عطلة خريفية في منتجع باي بيخه
في ذلك اليوم الخريفي، كانت الشمس تريد ان تستقر في كبد السماء عدة جولات بعد طلوعها وكأنها تريد أن تسرق سحر المكان: سماء قريبة من الأرض حيث تتلبد الغيوم، رعد يزمجر بلغة غير مفهومة وكأنه يتوعدنا بيوم مطير، وريح باردة تلامس الجسم فتهدهده وترطبه وتنساح بداخلك في دورة كما لو أنها أنبوب وكأن نسيما ناعما سرى في جسدك تاركا خلجات نفسك تتنفس الصعداء، وأنت تهرب من لظى نواكشوط - الذي لا يترك لك خيارا غير المكوث تحت المكيف الذي يخلق بداخلك عدة أمزجة مركبة بالضجر يغذيها من حين لآخر رنين هاتف تكاد حنجرته تتمزق من إلحاح أصحاب المسائل والحاجات في دولة لا تتحرك فيها الأمور بشكل تلقائي ولا طبيعي وتتطلب رفع المظالم أو دفع الأمور نحو النهاية الطبيعية لها جهودا استثنائية لا تكلل بالنجاح باستمرار مما يجعلك فريسة عدم التفهم من أولئك المساكين اللجوحين بضغط الظروف، وفي مناخ اصطناعي حيث تظل تسعل وتعطس عند كل وضوء أو خروج من ذلك المربع الذي يسجنك فيه ذلك المناخ الضاري، لكن الشمس كانت تفعل شيئا آخر في ذلك اليوم فقد كانت كل مرة تتخلص من الحجب التي تفرضها عليها السّحب باسطة غطاء رحيما على الأرض، وهي (أي الشمس) تبزغ عينها لتقول انه ليس في مقدور أي شيء أن يمنع توغّدها هذا اليوم، وكل ما اقتربت من كبد السماء حيث تريد أن تستقر بعض الوقت فوق الرؤوس، ترسل أشعة أكثر حرقة تشق بها طبقات الهواء المهذار ، وتحل محله، وتلفح الوجوه، وكأنها ترسل النذر على نحو ما بيوم حارق، على الأقل عند القيلولة. ولحسن الحظ لم تتمكن الشمس من تصريف الأمر لوحدها، وبذلك، وبشكل مفاجئ، طافت الرياح الباردة المبللة بنسيم الخريف كل الارجاء، وكأنها تنوي تحدي الشمس المفترسة، وقد أخذت أوراق الأشجار تطوف ذهابا وجيئة مشاركة في انتصار الريح في صراع البقاء ذلك، وأخذ العشب على وجه الأرض يتحرك وكأنه يصفق على نخب ذلك النجاح، ومع أنه ما زال يخاف من عنفوان الشمس الذي يمتص رحيق الخريف عند أول توقف للأمطار ليعود بالعشب أدراجه نحو الذبول، الأمر الذي لم يرهب العشب، فيما يبدو، وهو منتشر على جه الأرض في شكل جداول كما الطحالب على وجه الماء، معلنا في رقصته الوئيدة وحجمه الذي لم يغطّ كامل سحنة الأرض أنه في بداية دورة حياته ومازال يحتاج للمطر وللدعاء، ليقف على سوقه ويغطي باقي المسافات التي ما تزال عارية ومحرومة من فضل هذا الموسم الذي يأتي لأرضنا مرة واحدة خلال السنة ويكون في الغالب شحيحا، ومع كل ذلك يريد أن يبعث برسالة التحدي للشمس وبأن الطبيعة مبنية على التحدي وهذا ما جعل للشجاعة والتضحية والشهامة معانيها وطعمها .
اليوم يوم خريفي وكان كل شيء في الطبيعة يبدو جميلا أو يتهيأ لذلك، باستثنائنا (أنا وصديقي) حيث كنا نشعر بمتعة الهروب من توظيب مظهرنا إمعانا في عدم البحث عن جمال لم يكن موجود أصلا، لكننا كنا شغوفين بالجمال الروحي الذي تبعث به الطبيعة ونسعى لسرقة بعض منه لكي نستعين به على جزء من حياة الملل الذي تفرضه المدينة الكبيرة الفوضوية التي لا تريد أن تتنظم، وحتى وهي تعاشر الجائحة وتريد النجاة بجلدها من هذا الوباء الفتاك الذي يفرض نمطا صارما من النظام والتزام الحذر، ما تزال فوضوية، ولا يمكن للمرء أن يحرز فيها أي حياة خاصة، ولا منظمة، ولا شيء قريبا من ذلك. لقد زاد من رخاء اللحظة جهود صديقي في إضفاء كل شيء ممتع من خارج المحيط، بما يسعى إليه من إسعادك في مثل هذه الأوقات التي تأخذنا لطرد الكلفة والتخلي عن أي حدود أو أي أمر لا لزوم له والعيش مع البداهة والتلقائية وصناعة المرح، والعيش بلامبالاة. إنها لحظات لا تتوفر إلا مع حسن الحظ، لكنه للأسف ما زال يلاحقه طاعون المهنية والاقتدار، المرض الذي يفرض على صاحبه في بلدنا التهميش والإنعزال، ومع ذلك يعيش براحة بال وطمأنينة مع معانقة كاميرا تجلب له حياة مريحة.
صحيح أنه في بعض الأوقات يكون البلد هو الذي يخسر أبناءه كما في حالتنا. .
طافت بنا رحلتانا إلى "كوخ باي بيخه" الذي مات بوطنية لم يدركها أحد.. كان ذلك المرحوم يعتبر أن شعبنا لم يقّدر الهبة التي منحها له الله (هبة البحر) الذي كان يعشقه كما أنه أحد من أفراد أسرته، يعشق ذلك المخلوق الضخم والمليء بالحياة والأسرار قدر ضخامته، وكان يعرف الكثير من عاداته وأسراره، وكان يعرف كل الشاطئ الموريتاني الثمين نقطة نقطة تماما مثل جماعة "أهل بوحبيني" (التي تسكن على الشاطئ دون أن تملك ثقافة صيد رغم أنها تعرف البحر جيدا، تعرف جميع نقاط المياه الباردة على الشاطئ وتحفر فيها آبارا مرات بطول ذراع تدعى "البَظِي"، ويعرف أطفالها جميع أنواع المحار، وقد كان ذلك سبب حكم القاضي النابغة القلاوي لها في نزاع مع بعض قبائل المنطقة حول الأرض، بملكيتها لها، عبر أبياته الشهيرة :
( الأرض أرض تندغا= ومن أبى فقد بغى). وهكذا في مكان فريد من نوعه ومتفرد في مكانه أسس "باي بيخه " (كنية يحبها في الحياة) منتجعه الصغير: جوهرة على شاطئ البحر على ربوة ذات قرار بسبب المحار الذي يدخل في تركيبتها، تقع عند سفح الماء، يلامسها الموج عند المد محدثا صفعة كبيرة على جدار الربوة الرملي ويحمل بعض حشرات البحر الرخوة والقشرية، ويتراجع عند الجزر كاشفا عن مسحة بديعة على سحنة الأرض بتراجع المياه التي تسحب معها بقايا حبات الرمل التي لم تجد مكانا في تلك الأرض المنبسطة المنتظمة والحشرات الحثيثة في تقفي أثر الموج، وعند أعلى الربوة حيث يستبد بك شعور بالراحة المنبعثة من البناء الإيكولوجي للمكان الذي يشكل نقطة فارغة في اتصال الهواء مع بعضه، يشتد طرب الهواء النقي المدفوع بهيجان البحر ، وعند نقاط معينة تقطعه أجنحة البناء الصغير والثقوب ليحدث الهواء أصواتا مختلفة: طنينا وصفيرا وهسهسة تأخذك إلى الوحشة حيث لا يوجد إلا أصوات الطبيعة وهي تخلق فيك شعورا مفعما بالنزهة برهة قبل أن يقطعه هدير البحر حيث يزداد تصفيق موجه المرتطم بالفناء،تشتد وحشة المكان وهيجان الوجدان كلما أرسل الليل سدوله، وبشكل أدق عندما يزول أي نور مرتبط بأشعة الشمس من الهواء ويأخذ الليل بالسيطرة المطبقة على المكان حيث تتغير حركة الموج وأصوات البحر والرياح المنبعثة منه خاصة تيار كناريا البارد ويظهر سمك البوري وهو يؤدي رقصته في الماء حيث تترائى عبر لونه الفضي وحراشفه المنظمة كأنها مسروحة بمشط، وتكون طيور البجع الكسولة قد أخلدت للنوم وطيور النوارس ومالك الخزين وغيرها من الطيور التي تتغذى على السمك، وحين يكون والصيادون التقليديون في زوارقهم بعد عناء يوم صيد شاق، ويبدأ نور النجوم الخافت وكأن شريط ضوء يوحي إليك بعدم الخوف من العتمة وينسل بين طبقات الظلام المعتمة المنبعث من بعيد تتخلله حركة الرياح ذات الأصوات الممتعة، في أنهار الظلام ومشاعر البهجة والتأثر من عظمة الخالق التي ترتجف لها خلجات نفسك بشكل ضارع وكأنه تم وخزها بالرعب الممزوج بالوقوف عند عظمة هذا الرب ويشهد على ضعفك، تبدأ تتخيل بعض الأشكال التي لا عمق لها وتراجع بعض ذكرياتك خاصة تلك التي لم تولِ لها أي أهمية، كل شيء يمكن أن تتخيله في ذلك الوقت وتصنع له صورة أجمل إلا عبد الله ممين المستلقي بجانبك يشق لون جنبه الأبيض سواد الليل وهو يترنم ببعض "اطلع لبتيت "،ويتندر بنكت بعض الأصدقاء.
لم يكن جميلا أبدًا أن أنهي هذا السرد دون أن أعايش من جديد لحظات لن تكرر في عين المكان رفقة المرحوم "باي بيخه" وعظيم الأخوة محمد فال ولد سيدي ميله.. كان محمد فال يقول لي أنه لا يتمنى سوى لقاء شخصين: باي بيخه، وسدوم ولد أيده. كان "باي بيخه" ملهما فعلا. إنه ثمرة معرفة عميقة ودقيقة للبحر. وكان يقول انه نصح السلطات بفكرة شعب البحر، وهي خلق مجتمعات تعيش على الشاطئ للصيد على طول البحر، حيث ستتعايش مع البحر وتملك ثقافة بحرية ذات ألفة مع البحر وتعمل على تزويد البلد بالغذاء من خلال الصيد. ذكر رحمة الله عليه أنه في حديثه مع الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز حول هذه المواضيع أقنعه بقضية منشأة للسفن ومن ثم ميناء تانيت وميناء انجاكو.
هذه الموانئ التي تشكل فرصة للشعب الموريتاني عندما يتم استغلالها بشكل جيد: يبدأ ذلك بتشجيع الاستثمارات وخلق نشاط إضافي للصيد التقليدي ....
لم يكن محمد فال، وهو في حضرة "باي بيخه" يلوك دخان سيجارته بعد أن يسحب سحابات عميقة في الداخل ويعيد إخراجها إلى الخارج وهو ينفث في شيء من الراحة العميقة، يصدر الكثير من التعليقات لأنه يعتبرها فرصة نادرة، وكانت فعلا كذلك، لكن ذلك أيضا ضيع علينا نحن فرصة استيفاء الكثير من تاريخ "البيظان" في هذه الأرض خاصة المسكوت عنه، والاستماع لإطلِع من "لِغنَ المبروم"، إغن النخبة غير المتداول مع محمد فال وهو منصرف كليا إلى "باي".
دام ذلك 36 ساعة في كنف باي بيخه.. تواعدنا على أن نكرر ذلك، لكن الأمر لم يكن ولن يكون بأيدينا للأسف.
لقد كانتا نزهتين ممتعتين بشكل لا يعوّض.
ملاحظة :الصورة تعود لوقت سابق في نفس المنتجع تم الإشارة إليه في المقال .
محمد محمود ولد بكار




