الثلاثاء
2026/09/15
آخر تحديث
الثلاثاء 15 سبتمبر 2026

داعمون للرئيس أخطر من معارضيه!

منذ 38 دقيقة
داعمون للرئيس أخطر من معارضيه!
محمد الأمين الفاضل
طباعة

كان من الغريب جدا أن ينشغل بعض داعمي فخامة رئيس الجمهورية محمد ولد الشيخ الغزواني، في العام الأول من مأموريته الثانية، بالحديث المبكر عن مرشحه المحتمل للرئاسيات في انتخابات العام 2029.
ولولا أن فخامة الرئيس وضع حدا لذلك الحديث المبكر عن الخليفة المنتظر، في خطاب حاسم ألقاه في الثاني عشر من نوفمبر من العام 2025 بمدينة تنمبدغة، لكانت الأغلبية منقسمة اليوم طرائق قددا، ولكل طريقة أو فرقة أو طائفة منها مرشحها الرئاسي الخاص الذي تنشغل بالترويج والدعاية له عن أي شيء آخر.
وللأسف، فما كدنا نفرح بغلق "قوس المرشح المنتظر" في العام الأول من المأمورية الثانية، حتى فُتح لنا في عامها الثاني قوسٌ آخر لا يقل خطورة، ويتعلق الأمر هذه المرة بالمطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات.
فهل نحن بحاجة اليوم إلى خطاب حاسم في إحدى محطات زيارة آدرار، بقوة ونبرة خطاب تنمبدغة، ليوقف نهائيا هذا الحديث المتصاعد المطالب بفتح المأموريات؟
من الضروري جدا أن يعلم كل من يتخذ القرارات أو المواقف، وخاصة إذا ما كانت لها صلة بالشأن العام، أن القرار أو الموقف الجيد عندما يُتَّخذ في توقيت سيئ، يصبح ـ وبشكل تلقائي ـ قرارا أو موقفا سيئًا، وعلى العكس، فعندما يكون ذلك القرار أو الموقف ليس بالجودة المطلوبة، ولكنه اتُّخِذ في توقيت مثالي، فإنه يصبح ـ تلقائيًا ـ قرارا أو موقفا جيدا.
ولعل من أخطر صور المزاوجة بين جودة القرار أو الموقف والتوقيت المناسب، هو أن يكون القرار أو الموقف غير جيد أصلا، وأن يتم اتخاذه في أسوأ الأوقات.
لقد تابعنا في الأيام الأخيرة ارتفاع الأصوات المطالبة بفتح المأموريات، إلى أن وصل الأمر إلى نقاش هذا الملف في الدورة العادية الثالثة للمكتب السياسي لحزب الإنصاف، والذي أحال الملف إلى اللجنة الدائمة، أعلى هيئة في الحزب، لحسم موقف الحزب بخصوص هذا الملف.
لن أناقش في هذه السطور وجاهة أو عدم وجاهة المطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات، وإنما سأكتفي فقط بالحديث عن التوقيت، وهل التوقيت الحالي هو الأنسب للحديث عن هذا الملف، أم أنه هو التوقيت الأسوأ على الإطلاق للحديث عنه؟
أثناء كتابتي لهذا المقال، طالعتُ بعض التقارير في بعض الصحف الدولية تتحدث عن ارتفاع أسعار النفط، واحتمال ارتفاع أسعاره أكثر في الأيام والأسابيع القادمة، وتحدثت تلك التقارير عن مخاوف جدية من حصول اضطراب في الإمدادات، بعد الهجمات على منشآت الطاقة في المملكة العربية السعودية، وهي هجمات أدت إلى خروج خط أنابيب "شرق ـ غرب" عن الخدمة.
تتصاعد هجمات الحوثيين على المملكة العربية السعودية، ويبسطون سيطرتهم على الساحل الغربي لليمن، ومواقع استراتيجية محيطة بمضيق باب المندب، ولا يظهر في الأفق نجاح أي وساطة بين إيران وأمريكا، مما يعني أن العالم مقبل على أيام صعبة جدا بسبب اضطراب إمدادات النفط وارتفاع أسعاره، وموريتانيا ـ بطبيعة الحال ـ هي جزء من هذا العالم، وربما تكون هي الحلقة الأضعف، في ظل عدم اكتمال تشييد مخازن المحروقات، فيختار بعض داعمي الرئيس هذا التوقيت بالذات ليرفعوا من وتيرة المطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات الرئاسية.
فأيُّ توقيت أسوأ من هذا التوقيت للمطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات؟
يعيش المواطن الموريتاني اليوم ظروفا صعبة للغاية بسبب ارتفاع أسعار النفط عالميا، والتي أدت إلى رفع أسعاره محليًا، لتصل إلى مستويات لا تُطاق، وهي قد لا تتوفر أصلا في بعض المحطات في بعض الأوقات بتلك الأسعار المرتفعة، فيواجه بعض داعمي الرئيس هذه الظروف الصعبة التي يعاني منها المواطن بالمزيد من المطالبة بتعديل الدستور وفتح المأموريات الرئاسية.
تصوروا، يرحمكم الله ـ وهذه فرضية محتملة في ظل الأزمة المتصاعدة عالميا ـ كيف ستكون ردة فعل المواطن الموريتاني إذا استيقظ في أحد الأيام القادمة، فلم يجد لتر بنزين في أي محطة، أو استيقظ على زيادة جديدة في أسعار المحروقات، والتي لم يكن يطيق أسعارها أصلًا. تصوروا كيف ستكون ردة فعله عندما يستيقظ على واحدة من تلك الفرضيات، فينظر يمينا وشمالا، فلا يجد إلا مبادرات تطالب بتعديل الدستور وفتح المأموريات.
بكل تأكيد، فإن عدم الحديث عن تعديل الدستور في أيام الناس هذه لن يوقف الأزمة العالمية، ولن يخفف من الأسعار محليًا، ولن يزيد من القوة الشرائية للمواطن، إلا أنه ـ وهذه وحدها تكفي ـ سيقلل من استفزاز المواطن في ظل هذه الظروف الصعبة التي يعيشها، والتي من الراجح أن يزداد تفاقمها مستقبلا إذا لم تتوقف أزمات وحروب الشرق الأوسط.
إن من يدعم الرئيس حقًا، عليه أن ينشغل الآن باطلاع المواطن على احتمالات تفاقم الأزمة العالمية مستقبلا، وأن تفاقمها قد ينعكس بقوة على ظروف حياته في هذه البلاد، وأن يهيئه نفسيًا للتعامل مع القادم الصعب، لعل ذلك يقلل من وقع الأزمة ومن انعكاساتها إذا ما وصلتنا في موريتانيا، وهي ستصلنا حتمًا.
إن من يدعم الرئيس حقًا، عليه أن ينشغل الآن بتهدئة الأجواء السياسية في ظل احتمالات تفاقم الأزمة العالمية، لا أن يرفع مطالب قد تربك المشهد السياسي، وتفشل الحوار حتى من قبل أن يبدأ. وأعتقد أنكم تدركون جميعا الفرق الكبير جدًا بين أن يواجه النظام آثار أزمة عالمية ستتفاقم، حسب الراجح، وهو يعيش تهدئة سياسية وحوارا بين الأغلبية والمعارضة، وأن يواجه تلك الأزمة في ظل احتقان سياسي، وفشل حوار طال انتظاره كثيرا، بعد أن قرر الرئيس أن يلتزم به في برنامجه الانتخابي.
إن من يدعم الرئيس حقًا، وهذه هي الأهم والأقوى لمواجهة الأزمة العالمية المتفاقمة، عليه أن يشجع الرئيس ويدعمه في محاربة الفساد بشكل جدي وحاسم، فمحاربة الفساد هي وحدها التي ستخفف ـ وبشكل مباشر وفوري ـ من آثار الأزمة العالمية على بلادنا، وذلك لكونها ستوفر موارد إضافية تتم استعادتها من المفسدين، وستُرَشِّد تسيير موارد أخرى فتنفق فيما أُريدت له، هذا فضلا عن كونها ستجعل المواطن على استعداد أكبر لتقبل قرارات صعبة قد تفرضها الأزمة العالمية المتفاقمة.
فالمواطن عندما يشعر أن النظام يحارب الفساد بقوة، سيتقبل ـ تلقائيًا ـ القرارات والإجراءات الصعبة، ولكن عندما يتولد لديه إحساس بأن النظام غير جاد في محاربة الفساد، فإنه لن يتقبل أي قرار أو إجراء قد ينعكس سلبا على مستوى معيشته، حتى وإن كان ذلك الإجراء ضروريًا وفي غاية الوجاهة.
المؤسف حقًا أننا لم نسمع عن مبادرة واحدة في صفوف الأغلبية لمحاربة الفساد، والمؤسف أكثر أننا لما أطلقنا ائتلافًا واسعا لمحاربة الفساد، لم نجد تحمسا لذلك الائتلاف في صفوف الأغلبية الداعمة للرئيس.
بكلمة واحدة، إن الداعم الصادق لرئيس الجمهورية هو من يبحث الآن عن كل ما من شأنه أن يخفف من آثار أزمة عالمية تشير كل الدلائل إلى أنها ستزداد تفاقمًا في المستقبل، وليس ذلك الذي يعمل على توتير الأجواء وتعقيدها في ظل أزمة عالمية متفاقمة.
لقد كنتُ ضمن مجموعة من الموريتانيين قررت مؤخرا أن تطلق مبادرة تضامن مع الشعب الجزائري الشقيق في ظل محنة حرائق الغابات، ومع أن هذه المبادرة أُطلقت فقط من أجل التضامن الأخوي بين شعبين شقيقين، لا لشيء آخر، إلا أنها، مع ذلك، قد تساعد في إيجاد حل استراتيجي على المدى المتوسط لأزمة الطاقة المتفاقمة، فهذه الأزمة لن تجد حلًا مستدامًا في بلادنا إلا من خلال تعزيز العلاقات بين موريتانيا والجزائر.
فهل ستفوتُ الحكومة استغلال هذه المبادرة ذات النفع العام من خلال دعمها المعنوي، كما فوتت في وقت قريب، استغلال مبادرات كثيرة أخرى ذات نفع عام، كان آخرها ميثاق المواطنة، والذي هي في أمس الحاجة إليه لتعزيز قيم المواطنة في ظل تصاعد الخطابات القبلية والجهوية والشرائحية والعرقية على حساب خطاب المواطنة الجامع.
الراجح عندي أنه ستفوتُ تلك الفرصة، كما فوتت فرصا أخرى، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

محمد الأمين الفاضل