الثلاثاء
2026/01/13
آخر تحديث
الثلاثاء 13 يناير 2026

من تأثير أم قرفة إلى تأثير السلمون

13 أبريل 2020 الساعة 15 و35 دقيقة
من تأثير أم قرفة إلى تأثير السلمون
الشيخ أحمد
طباعة

حذار من متلازمة بومرانغ

تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي ورقة تحليلية مؤرخة بـ 24/03/2010، أعدها مركز التحليل والتنبؤ والاستراتيجيات التابع لوزارة الشؤون الخارجية الفرنسية. وقد اعتقدنا، في الوهلة الأولى، أن الأمر يتعلق بزيف سقيم الذوق. ما كان مطمئنا لنا.

لكن ما أولاها الإعلام من أهمية جعلنا نفهم أنها حقيقة وإن ظلت سلامة الذوق بشأنها مريبة.

وقد علمنا لاحقا أن الوثيقة لم تنشر بإرادة من أصحابها، وأنها ليست إلا تسريبا. فلم نعد نعرف ما إذا كان لنا أن نرتاح لتوصلنا إليها، أو أن نقضب له أو أن ننزعج. ثم إنه كان علينا أن ننتقل إلى القضية في عمقها. وهكذا تساءلنا عما إذا كانت الدبلوماسية الفرنسية (وبالتالي قصر الأليزي) أسست على مثل هذه التحليلات عملها في إفريقيا. ومن ثم جاز لنا أن نتخوف. لكن كان علينا أن نتابع التحليل. فبدأنا بالعودة قليلا إلى الوراء.

في بداية مأموريته، وضع الرئيس أمانييل ماكرون، كقاعدة، عدم التدخل في الشأن الداخلي لسياسات الأمم الإفريقية. وانطلاقا من المفاهيم السائدة، يمكن القول بأنه وضع حدا لجهاز "فرانسافريك". لقد صفقنا لأننا كنا جد ساخطين من هيئة باتت تصرفاتها، التي تخول لها كل شيء، موغلة في القدم. إلا أننا بدأنا نلاحظ بعض الانزلاقات واللفتات المتغطرسة، وبعض المتشبثين بالفكر الماكروني الذين يصفعون خدود مُسِنّي الرؤساء الأفارقة، وبعض الاستجوابات المتكررة كما هو الحال في غينيا وبوركينافاسو، وصعوبة الخروج من ربقة الفرنك. إلى غاية هذا اليوم المشؤوم حيث استوقف ناشط كاميروني الرئيس الفرنسي في صالون الزراعة بباريس. إنه مشهد مهلوس وشاعري. كان الرئيس يتمشى في أروقة الصالون مع موكب ضخم من الصحفيين والحرس الخاص والمتعاونين... في المشهد الموالي، تكون الصورة التي ترتسم في المخيال هي صورة يسوع في شوارع بلدة الجليل وفي أزقة معابد القدس. وأكثر من أي وقت مضى، ستأخذ المقارنة بالمسيخ المخَلّص كل معانيها.

في زحمة صالون الزراعة، ارتفع صوت يردد "السيد ماكرون، السيد مكرون"، تماما كالاستغاثة بالمسيح ذي المعجزات قبل ألفيْ سنة حين ينادونه مسترحمين: "يا عيسى ابن داود...". الصدفة عفوية، وهي مستعدة باستمرار لتسهيل المهمة ولتخط قطرا مائلا بفارق ألفيْ سنة. المسيحيان الفاعلان في القصة يدعيان أمانييل (عمنويل، الرب معنا)، والحقيقة أن الرب كان في ذلك اليوم مع الناشط الكاميروني.

الرواية قصيرة، فالناشط قال لماكرون بأن في الكاميرون إبادة جماعية يقوم بها الرئيس بول بيا، وأنه قتل حتى اللحظة ألف شخص، وأن فرنسا هي بلاد حقوق الانسان، وأن عليها أن تضع كامل ثقلها لتتوقف هذه الإبادة، وأن عليها أن توقف كل دعمها لمثل تلك البلدان، وأن ذلك الدعم يختلسه الدكتاتوريون. وردا على كل هذه القضايا، أعطى الرئيس الحق لمحدثه المجهول قائلا "نعم، أعرف". ثم جعل من الناشط المجهول شاهدا حين قال له: "تعرفون مدى التزامي في هذه المواضيع". ثم طلب ماكرون من الناشط أن يبين له حالات اختلاس العون الفرنسي. وتواصلت الحميمية بين الصديقين الجديدين، كما تواصل إفشاء أسرار الدولة. "لقد مارستُ الضغوط على بول بيا لكي يعالج أولا قضية المنطقة الأنكلوفونية ومعارضيها. قلت له: لا أريد أن أراك في مدينة اليون ما دام المعارض كامتو معتقلا. وقد أطلق سراحه". لم يتوقف الرئيس في منتصف الدرب، لقد تناول الكاميرون بحيث سيفعل ما بوسعه، لكنه مدد الكشف عن الحقائق ليشمل كل إفريقيا. فتكلم عن الكونغو وعن ضغوطاته بشأنها، جل حديثه عن الضغوطات، تلك الضغوطات التي سيمارسها على رئيسها القديم جوزيف كابيلا وعلى الاتحاد الإفريقي الذي يرتبط معه بعلاقات...

بعد الماضي، ننتقل إلى المشاريع. "الوضع آخذ في التدهور. سوف أتواصل، خلال الأسبوع القادم، مع الرئيس بول بيا وسنضع أقصى حد من الضغوطات لتتوقف هذه الوضعية". حول كل طلبات محدثه الجديد بخصوص القضايا الإفريقية، تعهد الرئيس برد إيجابي. لقد كشف له بأنه بعد إطلاق سراح السيد كامتو، ما يزال هناك سجناء سياسيون في الكاميرون، فطلب من أحد مساعديه أن يمنحه الأسماء لكي يطمئن الناشط بالجدية التي سيعالج بها هذا الطلب، "لأنني قد أنسى". لقد تعهد بكل شيء: "عليك أن تعلم بأنني سأفعل كا ما بوسعي".

ورقة مركز التحليل والتبؤ تعكس سلوك الرئيس الفرنسي لدرجة لا يخامرنا معها شك أنه استوحى منها أو أنها استوحت منه. هذا ما توصي به الورقة: "لمواجهة انعدام الثقة في النخب السياسية، يتوجب الحصول على محاورين (شركاء) أفارقة آخرين لمجابهة هذه الأزمة ذات التداعيات السياسية". هل وجد الرئيس الفرنسي في هذا الناشط الشاب الشريك المحاور الإفريقي المثالي؟. ما يشد الانتباه هو أن الأسرار التي كشف الرئيس للناشط الكاميروني قريبة جدا من توصيات مركز التحليل والتنبؤ والاستراتيجيات. لقد قال له بأنه سيحول وجهه شطرَ المجتمع المدني الذي ينوب عن النخب في انتظار بروز نخبة سياسية جديدة سيمكن فيروس كورونا فرنسا من إبرازها للوجود عندما خلقت الجائحة أزمة صحية غير مسبوقة. إنها "الأزمة التي أفاضت الكأس" ودقت، دونما شك، أجراس موت "الأنظمة الهشة في منطقة الساحل وتلك الراكضة في معمعان السباق بمنطقة وسط إفريقيا".

تعدّ ورقة المركز مؤشرا على ما لدى أصحابها من فكرة عن العلاقات بين فرنسا والدول الإفريقية الصديقة. فهم يعتقدون أن القادة الأفارقة عبارة عن بيادق قابلة للمبادلة على رقعة شطرنج كبيرة. ولم لا؟. إلا أن الصادم أكثر هو أن تتأسس الورقة على وباء يتفشى في بلداننا الأوربية لنصوغ منه سيناريوهات كارثية بإفريقيا ونتنبأ (كما هو الهدف الوحيد للورقة) بسقوط الأنظمة وبروز قادة جدد. لا توجد جملة واحدة ولا سطر واحد ولا كلمة بسيطة واحدة تحمل مواساة. فقط مسار كارثة معلنة وربما مرجوة.

التوقعات متشائمة لحد لا هوادة فيه، فهي لا تترك مكانا لأقل قدر من الإحساس بالانسانية. "الدولة (في تلك المناطق الإفريقية) ستبرهن أشد برهان على عجزها عن حماية مواطنيها". يمكن أن نفهم من ذلك أن الإنسانية ربما ليست واجبا لدى بعض مئستشاري رجال السياسية. وعكسا لذلك، فإن المهانة يجب أن تشكل جزءا من درع السياسي الذكي. ونأمل أن يفهموا ذلك.

بلداننا الأوربية على حافة المأساة. وإن عدم استعدادنا في وجه جائحة محتملة، وجودة تجهيزاتنا الصحية لم تصمد في إيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة، ونخشى أن يتواصل الأمر، وإنْ بدرجة أقل، في فرنسا. التضامن الأوربي انفجر داخليا أمام هذه المحنة ورأينا الإيطاليين يحرقون العلم الأوربي ويتباهون بحمل العلمين الصيني والكوبي. وبالتالي من حقنا أن نتساءل ما إذا كان لهذه الجائحة أن تسمح باستغلالها في خطاب وقح للأنبياء الذين يبشرون إفريقيا بالنفخ في الصور. كما نتساءل أيضا، بالنظر إلى ضرورة التضامن في فترات مثل الفترة التي نجتاز حاليا، عن ما إذا كانت الأهمية الوحيدة للتحليل تكمن في الحفاظ على مصالح فرنسا واستبدال النخب غير المناسبة لها بأخرى أكثر تقبلا للدفاع عن رفاهيتنا؟. فهنا مكمن القضية. إن خلاصة الورقة لا لبس فيها: "أن نستبق لا مصداقية السلطات السياسية" و"أن نصاحب، على عجل، بروز أشكال أخرى من السلَطِ الإفريقية ذات المصداقية والتي ستولد من الصدمة التي يحدثها فيروس كورونا في إفريقيا...".

هل تتحقق نبوءات كسندرا!.. لقد رأينا أنه من المفيد أن نقدم هذا التحليل-المضاد لأكبر قدر من جمهور القراء لندخل في رهان مع المركز المذكور. فالكارثة الماحقة لن تحدث في إفريقيا. هل هذا الوباء أكثر فتكا من أوبئة الإيبولا والسيدا والكوليرا التي زارت إفريقيا في عديد المرات، لكنها لم تدق أجراس فناء القارة ولم نشاهد المذبحة الواسعة المعلن عنها. فدول الصين وروسيا وكوبا التي طارت لنجدة إيطاليا، وألمانيا التي تأتي لعون بلادنا الواقعة في ورطة، أخذت في تصور سيناريو أقل فظاعة في ‘إفريقيا وأقل انتهازية وأكثر إنسانية من السيناريو الذي رسمه المركز المذكور. ومهما يكن، فإن جهود الدول الإفريقية، ومعاولها، ستتضافر لتمكن من التهيئة الأكثر فعالية والاستعداد الأكبر لآليات الوقاية والعلاج، وبالتالي التسيير الأكثر هدوءا للوضعية.

سوف نتجرأ على تقديم النصح للمركز. لا شك أننا لا نعرف ما علاقة أم قرفة (آكلة النمل) بهذه القصة. فهي لا شك السبب في المأساة الحالية للبشر. ولا شك أن الأفارقة يستهلكونها، لكنهم يستهلكونها بعد طبخها جيدا كما يفعل الفرنسيون مع طبَق لجم البقر أو حساء الدجاج بمرق النبيذ. بيد أننا يجب أن نكون حذرين من أن تُظهر فرنسا أعراض متلازمة سمك السلمون. فمن أجل بقاء نوعه، يعود هذا السمك، على الدوام وفي رحلة الشقاء واللاعودة، إلى مياه البحيرة التي ولد فيها. وبالنسبة للأسماك التي نجت من مخالب الدببة، فإن عملية التكاثر توقّع مذكرة موتها. نفس الشيء بالنسبة للقوى الاستعمارية السابقة التي لا يمكنها أن ترى في إفريقيا غير رقعة شطرنج وحقل اختبار لقوتها.

لقد حلمنا بنهاية "افرانسافريك". ويبدو أن الرئيس ماكرون، الذي سانده واحد منا (أي من الموقعيْن لهذا التحليل)، عاد إلى فرانسافريك بخفة تسمح له بإفشاء سر الدولة لأول مجهول يلتقيه في معرض للماشية. إن إفريقيا تستحق أكثر من هذا. ذلك ما سيفهمه آخرون، خاصة القادة الجدد الذين يتمنى عليهم ماكرون دونما شك في أنهم لن يكونوا ورثة آبائهم. إنهم يصنعون، أمام أعيننا، عوالهم الخاصة. وأقصى المخاطر تتمثل في أن يتحول تأثير أم قرفة إلى متلازمة لومرانغ (وهي الارتداد العكسي لما كان متوقعا، حسب علم النفس الاجتماعي).

كاستون كلمان، كاتب

الشيخ أحمد باحث في السوربون