحدى آخر القوى الاقتصادية الطبيعية لموريتانيا .
**
محمد ولد محمد الحسن
الرئيس المؤسس لمعهد مددراس 2Ires
ومبادرة تبريTIBRI موريتانيا 2029
مارس 2026