الثلاثاء
2026/10/20
آخر تحديث
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026

أبناء أزويرات... إنجازات مشرّفة ومدينة تنتظر ردّ الجميل

منذ 27 دقيقة
أبناء أزويرات... إنجازات مشرّفة ومدينة تنتظر ردّ الجميل
لمرابط ولد لخديم
طباعة

عندما كتبتُ عن السفراء الذين تركوا أثرًا طيبًا في تمثيل موريتانيا والدفاع عن سمعتها في الخارج:
https://avaghfikria.info/archives/4227
جاء الدور اليوم على نماذج أخرى من أبناء الوطن الذين يصنعون الفارق في المهجروالداخل، سواء من خلال العمل الإنساني والتضامن الاجتماعي، أو عبر الابتكار والنجاح المهني.
فقد أطلق شباب موريتانيون في الولايات المتحدة وأوروبا حملات تبرع عبر منصات التواصل الاجتماعي، من أبرزها حملة لجمع 25 مليون أوقية قديمة لعلاج الطفلة توت في الخارج، وحملة لمساندة الفنان الكوميدي الكبير أعمر ولد كي، المعروف بشخصية «شيف» وحارس مستشفى الصداقة، تقديرًا لمسيرته الطويلة في إسعاد الجمهور، وتفاعلًا مع ظروفه المادية الصعبة.
ومن بين الأسماء التي برزت في هذا المجال سيدي السادات، المعروف بـ«ابن أزويرات»، وهو نموذج يستحق التوقف عنده ضمن الحديث عن عطاء أبناء مدينتي أزويرات.
وقبله برز المهندس يب ولد ألمان، منشئ المنصة والتطبيق الموريتاني «هويتي»، الذي حصد، وفق المعطيات المتاحة، جوائز إفريقية ودولية مرموقة عام 2026م، من بينها جائزة أفضل حل حكومي رقمي في إفريقيا ضمن جوائز Africa T-Awards في داكار، والمركز الأول في جوائز African CIO Awards بمراكش(1). ويعكس هذا التقدير أهمية الحلول الرقمية المبتكرة في تقريب خدمات الحالة المدنية وجوازات السفر من المواطنين، مع تعزيز الدقة والأمان وسهولة الاستخدام.
كما يبرز الدكتور محمد لمين الذهبي Mohamed Lemine Dhehby ، محافظ البنك المركزي الموريتاني، بما قاده من إصلاحات اقتصادية ونقدية تستهدف تحديث القطاع المالي وتعزيز الاستقرار النقدي. وقد نال تكريمًا (Africa Fintech Leaders Award) ضمن جوائز رواد التكنولوجيا المالية في إفريقيا لعام 2025، تقديرًا لجهوده في تطوير السياسات المالية(2).
إن هذه النماذج، وغيرها من أبناء أزويرات، تؤكد أن المدينة التي ارتبط اسمها بالحديد والثروة المنجمية أنجبت كفاءات قادرة على التميز في العمل الإنساني والتكنولوجيا والإدارة والاقتصاد.
لكن الاحتفاء بهذه الإنجازات ينبغي أن يقودنا إلى سؤال أكثر إلحاحًا: ماذا قدمنا للمدينة التي أنجبت هذه الكفاءات، وأسهمت ثرواتها في بناء الاقتصاد الوطني؟
تقع أزويرات، عاصمة ولاية تيرس زمور، في الشمال الموريتاني، وقد ارتبط تطورها باستغلال خام الحديد في جبال المنطقة. وفي بداية نشأتها الصناعية، كانت شركة «ميفرما» الفرنسية تتولى إدارة عمليات استخراج الحديد، وكانت المدينة تتمتع بخدمات متكاملة شملت الغذاء ومياه الشرب والكهرباء والصرف الصحي والصحة والتعليم.
وكان القطاع الصحي مثالًا على مستوى الخدمات آنذاك؛ إذ كان مستشفى الشركة في سبعينيات القرن الماضي مجهزًا لإجراء مختلف العمليات الجراحية، وتتوفر الشركة على طائرتين لنقل المرضى من مناطق مختلفة من الوطن. كما كانت البطاقة الصحية العائلية، بحسب ما يُروى عن تلك الفترة، تشمل أفراد الأسرة دون الحاجة إلى إدراج أسمائهم واحدًا واحدًا، في دلالة على اتساع نطاق الاستفادة من خدمات المستشفى.
وفي 28 نوفمبر 1974م، أمّمت الدولة الموريتانية شركة ميفرما في عهد الرئيس المؤسس المختار ولد داداه، رحمه الله، وحلت الشركة الوطنية للصناعة والمناجم «اسنيم» محلها.
وكان المنتظر أن تحافظ الشركة الوطنية على مستوى الخدمات السابقة، وأن تطورها بما يتناسب مع أهمية أزويرات المتزايدة للاقتصاد الوطني. غير أن مسار الخدمات الاجتماعية شهد تراجعًا، وفق ما يراه كثير من أبناء المدينة، مع تقديم اعتبارات الإنتاج والتكاليف، خاصة في فترات انخفاض أسعار الحديد، على بعض احتياجات العمال والساكنة.
وهكذا وجدت أزويرات نفسها أمام معادلة غير متوازنة: شركة لا توفر اليوم جميع الخدمات التي كانت تقدمها الشركة الأجنبية سابقًا، ودولة لم تسدّ بصورة كافية الفجوة الناتجة عن تراجع تلك الخدمات.
فمن يتحمل مسؤولية هذا الوضع؟ وهل يُعقل أن تبقى مدينة بهذه الأهمية الاقتصادية تعاني نقص الخدمات الأساسية، فيما تمتلك من الكفاءات البشرية والإمكانات ما يؤهلها للمطالبة بتنمية أكثر إنصافًا؟
أنجبت أزويرات أطرًا وكفاءات متخصصة في مجالات معرفية ومهنية متعددة، يعمل بعضهم في مختلف وزارات الدولة وإداراتها، فيما حقق آخرون نجاحات في الخارج. وقد ساهمت طبيعتها الصناعية في ترسيخ ثقافة العمل والتنافس والإبداع لدى أجيال من أبنائها.
ومن الإنصاف الإشارة إلى أن إدارة (اسنيم الحالية) بدأت، مشكورة، استثمارات اجتماعية عبر خيريتها في أزويرات ونواذيبو. ونأمل أن تتواصل هذه الجهود وتتوسع، لكن المسؤولية لا تقع على الشركة وحدها؛ فالدولة مطالبة كذلك بالقيام بدورها في توفير الخدمات الأساسية والبنية التحتية وتحقيق تنمية متوازنة.
وتزداد هذه المطالبة إلحاحًا بالنظر إلى الوزن الاقتصادي للمنطقة، وما يُتداول بشأن مساهمتها الكبيرة في الناتج الوطني والصادرات والعملات الصعبة. وهي أرقام تستدعي التوثيق والتدقيق، لكنها لا تغير حقيقة أن أزويرات منطقة استراتيجية، وأن ثرواتها المعدنية ينبغي أن تنعكس بصورة أوضح على حياة سكانها.
فمن غير المقبول أن تستمر معاناة الأسر مع ارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف بعض الخدمات، في وقت تتسع فيه الأنشطة المنجمية وتستقطب المنطقة أعدادًا كبيرة من العاملين والمنقبين عن الذهب.
وتزداد المخاوف مع انتشار مطاحن الذهب وما قد ينتج عنها من تلوث بيئي وأضرار صحية واجتماعية، خصوصًا عند استخدام مواد خطرة مثل الزئبق والسيانيد دون رقابة صارمة. وقد طالبت الساكنة، ومن ضمنها المنتخبون المحليون، بمعالجة هذه المشكلة وترحيل الأنشطة الملوثة عن المناطق السكنية حيثما اقتضت الضرورة، مع تطبيق معايير السلامة البيئية والصحية.
كما تواجه التجارة المحلية والحدودية صعوبات متزايدة بسبب ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، الأمر الذي يزيد الأعباء على أسر لا تعتمد كلها على الوظائف المنجمية.
إن الدراسات والخطط التي أُعدت لتنمية أزويرات تحتاج إلى مراجعة مستمرة، تأخذ في الاعتبار التحولات الاقتصادية والديمغرافية والبيئية. ومن أخطر التحديات التي ينبغي الاستعداد لها شح المياه، سواء للاستهلاك البشري أو للأنشطة الصناعية والاستخراجية.
فكيف يمكن ضمان استمرار النشاط المنجمي، الذي تقوم عليه نسبة مهمة من الاقتصاد الوطني، إذا لم تتوفر مصادر مائية مستدامة؟ وكيف يمكن حماية استقرار السكان وتوسيع الأنشطة الاقتصادية في منطقة صحراوية تواجه ضغطًا متزايدًا على مواردها المائية؟
إن الحل لا يكون بانتظار تفاقم الأزمة، بل بإعداد مشروع استراتيجي طويل الأمد، ومن الخيارات التي تستحق الدراسة الجادة مشروع نقل المياه من آفطوط الساحلي إلى الشمال، بعد تقييم جدواه الفنية والاقتصادية والبيئية، وتحديد كلفته الفعلية ومصادر تمويله.
ويمكن أن تقوم خطة التمويل على ثلاثة محاور:
مساهمة الدولة: باعتبار المياه خدمة أساسية ومسؤولية عامة، وباعتبار المشروع استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل الشمال.
قروض ميسرة وشراكات تنموية: بالتعاون مع الشركاء والمؤسسات المالية القادرة على تمويل مشاريع البنية التحتية الكبرى.
إشراك القطاع المنجمي في التمويل: من خلال دراسة آلية قانونية واضحة تضمن مساهمة الشركات المستفيدة من الموارد المائية في تمويل تأمينها واستدامتها، عبر رسوم أو التزامات محددة وشفافة، تُدرج ضمن الأطر القانونية والتعاقدية المناسبة.
ونأمل من رئيس الجمهورية وحكومته أن يولوا هذا الملف عناية خاصة، وأن يدرسوا إمكانية ربط التراخيص والامتيازات المنجمية بالتزامات واضحة في مجال المحافظة على الموارد المائية والمساهمة في تمويل الحلول المستدامة.
أما ما يتعلق بالضخ، الذي يمثل أحد التحديات الفنية المطروحة، فإن التطور في تقنيات الطاقة الشمسية يتيح فرصة مهمة لخفض تكاليف التشغيل، شريطة أن تؤكد الدراسات الفنية جدوى استخدامها في مختلف مراحل المشروع، وأن تتوفر حلول مناسبة للتخزين والتشغيل المستمر.
ولا تقتصر فوائد تأمين المياه على أزويرات وحدها، بل يمكن أن تمتد إلى مناطق أخرى في الشمال، بحسب مسار المشروع وجدواه. كما قد يفتح توفير المياه آفاقًا جديدة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويتيح التوسع في بعض الأنشطة الزراعية الملائمة، بما يعزز الأمن الغذائي، دون أن يعني ذلك الاستغناء عن الدراسات التي تحدد طبيعة المحاصيل الممكنة وكميات المياه المتاحة لها.
إن مشروعًا بهذا الحجم يمكن أن يتحول إلى رافعة تنموية كبرى إذا أُعدّ على أسس علمية واضحة، ونُفذ وفق أولويات واقعية، وضمن رؤية متكاملة للمياه والطاقة والصناعة والاستقرار السكاني.
أبناء أزويرات.. أين دورهم؟
إن الحديث عن أبناء أزويرات الناجحين في الداخل والخارج ليس مجرد احتفاء بأسماء لامعة، بل هو دعوة إلى تحويل النجاح الفردي إلى رافعة للتنمية المحلية.
فكما استطاع بعض أبنائها إطلاق مبادرات إنسانية، وابتكار حلول رقمية، وتحقيق نجاحات في الإدارة والاقتصاد، فإن المدينة تحتاج إلى تضافر جهود أبنائها، كلٌّ من موقعه واختصاصه، من أجل إعداد تصورات عملية، وتقديم مقترحات مدروسة، والتواصل مع الجهات المعنية، والدفاع عن حق أزويرات في الخدمات والتنمية المستدامة.
ولا يعني ذلك إعفاء الدولة من مسؤوليتها، أو تحميل السكان وحدهم أعباء مشكلات تتجاوز إمكاناتهم؛ بل يعني أن تتكامل مبادرات المجتمع مع مسؤولية المؤسسات العامة والشركات المستفيدة من ثروات المنطقة.
إن أزويرات ليست مجرد مدينة لاستخراج الحديد، وليست محطة عابرة في تاريخ الاقتصاد الموريتاني؛ إنها مدينة ساهمت في دعم خزينة الدولة، وتوفير فرص العمل، واستقطاب الكفاءات، وتحريك النشاط الاقتصادي في الوطن كله.
فهل يُعقل أن تظل مدينة بهذا الوزن الاقتصادي تعاني نقص الخدمات الأساسية وتهديد العطش والتلوث، بينما تستطيع الدولة، بالتعاون مع (اسنيم وشركائها) وأبناء المدينة، وضع خطة واضحة لتغيير واقعها؟
لقد آن الأوان للانتقال من الإشادة بأبناء أزويرات إلى الاستثمار في مدينتهم، ومن الاعتراف بأهميتها إلى ترجمة ذلك الاعتراف في مشاريع وخدمات ملموسة.
فما قيمة نجاح الأبناء إذا لم يتحول، كلٌّ بحسب استطاعته، إلى عطاء لوطنهم ومدينتهم؟ وما قيمة الثروات إذا لم تنعكس على كرامة الإنسان وجودة حياته؟
أبناء أزويرات يحققون الإنجازات في الداخل والخارج، ومدينتهم تنتظر ردّ الجميل؛ فهل تتحول هذه الدعوة إلى بداية عمل جاد يعيد إليها المكانة التي تستحقها؟
الهامش:
(1): جائزة فئة الحلول الحكومية (Africa T-Awards 2026): تُوّج بها التطبيق في العاصمة السنغالية دكار في مطلع أبريل 2026. منحت الجائزة تقديراً للأمن العالي والابتكار في تقريب الخدمات الإدارية من المواطنين. وتسلمت الوفود الموريتانية الجائزة في حفل بالمسرح الوطني الكبير في دكار.
_جائزة أفضل تطبيق معلوماتي في إفريقيا (African CIO Awards 2026): حصدها التطبيق في مدينة مراكش المغربية يوم 8 أبريل 2026. جاء هذا التكريم ضمن فئة "المشاريع الحكومية" المرموقة، وذلك على هامش معرض GITEX Africa الدولي، متفوقاً في حدث جمع وفوداً من 130 دولة وأكثر من 1450 عارضاً.
حظيت المنصة بترشيح رسمي مطلع عام 2025 ضمن فئة "المشاريع الحكومية – التحول الرقمي وخدمات المستفيد". ووضع هذا الترشيح موريتانيا مبكراً في مصاف الدول الإفريقية الرائدة في تبني الهوية الرقمية الحديثة.
كما حظي التطبيق بإشادات واسعة من خبراء التقنية الأفارقة بفضل اعتماده على كفاءات هندسية وطنية بالكامل من مهندسي الوكالة الوطنية لسجل السكان والوثائق المؤمنة، وتطبيقه لمبدأ "الأمن بالتصميم" (Security by Design) لحماية البيانات الشخصية.
(2): جائزة "رواد التكنولوجيا المالية" (Africa Fintech Leaders Award) هي جائزة سنوية تُمنح ضمن فعاليات المنتدى الإفريقي للتكنولوجيا المالية (Africa Fintech Forum) لتكريم القادة والمبتكرين والمؤسسات التي تقود التحول الرقمي وتطوير نظم الدفع والشمول المالي في القارة الإفريقية.

لمرابط ولد

لخديم