الأربعاء
2026/10/14
آخر تحديث
الأربعاء 14 أكتوبر 2026

إلى الوزير الأول: قطاع الصيد لا يحتاج إلى أسماء جديدة، بل إلى رؤية جديدة وكفاءات قادرة على الإنجاز

منذ 42 دقيقة
إلى الوزير الأول: قطاع الصيد لا يحتاج إلى أسماء جديدة، (…)
الاتحادية العامة للصيد FGP
طباعة

إن تغيير الأشخاص لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، وتحريك الأسماء لا يصنع إصلاحًا ما لم تتغير معايير الاختيار وآليات التسيير والمحاسبة.

مع كل تعيينات جديدة، يتجدد السؤال الذي لم نجد له جوابًا مقنعًا حتى الآن: هل نحن أمام إرادة سياسية حقيقية لإصلاح الإدارة وتحسين أدائها، أم أمام مجرد إعادة توزيع للمناصب، تأتي بموجبها أسماء وتغادر أخرى، دون أن يعرف الرأي العام لماذا اختير هؤلاء، ولماذا أُعفي أولئك، وما الذي تحقق في عهد المغادرين، وما المنتظر من القادمين؟

إن أخطر ما في هذه المقاربة ليس مجرد غياب الشفافية في الاختيار، بل تحويل المسؤوليات العمومية إلى مواقع للمكافأة السياسية وإرضاء الجهات والقبائل والولاءات، بدل أن تكون تكليفًا قائمًا على الكفاءة والخبرة والنزاهة والقدرة على تحقيق النتائج.

فالمناصب ليست غنائم توزع، ولا تعويضات عن الولاء، ولا أدوات لإرضاء التوازنات السياسية والاجتماعية، وإنما مسؤوليات وطنية ينبغي أن تُسند إلى من يمتلكون مؤهلات تحملها.

ولعل قطاع الصيد والاقتصاد البحري من أكثر القطاعات التي دفعت ثمن هذه المقاربة. فقد تعبنا من المسؤولين العابرين، الذين يدخل بعضهم القطاع دون معرفة حقيقية بتعقيداته، ودون إلمام حتى بأبجديات قضاياه، ثم يغادرونه قبل أن يستوعبوا طبيعة مشكلاته وتحدياته. وفي كل مرة تبدأ مرحلة جديدة من الارتباك والتجريب، وتتوقف مسارات، وتتغير أولويات، وتضيع فرص، وتتراكم الاختلالات، وتتسع أحيانًا المساحات التي يتسلل منها الفساد وسوء التسيير.

إن قطاعًا بحجم الصيد، بما يمثله من ثروة وطنية ومصدر للعملة الصعبة وفرص التشغيل والأمن الغذائي، لا يجوز أن يبقى حقلًا للتجارب الإدارية أو محطة عابرة في المسارات السياسية لبعض المسؤولين.

فهذا القطاع يحتاج إلى رجال ونساء يعرفون البحر قبل أن يعرفوا المكاتب، ويفهمون اقتصاديات الثروة السمكية قبل أن يتحدثوا عن إصلاحها، ويدركون أن حماية الموارد وتحقيق القيمة المضافة وخلق فرص العمل ليست شعارات، وإنما التزامات تقاس بنتائج ملموسة.

السيد الوزير الأول،

إن المسؤولية السياسية عن أداء الحكومة لا تتوقف عند اقتراح الأسماء أو المصادقة على التعيينات، بل تبدأ من تحديد ما يُنتظر من كل مسؤول، وتوفير الآليات التي تمكنه من الإنجاز، ثم إخضاع أدائه للتقييم والمساءلة.

فحتى المسؤول الكفء، إذا أُلقي به في قطاع دون استراتيجية واضحة، ودون أهداف محددة، ودون وسائل تنفيذ وصلاحيات منسجمة مع مسؤولياته، سيجد نفسه كمن أُلقي في عرض البحر، تتلاطمه الأمواج، ولا يملك بوصلة تحدد له الاتجاه ولا أدوات توصله إلى بر الأمان.

ومن هنا، فإن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتغيير الوزير أو المدير، وإنما يبدأ بتغيير المنهج الذي يُختار به المسؤول، وتُحدد به مهمته، ويُقاس به نجاحه أو فشله.

والمطلوب اليوم، قبل أي تعيين جديد أو إعادة ترتيب للمناصب، هو وضع خارطة طريق وطنية تشاركية لقطاع الصيد، واضحة المعالم، محددة الأولويات، موزعة على المدى القصير والمتوسط والبعيد.

خارطة طريق تُبنى بمشاركة أهل القطاع الحقيقيين، من مهنيين وخبراء وباحثين ومستثمرين وعمال وممثلين عن الصيد التقليدي والصناعي، لا أن تُصاغ في المكاتب المغلقة بعيدًا عن الواقع، ثم تُفرض على من يتحملون نتائجها.

ويجب أن تتحول هذه الخارطة إلى التزام حكومي ملزم، تُحدد بموجبه الأهداف والمؤشرات والآجال والمسؤوليات، ويُحاسب الوزير والمدير على ما تحقق منها، لا على قدرتهما على إرضاء مراكز النفوذ أو إدارة التوازنات أو إنتاج الخطابات.

وعلى الوزير الأول أن يضع حدًا لثقافة التعيين دون مشروع، والإعفاء دون تقييم، والترقية دون استحقاق، والمحاسبة الانتقائية التي تجعل النجاح والفشل بلا معايير واضحة.

فليس من المعقول أن يغادر مسؤول منصبه دون حصيلة معلنة، وأن يأتي آخر دون برنامج معروف، ثم ننتظر من هذه الدائرة المغلقة أن تنتج تنمية أو إصلاحًا.

إن التعيين السياسي قد يكون مفهومًا في بعض مواقع القرار، لكنه لا يمكن أن يكون مبررًا لإقصاء الكفاءة، ولا رخصة لإسناد قطاعات استراتيجية إلى أشخاص لا يمتلكون الحد الأدنى من المعرفة والخبرة والقدرة على القيادة.

فالولاء للوطن يجب أن يُقاس بحسن خدمة مصالحه، لا بالقرب من أصحاب القرار، والانتماء الحقيقي يجب أن يكون للكفاءة والإنجاز، لا للقبيلة أو الجهة أو الشبكة السياسية.

السيد الوزير الأول،

إن قطاع الصيد لم يعد يحتمل المزيد من الدوران في الحلقة نفسها. لقد استُهلك الكثير من الوقت في تبديل الوجوه، بينما ظلت الأسئلة الجوهرية معلقة: أين نحن من استدامة الثروة؟ وأين نحن من التصنيع والتحويل المحلي؟ وأين نحن من العدالة في توزيع عائدات القطاع؟ وأين نحن من الشفافية في منح الحقوق واستغلال الموارد؟ وأين نحن من خلق فرص عمل حقيقية للشباب الموريتاني؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تحدد طبيعة التعيينات، لا حسابات المحاصصة والترضيات.

لسنا ضد تغيير المسؤولين، بل ضد تغييرهم دون تغيير السياسات. ولسنا ضد الاختيار السياسي، بل ضد أن يتحول إلى بديل عن الكفاءة والاستحقاق. ولسنا ضد الأشخاص، بل ضد منهج يجعل مصير القطاعات الحيوية رهينًا للتجريب والارتجال.

إننا لا نحتاج إلى وزير يأتي ليتعلم القطاع على حساب مستقبله، ولا إلى مدير يبدأ من الصفر كلما تغيرت التوازنات السياسية، وإنما نحتاج إلى مسؤول يعرف ماذا سيفعل، وكيف سيفعله، ومتى ينجزه، وعلى أي أساس سيحاسب.

والرسالة التي ينبغي أن تصل واضحة إلى الوزير الأول هي أن نجاح الحكومة لن يُقاس بعدد التعيينات ولا بحجم التغييرات في هرم الإدارة، وإنما بما تحدثه من تحول فعلي في حياة المواطنين، وفي مردودية المؤسسات، وفي حماية الثروات الوطنية.

لقد تعب قطاع الصيد من العابرين، وتعب من الارتباك الذي يصاحب كل تغيير، ومن ضياع التراكم المؤسسي، ومن غياب المحاسبة الذي يسمح بإعادة إنتاج الأخطاء نفسها.

لقد حان الوقت للانتقال من سياسة توزيع المناصب إلى سياسة توزيع المسؤوليات، ومن منطق إرضاء الأشخاص إلى منطق تحقيق النتائج، ومن ثقافة الولاء إلى ثقافة الكفاءة، ومن تغيير الأسماء إلى تغيير الواقع.

فإما أن تكون التعيينات مدخلًا لإصلاح حقيقي، تحكمه رؤية واضحة وتدعمه الكفاءة وتضبطه المساءلة، وإما أن تظل مجرد حركة أسماء فوق سطح أزمة عميقة، لا تغير من واقع القطاع شيئًا.

والتاريخ لن يسأل الوزير الأول عن أسماء من عيّنهم، بل سيسأله عمّا أنجزوه، وما الذي تغير في عهد حكومته.

فالأوطان لا تُبنى بإرضاء الولاءات، وإنما بالكفاءات والمؤسسات والنتائج.

الاتحادية العامة للصيد
FGP