الثلاثاء
2026/07/14
آخر تحديث
الثلاثاء 14 يوليو 2026

ثلاثة أيام في أحضان "تيدرة" وفي كنف كتاب: تاريخ المرابطين

منذ 3 دقيقة
ثلاثة أيام في أحضان
طباعة

تقع (إيويك) على الشاطئ عند سفح الماء؛ فتعض عليه بنواجذ الفقر وكأنها تخشى إفلاته منها . تارة يحيط بها الموج عندما يدفع بعضه بعضاً خارج البحر أثناء "الغمر"، وهو يحمل بعض حشرات البحر الخفيفة الرخوة والقشرية التي لا تملك لنفسها دفعاً، فينسحب عن بعضه مشكلاً أخاديد صغيرة تحيط بالقرية؛ إمعاناً في إطباق حصار أزلي عليها.
عند غروب الشمس، تهبّ ريح باردة تلامس الجسم فتهدهده وترطبه، وتنساب بداخلك في دورة كأنها أنبوب مغروس في جسدك، يبعث بنسيم ناعم يسري في عروقك، تاركاً خلجات نفسك تتنفس الصعداء.
ومع سريان الوقت خبباً تبدأ بتخيل أشكال لا عمق لها، وتراجع ذكرياتك، خاصة تلك التي لم تولِها يوماً أي أهمية. كل شيء يمكن أن تتخيله في ذلك الوقت وتصنع له صورة أجمل، إلا "نواكشوط" وحده؛ يظل يبعث فيك النكد، إنها مدينة منكوبة بأهلها .
الشاطئ الذي تقع عليه القرية شاطئ "كنود" بلا بريق وبلا سحنة، ولا يترك فيك أي انطباع حسن؛ حتى الماء عندما يتراجع لا يمسح الأرض ليخلف منطقة منبسطة يمشي عليها الناس، أو يخلق فاصلاً بين الماء والهضاب، إنه يرجع كومة واحدة.
هذا المكان يدعى "إيويك"، وهي قرية صيد ولدت من غابر الزمان كما هي اليوم. يقول رئيس القرية، زيدان ولد محمد العبد، إن أسرة من "البامبارا" من بقايا المرابطين كانت أصل السكان، على الأقل في قريتي "إيويك" و"أگادير"، قبل أن تسيطر عليهم بعض القبائل البدوية .
هنا في "إيويك" لا يمكنك هدر الوقت؛ تمر عليك الثانية والدقيقة والساعة كما هي بطبيعتها، لا يخالطها شيء، تعيشها كاملة وبوعي. يمكنك أن تحدد ماذا ستفعل بهذا الوقت؛ إنه يمر عليك وأنت صاحٍ في كامل وعيك أو نائم مستغرق في النوم ملء راحتك، بهدوء وسكينة، مستمتعاً بأكسجين نقي. نظام الوقت منضبط؛ تتعرف على الليل بوضوح وبحدوده الرخوة ونسيمه الطري، وعلى النهار بجلائه، وتتبع جولات الشمس في السماء من طلوعها إلى غروبها؛ فلا تداخل بينهما.
الحياة هنا يغمرها الصفاء والهدوء والصمت المطبق، وتجد فيها الروح غذاءها والبدن راحته، يمكنك أن تعيد جميع ذكرياتك بهدوء. فلا تسمع، عندما يهجع الكون للتسبيح، إلا هدير البحر وهذيان الطبيعة وهيام القمر، كأنه يريد أن يقرض شعراً على هذا البحر المنسكب على الأرض.
الأكواخ الخشبية العتيقة الوديعة المتعانقة في فوضاء وبداوة غلب عليها فقر الساكنة وتقلبات الطبيعة (تيار كناريا البارد المحمل بمادة لبلاكتون ،والشمس الساطعة دون ظهير أي الأكواخ )، لم يبقَ لها إلا أن تظل تعطي من كينونتها، إنها تتآكل من صروف الزمن الذي لا يكل من الدوران، وكأنها وحيدة وُجدت بالصدفة وتعيش للصدفة؛ مع أنها وحدها في أرضهم الجرداء هي التي يخلدون إليها وتؤويهم من البرد ووغدة الحر ، بعد كل يوم عسير من مغالبة البحر بحثاً عن رزق الكفاف، وتلك شقوة غلبت عليهم، فحتى ذلك الصيد الموجه للبيع لا يكاد يجدي في فك قبضة فقر القرية .
تتشكل "إيمراگن" من تسع قرى تبدأ من "نمامغار" في اتجاه نواكشوط، ثم "أوگج" المهجور، ثم "ارگيبة"، و"تيشط"، و"تسِّط"، و"إيويك"، و"تنعلول"، و"آركيس"، وصولاً إلى "أگادير" في اتجاه نواذيبو، بعدد سكاني أقل من 1500 نسمة وبـ 114 زورق صيد شراعي يطلق على واحدتها محلياً "تامونانت"، وهو من لغة اندثرت يطلق عليها لغة "آزناگة" أي صنهاجة.
"نمامغار" بها مركز إداري، وعندها تنتهي حدود المحمية الممتدة على مسافة 120 كيلومتراً تقريباً بين نواكشوط ونواذيبو، والتي يعيش سكانها في شظف من العيش وظروف سيئة، وينطبق عليهم المثل الدارج: "جاور الماء تعطش". كانوا إلى عهد قريب يجلبون الماء من نواذيبو، حتى أُنشئت محطة تحلية عند تجمع "تنعلول".
أصبحت هذه المنطقة محمية رئيسية في البلد، واهتم بها الأجانب لأنها مهجر لكثير من طيور العالم، ومكان توالد السمك، كما أنها "حاضرة البحر"، يقطنها أناس يأتيهم رزقهم رغداً حين يبحرون عبر سفن شراعية، محرم عليهم أي مظهر مدني بذريعة حماية طيور لا تدر عليهم أي فائدة، سوى الانصياع للمبدأ الكوني لحماية البيئة؛ ذاك المبدأ الذي لا يحترمه الكبار. فقد رفضت الولايات المتحدة سنة 2001 في قمة "ريو دي جانيرو" توقيع بروتوكولات حماية البيئة، لكي نظل نحن نربي الطيور المهاجرة ونحافظ لها على بيئة تفريخها، لتطير لاحقاً إلى بلادها الأصلية حيث يُحسنون استغلال ريشها ولحمها وثمنها.
كما يُطبق مبرر توالد السمك عليها أيضاً الصمت والعزلة عن "التحديث"؛ فسمك القاع من الرخويات والقشريات مخصص للتصدير دون أن نضيف عليه أي قيمة مضافة، ليبيعه الأوروبيون لليابانيين بأسعار مضاعفة؛ أما الأموال التي يدرّها فتذهب في الغالب إلى جيوب الأغنياء والسماسرة، ولا نصيب (لا دانق ولا بنية تحتية) لهؤلاء الفقراء الذين ضربت عليهم الذلة والمسكنة بسبب "حرمة هذا المكان". إننا بانعدام رؤية استراتيجية للبلد نظل بلداً عاثر الحظ .
الموريتانيون الأصليون المقيمون هنا قبل مجيء بني حسان هم من بقايا المرابطين الذين أقاموا رباطهم عام 1034 ميلادية في جزيرة "تيدرة"، التي يمر إليها طريق عبر البحر من جهة "إيويك" في أوقات "الجزر" كل ست ساعات. وكانت الإبل تعرف تلك الطريق، فقد رُوِّضت عليها منذ ذلك الزمن إلى وقت قريب؛ وهو ما يؤكده زيدان، رئيس قرية إيويك، الذي يذكر أنها عندما تريد المرور تأتي لبداية الطريق وتبرك بانتظار أوقات الجزر لتقطع البحر إلى الجزيرة، أو للخروج منها عندما يحين وقت انحسار الماء.
وفي سنة 2004، في اجتماع عام دعا إليه مدير الحظيرة آنذاك محمد ولد إمين، وحضره "هوفمان" رئيس مجموعة "روتش" (ROCHE) السويسرية والداعم الرئيسي لحوض آرگين، وجمع من المؤرخين والفاعليين، قال لي "أحمد بمب ولد وبِدَّ" -وقد تجاوز التسعين وقتها- على هامش جلسة عامة في ذلك الحدث تضمنها مزاح له مع هوفمان، يفاخره بصحة مناخنا ويسأله عن سنه، مؤكداً أنه أي (أحمد بمب) أكبر منه وأقوى منه بكثير . وكان حينها لا يزال ممشوق القامة، مهاباً وصلب العود رغم تسعينياته، بينما كان هوفمان في ثمانينياته محدودب الظهر، وقد حفرت التجاعيد مجاريها في جسده الضعيف. ذكر لي "ولد وبِدَّ" أنه يعرف أشخاصاً لا يزالون يعرفون الطريق إلى "تيدرة" مشياً على الأقدام وقت الجزر، حيث يمكن للمرء العبور راجلاً دون أن تبتل ملابسه، قبل أن يبدأ "الغمر" وتتوارى الطريق نهائياً لست ساعات أخرى. وهذا يؤكد أن جيش المرابطين انطلق من هناك، وقد اتخذ من تلك الجزيرة حصناً وملاذاً.
هذه المعلومة التي وجدتها عند أهل القرية كانت مصداقاً لما قاله أحمد بمب ولد بدَّ. وفي كتاب الحسين ولد محنض "تاريخ الدولة المرابطية في بلاد شنقيط"، وجدت تلك المعلومة المرتبطة بالمرابطين في سياق مشوق تجاوز السرديات التاريخية ليناقش عشرات المؤرخين، ضارباً بعضهم ببعض، ومستخرجاً هفوات مقولاتهم، صاقلاً إياها بالنقاش والمقارنة واستنطاق النصوص بخلفياتها، وبلغة علمية ومعلومات غزيرة. وقد بهرني نقاشه لنسب "صنهاجة"، حيث ذكر أن أكثر من عشرين مؤرخاً نسبوهم لـ "حمير"، بينما عارض ذلك ابن حزم وابن خلدون، مبيناً أن مصدر الخلاف هو تأثرهم بمؤرخي "زناتة"، الخصوم التقليديين لصنهاجة؛ فقد عاش ابن حزم في كنف الأمويين بالأندلس (حلفاء زناتة)، وخدم ابن خلدون في الدولتين الزناتيتين والمرينية، واستقى منهما جلّ ثقافته التاريخية.
كما جاء في المحاججة الثانية لإثبات أن مكان "الرباط" هو جزيرة تيدرة، ما قاله يحيى بن إبراهيم الگدالي لعبد الله بن ياسين عندما أراد الأخير الانصراف لبلاد السودان: "إني لا أتركك تنصرف، وإنما أتيت بك لأنتفع بعلمك في خاصة نفسي وديني... ولكن يا سيدي هل لك في رأي أشير به عليك إن كنت تريد الآخرة؟ قال: وما هو؟ قال: إن هاهنا في بلادنا جزيرة في البحر، إذا انحسر البحر دخلنا إليها على أقدامنا، وإذا امتلأ دخلناها في الزوارق، وفيها الحلال المحض... فندخل فيها ونعيش ونعبد الله حتى نموت"، فوافقه. وقد أورد الحسين آراء المشككين جميعاً، نقاشاً ومحاججة، حتى خلص إلى اليقين بأن "تيدرة" هي منطلق المرابطين.
في هذه المنطقة المفعمة بالهدوء والروحانيات، لا تسمع صوتاً "عصرياً" إلا بالكاد؛ زمجرة محرك سيارة تصارع التربة الرطبة مرة أو مرتين في اليوم، أو صوتاً متهدجاً لمكبر صوت يحث الناس على الصلاة.
أقمت في مكان مخصص لضيوف إدارة حوض آرگين، حيث تتوفر طاقة شمسية وتلفاز صامت. كنت طوال الوقت بجانب هاتفي "الهاجع"، فلا شيء يربطه بالحياة سوى بطارية لم تستسلم للنوم بعد، لأنها ظلت مشحونة بسبب قلة الاستخدام. كنت أنظر إليها شزراً، كأني أنتقم منها لإزعاجها المستمر لي في المدينة؛ وصحيح أن فوائد الهاتف لا تُحصى، فقد حل محل اثني عشر جهازاً أو أكثر، لكنه أيضاً تسبب في الكسل وهدر الوقت وحمل الكثير من المساوئ.
في "إيويك"، بسكانها المائة والعشرين، هو المركز الرئيسي لإدارة مشروع حوض إرگين وحيث يوجد رادار البحرية الوطنية ومنتزه للزوار على ربوة خلف "القرية"، وأفراد من خفر السواحل وممثلون لمركز المحيطات والصيد في إقامات مخصصة لهم. تظل القرية صغيرة ومعزولة، تتآلف فيها الغمامة مع مساكن خشبية مزدرَاة من أصحابها، كأنهم لا يسكنونها؛ فهم لم يتعلموا من هذه الحياة غير الصيد. هذا المكان "المحرم"، الذي يُفترض أنه أغنى مناطق الصيد، لا يزال يظهر بصورته البدائية القديمة، لم ينعكس عليه أي دعم وطني ولا أجنبي، لا في المستوى المعيشي ولا في تثمين الإنتاج.
نشأت المحمية منذ عهد المختار ولد داداه، ويبدو أن فكرة الحماية لم تضع "الإنسان" كجزء أساسي منها؛ فلم تتطور العقليات، ولم يُستثمر في البشر ولا في بيئتهم السكنية، ولم تُثمن المنطقة سياحياً رغم شهرتها العالمية كملاذ للطيور. يصدم السائح عند وصوله إليها بانعدام البنية التحتية، وغياب تقاليد الخدمة السياحية؛ فلا يوجد مرشد أو من يملك معلومات قيمة عن الطيور أو عن البنية الإيكولوجية والخصوصية العلمية التي جعلتها منطقة فريدة عالمياً، ولا معلومات تفيد السياح عن تقاليد معينة في أكل السمك، ولا مطاعم ولا معارض ولا حتى ما يميز الأهالي، ولا ظل على الشاطئ.
لا يوجد هنا تراكم ثقافي خاص بالصيد، باستثناء بعض الكلمات القديمة الدارجة من لغة جزر الكناري المتعلقة بتغيير اتجاه السفينة الشراعية. الشركاء الغربيون قدموا دعماً للسكان وترقية للوسط، لكنه يمر عبر إدارة المحمية، ويُصرف بعيداً عن أهدافه الحقيقية حسب ما لاحظوه، فأحجموا عن تقديم ذلك الدعم إلا نزراً منه، مشترطين لعودته تسييراً تشاركياً مع السكان دون وسيط وبإشراف مباشر منهم على المشاريع، مما أدى لخلاف مع إدارة الحظيرة التي تصر على الانفراد بالتسيير؛ وكانت النتيجة أن سنوات الدعم لم تنعكس على الساكنة إلا بشكل شكلي لا يسمن ولا يغني من جوع.
الوضع الحالي ازداد سوءاً مع جلب السفن التركية ومنح 50 رخصة مصنع "دقيق السمك"، مما استنزف سمك السطح. كانت المنطقة تشهد موسمين غنيين أو "صافرة" كما يطلق عليه في لغة المنطقة قديماً: "أزوول وإِفْرَ" من شهر 7 إلى شهر 12، وصافرة "كوربين وملُّوس" من شهر 1 إلى شهر 3، وكانت المقبوضات تصل لـ 7 أطنان يومياً للسفينة الشراعية الواحدة في زمن الذروة، وكان عدد السفن 114 موزعة بين القرى. أما الآن، فقد تراجع مجهود السفينة طوال الموسم إلى طنين فقط بالنسبة لـ "كربين" طيلة الموسم؛ وهو مؤشر على اندثار الثروة.
وإذا كان هذا حال "المحمية"، فكيف بالباقي؟ الموريتانيون لا يستفيدون من بحرهم، فعلى طول 750 كيلومتراً لا توجد سوى قرى إيمراگن ومحطة "تنگد". لقد اقترح الراحل "باي بيخ" على ولد عبد العزيز سابقاً بناء موانئ على طول الشاطئ وخلق "مجتمع البحر" الذي هو تجمعات للصيد تكون منتشرة على طول الشاطئ تدعم الأسواق المحلية وتخلق وظائف وتساهم في حماية وتثمين البحر وتخفيف الضغط عن الصيد التقليدي بنواذيبو، وبذلك يتحول المجتمع الموريتاني إلى مجتمع صيد، وهي نفس الطريق التي سلكها معاوية ولد سيدي أحمد ولد الطايع في الزراعة التي أتت أكلها اليوم حيث حقق البلد الاكتفاء الذاتي في الأرز حسب آخر تصريح لرئيس أرباب العمل في الولايات المتحدة الأسابيع الماضية، لكن ولد عبد العزيز لم يقتنع سوى ببناء ميناءي "تأنيت" و"انجاگو" اللذين هما في وضعية متدنية للأول ومتوقفة للثاني.
تحاول الإدارة الحالية لحوض آرگين تصحيح الاختلالات الكبرى بالنسبة للعلاقة بالممولين، وتطوير المحتويات المحلية بدعم البنى المحلية الأساسية التي تدعم نجاح أي مشروع أو خطة، والرفع من مستوى وعي الأهالي في التعاطي مع مواردهم عبر حملات تنظيف الوسط وإعطائهم الإرشادات وخلق مقاربات تشاركية، لكنها تصطدم بواقع يطغى عليه الحرمان وغياب التعليم وضعف الوسائل .فهل سيكون هذا التراث التاريخيّ والسياحي والاقتصادي للبلد ضمن تفكير نخبتنا لما بعد 2029 .

الإعلامي والمحلل السياسي محمد محمود ولد بكار