الثلاثاء
2026/05/19
آخر تحديث
الاثنين 18 مايو 2026

المخدرات… الحرب التي لا هوادة فيها

منذ 31 دقيقة
المخدرات… الحرب التي لا هوادة فيها
أحمد عبد الرحمن الديحي - مدير الخدمة المدنية
طباعة

في لحظةٍ تتكاثف فيها التحديات الاجتماعية والأمنية والثقافية التي تفرضها آفة المخدرات والمؤثرات العقلية، اختارت الدولة الموريتانية أن تواجه الخطر بمنطق الدولة الراعية لشبابها، لا بمنطق ردّ الفعل المؤقت. ومن هنا، جاء إشراف معالي وزير تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية، السيد محمد عبدالله لولي، رفقة قائد أركان الدرك الوطني، الفريق أحمد محمود ولد الطايع، على افتتاح دورة تكوينية لصالح 2100 شاب حول الوقاية من المخدرات والمؤثرات العقلية، بوصفه حدثاً يتجاوز الطابع التكويني التقليدي، ليعكس تحوّلاً عميقاً في فلسفة التعاطي مع قضايا الشباب والأمن المجتمعي في موريتانيا.

لا يمثل هذا التكوين مجرد نشاط توعوي عابر، بل يأتي ضمن رؤية سياسية واجتماعية متكاملة، تعتبر أن حماية الشباب ليست مسؤولية قطاع بعينه، وإنما مشروع دولة تشترك فيه المؤسسات الأمنية والتربوية والاجتماعية والثقافية، ضمن مقاربة وقائية شاملة تنطلق من الإنسان قبل العقوبة، ومن الوعي قبل الردع.

لقد حملت كلمة معالي الوزير رسائل سياسية واضحة، حين ربط هذا الجهد بالرؤية الواعية لفخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، الذي جعل من الشباب محوراً مركزياً في السياسات العمومية، إدراكاً منه بأن الأمم لا تؤمّن مستقبلها إلا حين تحمي طاقتها البشرية من الانحراف والتهميش والتفكك القيمي. ومن هذا المنطلق، لم يعد ملف المخدرات مجرد قضية أمنية تُعالج في أروقة القضاء ومراكز التوقيف، بل تحوّل إلى معركة وعي ووقاية وتحصين مجتمعي.

وما يلفت الانتباه في هذا المسار هو الانتقال من المبادرات المحدودة إلى العمل المنظم واسع النطاق. فبعد أن بدأت التجربة بتكوين عشرات المتطوعين، ثم تعبئة أكثر من 323 شاباً متطوعاً العام الماضي للعمل داخل 160 مؤسسة تعليمية بولايات نواكشوط الثلاث، ها هي الدولة اليوم تنتقل إلى مرحلة أكثر طموحاً بتكوين 2100 شاب في نواكشوط ونواذيبو وروصو وكيهيدي، مع إعلان تعبئة 600 متطوع إضافي في مهام تطوعية متوسطة المدى خلال سنة 2026. وهي أرقام لا تعبّر فقط عن توسع البرنامج، بل تكشف عن نجاح نموذج الشراكة بين وزارة تمكين الشباب وقطاع الدرك الوطني في تحويل الشباب أنفسهم إلى خط دفاع أول ضد المخدرات.

لقد أثبتت هذه الشراكة أن الأمن الحقيقي لا يُبنى فقط بالسجون والدوريات، بل أيضاً بالوعي والتأطير والتعبئة المجتمعية. فالدرك الوطني، الذي يقود يومياً معركة ميدانية ضد الشبكات الإجرامية، لم يكتف بالجانب الردعي، بل انخرط في مقاربة وقائية تقوم على التكوين والتحسيس والتأطير. ومن هنا، تتجلى أهمية هذا التعاون المؤسسي الذي جمع بين الخبرة الأمنية للدرك الوطني، والدور التعبوي والتأطيري لقطاع الشباب والخدمة المدنية، في نموذج متكامل يعكس تطور مفهوم الأمن من أمن الحدود إلى أمن المجتمع.

واللافت كذلك أن الخطاب الرسمي لمعالي الوزير اليوم لم يكتف بعرض النوايا، بل استند إلى حصيلة ميدانية ملموسة تعكس ديناميكية وطنية حقيقية. ففي محور مكافحة المخدرات والمؤثرات العقلية، تم تسجيل تقدم كبير على المستويين القانوني والأمني، من خلال إعداد مشروع قانون جديد، وتفكيك شبكات إجرامية، وتجميد حسابات مالية، وإحالة 972 ملفاً إلى النيابة، إلى جانب إنشاء وحدة لعلاج الإدمان وتنفيذ حملات توعوية واسعة في الأحياء والمدارس. وهي معطيات تؤكد أن الدولة تتعامل مع الظاهرة بمنهجية متعددة الأبعاد، تجمع بين الردع القانوني والعلاج النفسي والتعبئة المجتمعية.

غير أن الأهم من كل ذلك هو الرسالة الاجتماعية العميقة التي يحملها هذا البرنامج. فحين تُمنح الثقة لآلاف الشباب ليكونوا سفراء للوعي داخل أحيائهم ومؤسساتهم التعليمية، فإن الدولة لا تحارب المخدرات فقط، بل تعيد بناء العلاقة بين الشباب والوطن، وتزرع فيهم روح المسؤولية والانتماء والمواطنة الفاعلة. إن تحويل الشباب من فئة يُخشى عليها إلى قوة يُعوّل عليها، هو في حد ذاته انتصار سياسي وتربوي وأخلاقي.

كما أن الربط الذي قام به البرنامج الوطني لحماية الشباب بين مكافحة المخدرات، وحماية الوحدة الوطنية، والأمن الرقمي، وتعزيز ثقافة المثابرة والعمل، يكشف عن فهم عميق لطبيعة التحديات المعاصرة. فالمخدرات ليست معزولة عن التفكك الاجتماعي، ولا عن خطاب الكراهية، ولا عن الانحراف الرقمي، ولا عن فقدان الأمل لدى الشباب. ولذلك، جاءت المقاربة شاملة، تتداخل فيها القوافل التطوعية، والمخيمات الشبابية، والبطولات الرياضية، والتطوع الرقمي، والتحسيس داخل المدارس، في محاولة لبناء حصانة مجتمعية متكاملة.

إن ما تحقق اليوم بين وزارة تمكين الشباب والتشغيل والرياضة والخدمة المدنية وقطاع الدرك الوطني، لم يعد مجرد تعاون إداري بين مؤسستين، بل أصبح تجربة وطنية رائدة في صناعة الوقاية المجتمعية، ونموذجاً حقيقياً لكيفية توظيف العمل التطوعي والخدمة المدنية في مواجهة التحديات الكبرى التي تهدد المجتمعات.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم، تبقى الرسالة الأهم التي تحملها هذه المبادرة واضحة وحاسمة: إن حماية الشباب ليست خياراً سياسياً ثانوياً، بل هي معركة سيادة واستقرار ومستقبل. والدول التي تنتصر في هذه المعركة، هي فقط تلك التي تستثمر في وعي شبابها قبل أن تضطر إلى مواجهة نتائج ضياعهم.

أحمد عبد الرحمن الديحي - مدير الخدمة المدنية